اسلوب اللاعنف في مكافحة الاستبداد والظلم والفساد في أي مجتمع يعتمد بالأساس على طبيعة القوة في ذلك المجتمع، وان آليات ونتائج هذا الاسلوب ترتبط بشكل مباشر بامتلاك وممارسة القوة للتأثير على قوة الخصم.

بالطبع هذا المفهوم يختلف تماماً للمفهوم السائد في ان نظرية اللاعنف تفتقد لمصادر القوة وتتجاهل ذلك بالضغط على السياسيين في اجراء الاصلاحات التي تخدم المجتمع، وان من ينظر للدعاة بمفهوم اللاعنف بأنهم من الاشخاص السذج الذين يفتقدون لمصادر القوة والتأثير في الرأي العام وخاصة مع توفر وسائل التواصل الاجتماعي اليوم بهذا الانتشار والقوة الكبيرة والتأثير في عقول الناس بشكل مباشر وتحاكيهم عن بعد بهمومهم والمطالبة بحقوقهم بالوسائل المشروعة والسلمية.

مفهوم كفاح اللاعنف اليوم يستخدم الكثير من الوسائل النفسية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية لممارسة الضغوط وتحقيق الاصلاحات المنشودة، وأن هناك اليوم الكثير من الوسائل التي لاتستدعي اللجوء للعنف في تحقيق الاهداف المنشودة لتحقيق الاصلاحات وعلى كافة المستويات، فمثلاً الاضرابات والاعتصامات ومقاطعة المنتجات وعدم التعاون الاجتماعي والسياسي وهذه هي جزء من الادوات التي لاتستدعي اللجوء للعنف لتحقيق جماعات الضغط وصنع البنية الحقيقية الواعية للاصلاح التي تسمى في كثير من البلدان (حكومات الظل) وهي بالحقيقة (أسلحة اللاعنف) المشروعة وفقاً للقوانين المتبعة في جميع البلدان.

هي اسلوب لحشد الناس والاغلبية الصامتة المُغيّبة عن الحكم بصورة مباشرة، وعادة مايكون الخصم المواجه لهذه التجمعات والحركات هم النخبة السياسية والاقتصادية المتحكمة بالبلد والتي تكون معادية لتطلعات الاغلبية الساحقة للشعب.

أن مانشهده اليوم من تظاهرات عارمة في عموم ارجاء العراق ضد سياسات الفشل الامني والاقتصادي والخدمي الكبير وفي كافة مفاصل الدولة جاء محصلة لفشل كبير استمر منذ التغيير في عام 2003 وليومنا هذا ومن حكومات متعاقبة، جاءت المظاهرات مشهداً ختامياً (لنفاذ الصبر) وهذا ما أكدت عليه القيادات الجماهيرية والشعبية والمرجعية الدينية ببياناتها الاخيرة والتي وقفت بالتمام والكمال مع تطلعات الشعب العراقي المظلوم.

الامام الشيرازي ورؤية مقاربة في نظرية اللاعنف:

في عالم اليوم نرى ان الحرية السياسية تقريباً متوفرة وذلك عن طريق إبداء الرأي في وسائل الإعلام وإصدار الصحف والكتب، ونصب محطات التلفزيون والإذاعة وغيرها.

يذكر المرجع الديني الراحل السيد محمد الحسيني الشيرازي (قدس سره) ذلك في جزء من تراثه الادبي أن الاسلام سبق في هذه الحرية القوانين الوضعية، فقد قرر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإرشاد الجاهل وتنبيه الغافل والنصيحة لأئمة المسلمين وكون الإنسان حراً إلا في الحرام وإن الإنسان مسلط على ماله ونفسه. والحريات السياسية كلها داخلة في هذه الأمور كما هو واضح.

والاسلام كفل حق الإنسان في المعارضة الصحيحة، فإن الإنسان له حق أن يعارض الدولة بالمظاهرة والإضراب أو ما أشبه إذا رأى ذلك حقاً، لا أن يعارض الدولة الشرعية لطلب منصب أو جاه أو ماشابه من الأغراض غير الشرعية، وعلى الدولة أن تقابل المعارضين بكل لين ولطف.

إن مما يكفل الحرية في دساتير عالم اليوم هو (سيادة القانون) في علاقة السلطة بالشعب، وعلاقة الشعب بالسلطة، فالقانون هو السيّد، لا القدرة والمال والعشيرة وما أشبه.

أن المسلمين تخلفوا كثيرا عن الامم الاخرى في مجال حرية الرأي، على الرغم من أن الاسلام ينظر لحرية الرأي والتعبير، نظرة جوهرية قادرة على دعم الحياة، بأسباب التطور والتوازن والازدهار، لذلك رصد الامام الشيرازي واقع المسلمين المريض، وقال عنه في كتابه الموسوم بـ(الشورى في الاسلام): (من المؤكد أن الجسم الذي يعشعش فيـه المرض مدة طويلة، لا يمكن علاجه في مدة قصيرة، أو دواء بسيط، وكذلك جسم المسلمين الذي عشعش فيه الاستبداد قروناً، لا يعالج إلاّ بنشر الوعي العام بكل الوسائل الممكنة الإعلامية وغيرها).

لقد ثبت للجميع عمليا، أهمية حرية الرأي والتعبير في المنظور الإسلامي، وربط ذلك بأهمية الحرية كمنهج حياة، لهذا يؤكد الامام الشيرازي في كتابه الذي يحمل عنوان (لنبدأ من جديد) على أن (الحرية هي أساس البقاء ثم التقدم، إن الإنسان إذا لم يكن حراً لم يبق حياً، فكيف يمكنه أن يتقدم؟)، وإن إعادة الحرية تحتاج إلى ملئ النفوس بها والتواصي فيها حتى يطلبها الكل). لهذا فإن ثمة ترابطا في النشأة والتفاعل، يحدث بين مفهومي (رأي الحرية وحرية الرأي)، وكذلك من الناحية العملية ايضا.

اننا لابد أن نسعى ونخطط ونعمل بجدية، وجهود حثيثة لصيانة حرية الرأي والتعبير، على أن تتم مشاركة جماعات الضغط كافة في هذا المجال، ومنها المنظمات المعنية، بالإضافة الى وسائل الاعلام ومواقع التواصل الاجتماعي وما شابه، فالكل تقع عليه مسؤولية واضحة في المنظور الاسلامي، وليس هناك فردا أو جهة معفية من واجبها، في ترسيخ حرية الرأي والاشتراك في التخطيط النظري، والتنفيذ العملي لتحقيق هذا الهدف، من خلال الدخول في المعترك السياسي، والحث على العمل في السياسة وما شابه، بل من المفضل أن يسعى الافراد الناجحون الى قيادة البلد، من حيث التشريع (البرلمان)، أو التنفيذ (السلطة الحكومية) الى التصدي للمسؤولية، ولا تعني حرية الرأي في الاسلام أن نتعامل بسلبية مع الواقع السياسي، ثم ننكفئ ونعتزل السياسة!.

يذكر في هذا المجال بكتابه (الشورى في الاسلام): (لقد أثبتت التجربة إنّ النظام البرلماني فـي بلاد ما، سيكون ثابتاً ومستقراً إذا كانت هناك أحزاب نشطة تتنافس فيما بينها فـي الرأي والعقيدة، وتبحث في القضايا السياسية وتضع آراءها، واتجاهاتها أمام الرأي العام، من أجل التحكيم، وبمثل هذه الطريقة فقط يمكن إشراك الرأي العام، فـي النقاش السياسي العام، وجعله على رغبة واهتمام بالشؤون السياسية في البلاد).

إن من يغض بصره ويصُم اذانه عن سماع مطالب الشعب سيسبب باعتصامات قادمة وربما سيعزز من ثقافة العنف ويهدد وجود الدولة ويحدث ما لا يحمد عقباه!

* باحث في مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0