"يا كميل؛ إن لكل حركة تحتاج فيها الى معرفة"، تبدو المسألة بديهية للوهلة الأولى؛ فمن الطبيعي أن يتفحّص الانسان طريقه ووسيلته ثم هدفه، قبل ان يخطو خطوة واحدة في حياته، وإلا حُشر مع العبثيين، وألحق بنفسه ضرراً، وربما وضع نفسه أمام المخاطر والكوارث. لذا فان الامام علي ابن أبي طالب، عليه السلام يؤكد لصاحبه المقرّب؛ كميل ابن زياد، حاجة الانسان الى المعرفة باستمرار، ما دامت حاجته الى الحركة، بكل اشكالها.

وبما أن "المعرفة" يقابلها "الجهل"، فلا أحد ينفي عن نفسه هذه الصفة، لاسيما في ظروف كالتي نعيشها، حيث الجميع متجه نحو التغيير نحو الافضل، او إصلاح ما أفسدته أيدي المفسدين، فهو من جانبه لا غبار عليه، وهو يعرف كل شيء، بغض النظر عن مصادر هذه المعرفة وصدقيتها، وما على الآخرين إلا ان يتغيروا ويصلحوا، سواءً كانوا أفراداً من المجتمع، او مسؤولون في الدولة.

المعرفة التي تنفذ حياة الشعوب

واذا اردنا معرفة مدى جدوائية هذه الحالة، وما اذا كانت مثمرة لاصحابها، يكفي أن نراجع مستوى الوعي والثقافة في المجتمع خلال العقود الماضية، لنرى أن هذا المستوى لم تكن بالمتسوى الهيّن، فقد كان الجميع يتابع عبر جهاز المذياع والصحف والمجلات، الى جانب الكتب والمؤلفات، آخر التطورات والمستجدات، ولعل من أهم المفردات التي وعى عليها المجتمع، هي "الاستعمار"، و "الحاكم العميل"، وما ساعد على تكريس هذه المفردات وغيرها في الاذهان هم انفسهم، أولئك المقربين من الاستعمار والحكام العملاء، لهدف واضح؛ إبعاد التهمة والشبهة وإلقائها بعيداً على الآخرين، فيما بقي الناس خلال عقود طويلة من الزمن يرددون في المقاهي والمحافل الثقافية، هذه المفردات، بغير قليل من الاعتداد بالنفس، كما لو انها دلالة على تميّز صاحبها عن عامة الناس الذين يجهلون من أين والى أين...! لكن ما الفائدة، اذا كانت هذه المعرفة تبقيهم في دوامة الديكتاتورية والتبعية والجهل والحرمان.

ومن أجل ذلك؛ أكد سماحة الامام الراحل السيد محمد الشيرازي – قدس سره- في "السبيل الى انهاض المسلمين" الى "صياغة الذهنية الاسلامية"، فلابد من "معرفة الامراض الكامنة في جسد الامة الاسلامية، ومعرفة كيفية تحقيق الهيمنة الاستعمارية علينا، وما هي خططه التي يحركها ضد الاسلام من وراء الكواليسّ ذلك أن الانسان ما لم يعرف المرض لا يستطيع معرفة العلاج...".

نعم؛ عرفنا بوجود المرض، كما نشعر بعوارضه الخطيرة والكارثية، لكن دون معرفة "تخصصية" كالمعرفة التي يحظى بها الطبيب الذي تكفيه معاينة بسيطة لاكتشاف معالم المرض وهويته ثم علاجه، وهذا تحديداً كانت مشكلة الشعوب التي تحركت بقوة نحو التغيير وقدمت التضحيات الجسام، على أمل الحصول على الاستقلال من المستعمر والحرية مع الكرامة، كما هو حال العراقيين في ثورتهم ضد الاستعمار البريطاني، وايضاً حال الجزائريين في ثورتهم ضد الاستعمار الفرنسي، فعدم وجود الفنارات المعرفية في طريق الاستقلال وصياغة الهوية الثقافية وتحديد معالم المستقبل، جعل من السهل سرقة الثورتين، من خلال تحريف مبادئ الثورة وصناعة شعارات جديدة فارغة من المحتوى مثل "الوطنية" وغيرها، وشراء ذمم عدد من القادة والرموز السياسية من نخبة المجتمع لصنع واقع جديد يأخذ بالتغيير الجماهيري الى حيث يحقق مصالح اقتصادية وسياسية لقوى كبرى.

أية معرفة نريدها؟

إن التجارب المريرة التي عاشتها الشعوب الاسلامية في تاريخها الحديث، والامة بشكل عام في تاريخها القديم، تؤشر الى خلل معرفي كبير أدى بالاخطاء في القرارات، الى نتائج كارثية مدمرة، وربما تكون الاشارة جديرة الى تجربة المشاركة في القضاء على الدولة الأموية، جنباً الى جنب مع رموز الدولة العباسية، بدعوى اغتنام فرصة الأخذ بثأر الامام الحسين، عليه السلام، والانتقام من نظام القتلة والفاسدين من الأمويين، وكانت النتيجة ما يضجّ منه التاريخ من فجائع مريعة من العباسيين بحق شيعة الامام الحسين.

من هنا نجد ضرورة اللجوء الى مصادر معرفية تضمن سلامة الحاضر المستقبل، وتخلو من أي نوع من الدجل والتضليل، وهذا ممكن من خلال جملة عوامل حضارية من شأنها خلق الوعي وصياغة الثقافة، أشار اليها سماحة الامام الراحل في "الى نهضة ثقافية اسلامية"، نشير الى ثلاث منها:

1- تشييد المكتبات وإقامة المعارض السنوية للكتاب في عديد المدن، وفي مناسبات متعددة، لتعريف عامة الناس على أهمية الكتاب وما تضم من افكار تهم جميع نواحي الحياة، من الطفل الى المرأة والصحة والاقتصاد والسياسة والفنون والآداب وهكذا... والى جانب ذلك، تنهض معارض الكتب بمهمة حثّ وترغيب الناس على المطالعة من خلال إقامة المسابقات الثقافية التي تحثّ على المطالعة وكسب المزيد من المعارف، وتخصيص جوائز تشجيعية.

2- إقامة الجمعيات والمؤسسات التي تغني المجتمع بالمعرفة في جوانب مختلفة، بما ينافس ، وبقوة الجهود المبذولة حالياً من قبل مؤسسات تدعي نشر المعرفة التي لا تنتهي الى سعادة الانسان والمجتمع، كما يشير سماحته الى بعض المؤسسات التي "تطالب بهتك المرأة وسحق كرامتها تحت ستار حقوق المرأة، فاللازم على من يريد البحث عن الثقافة الاسلامية ان يكوّن جمعية نسائية مستقيمة...".

طبعاً؛ هذا أحد جوانب المشاريع العملية لنشر الوعي والثقافة، وهناك جوانب اخرى تعني بالشباب والطفل وشرائح اخرى في المجتمع، يفترض ان تجد نصيبها من هذه المؤسسات.

3- إحياء المناسبات الدينية والاجتماعية في إطار فعاليات متعددة تحيي أيام المواليد والوفيات للأئمة المعصومين، وايضاً المناسبات الدينية مثل عيد الغدير والمبعث النبوي الشريف. والامام الراحل يدعو الى "تشويق الناس" للمجالس الدورية والاسبوعية والموسمية في البيوت والمساجد والحسينيات، لما تضخه هذه المجالس والمحافل من وعي وثقافة عامة للناس، ويؤكد سماحته أن "المجالس في البيوت لها اكبر الأثر في التثقيف الاسلامي، وفي الاجتماع الاسلامي، وفي التربية الاسلامية ايضاً"، ويذهب سماحته الى أبعد من ذلك، بالاهتمام بمناسبات الاجتماعية كالاعراس وقدوم الحاج او الزائرين او عند شراء دار جديدة او افتتاح معمل جديد...".

كل ذلك من شأنه ان يقدم للناس والمجتمع منبعاً نقياً للمعرفة تفيدهم في صياغة ذهنية ثقافية خاصة تضعهم في الطريق الصحيح الذي لا اعوجاج فيه ولا انحراف، ولا يُخاف منه السقوط او الفشل، لان المصدر ليس من نتاج أفكار هذا او ذاك، إنما هو يعود الى القرآن الكريم، وتجارب عملية عظيمة جرت على يد الرسول الأعظم والامام علي، صلوات الله عليهم.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0