طريفة تداولها العراقيون في الايام الاولى من الاطاحة بنظام صدام، بأن تم توجيه سؤال عن السبب في انقطاع الكهرباء الى ثلاثة اشخاص: ياباني وافريقي، وعراقي، فقال الياباني متعجباً: وما هو الانقطاع؟! فيما كان جواب الافريقي: وما هو الكهرباء؟! أما العراقي فكان استغرابه في: وما هو الرأي؟!

الديمقراطية المستوردة خصيصاً للعراق بشكلها الحالي أتاحت للعراقيين فرصة التعبير عن رأيهم في قضايا مختلفة وبأشكال مختلفة متجاوزين تلك المرحلة الغابرة، لكن؛ أتمنى لو يتفضّل مراسل او مندوب وسيلة إعلامية بتوجيه السؤال التالي الى أي موطن عراقي في الشارع حالياً: ما رأيك بالديمقراطية؟

الاجابات متفاوتة بين صناديق الاقتراع والانتخابات لدى الكاسب والعامل والفلاح، وبين أن يحكم الشعب نفسه بنفسه عند من يحمل شيئاً من الوعي والثقافة، وقرأ او سمع عن هذه النظرية السياسية، أما من يحومون في فلك الاحزاب السياسية فهي وسيلة معترف بها دولياً للاعتراف بحقهم في الولاية (الحكم) على مشاعر وافكار جماهير معينة إن لم يكن الشعب بأسره، بيد أن الرؤية العامة في العراق –وربما في سائر الدول المشابهة لاحوالنا- إزاء هذه النظرية؛ الافتراض انها خشبة خلاص من الحرمان والتخلف والقلق الذي كان سائداً في الديكتاتوريات الفردية في العقود الماضية.

قوة المجتمع أم قوة الدولة؟

في الدول التي تطبق الديمقراطية بنسب مقبولة في العالم، نلاحظ الحرص على توحيد المجتمع وجماهير الشعب على محاور أساس تمثل عناصر قوة تضمن سلامة المجتمع والدولة في آن، ولن تر مجالاً للفصل بين مصير المجتمع ومصير الدولة، بسبب الحالة التكاملية الموجودة بين الاثنين، كما نجد مفاهيم في العالم الغربي مثل؛ العمل، والمنفعة، والأمن القومي، والقانون، كما نلاحظ في بلد مثل الصين؛ الثقافة بمنزلة الحزام الذي يشدّ حوالي مليار ونصف المليار انسان، وفي الهند؛ تعدد الديانات والمعتقدات، وأي خلخلة في حالة هذه العناصر القوية ينعكس فوراً على النظام السياسي في ذلك البلد ويكون أمام علامات استفهام عن الاسباب الموجبة لحصول التناقض بين النظرية والتطبيق، وأول نتيجة لهذا التناقض تكون الاستقالة، حتى وإن كان رئيساً للجمهورية من الطراز الأول، او محاسبته أمام القانون.

ويبدو أن بعض الدول الديكتاتورية منذ القرن الماضي تسعى للتقليد بأنها عامل توحيد الشعب والأمة ليس بمفاهيم واقعية ذات علاقة بحياة الناس، وإنما بشعارات؛ التقدمية، والاشتراكية، والاستقلال، والتصدّي "لأعداء الأمة"! وفي وسائل إعلام هذه الانظمة كانت المساعي على قدم وساق للإيحاء بأن افراد الشعب لا يفكرون إلا بهذه المفاهيم، ويبذلون الغالي والنفيس، وحتى أرواحهم من أجلها، كما كان الحال في عراق صدام، فكان التصدّي "لأعداء الأمة" أهم بكثير من العلم والمعرفة والانتاج والابداع والثقافة والأخلاق، وحتى من النفس، فكان الجار يشي على جاره، والأب يقتل ابنه الرافض للمشاركة في الحرب، وغيرها كثير من الظواهر الغريبة، إرضاءاً للقائد المطاع.

والغريب أن كثيراً من بلادنا التي يفترض انها تجاوزت مرحلة الديكتاتورية الفردية او الحزبية، ما يزال هذا النمط من التفكير يعشعش في أدمغة بعض السياسيين، رغم أن مفكرين كُثر فضحوا هذه المحاولة منذ زمن بعيد، مثل المفكر والاكاديمي الفرنسي؛ جورج بوردو الذي كشف في كتابه؛ الاستبداد الديمقراطي عن وجود ديمقراطية مزيفة في بعض الدول يسميها "الديمقراطية المحكومة"، في مقابل "الديمقراطية الحاكمة"، فالاولى تحمل كل مواصفات النظام الديمقراطي من؛ انتخابات، و احزاب سياسية متنافسة، وبرلمان يشكل حكومة تعمل على توفير ما يريده الشعب من احتياجات يومية، بيد أنه "شعب زائف"، في مقابل "شعب حقيقي" واعي، ومتطلع الى النمو والتطور في المجالات كافة، وهو شعب الديمقراطية الحاكمة كما يراها المفكر الفرنسي.

لننظر الى عناصر الوحدة والتلاحم في المجتمع العراقي، ثم لننظر كيف تعاملت الطبقة السياسية الحاكمة في الوقت الحاضر مع هذه النعمة العظيمة، والفرصة الكبرى لتقدم وازدهار بلد مثل العراق؟

عُرف المجتمع العراقي منذ القدم تمحوره حول الدين والعقيدة والايمان، وهو ما يدعو الى العلم والمعرفة والتثقيف في كل نواحي الحياة، مثل؛ التربية، والصحة، والعلاقات الاجتماعية، وبموازاة الدين؛ الأخلاق، وكل تضم من منظومة العادات والتقاليد والآداب ما ينظم سلوك الفرد وعلاقته بالمجتمع، وعلى اساس هذه القاعدة المشتركة كان الاندفاع لمواجهة التهديدات الخارجية كما حصل في التصدّي للاستعمار البريطاني في ثورة العشرين ليتكون لنا عنصر قوة آخر هو؛ الوطن الجامع لكل افراد الشعب الذي يعيش فيه تحت اسم العراق.

والمحزن حقاً أن يكون الانتماء الى الدين والأخلاق أول الغائبين في تكوين عناصر القوة الجديدة للمجتمع العراقي، رغم أنه كان محور الصراع الدموي مع شعارات صدام ومبادئ حزبه الحاكم، فبدلاً من استثمار هذا الانتماء الأصيل، حصل الانحراف المريع نحو الانتماء الى تجمعات سياسية متلفعة برداء الديمقراطية والتعددية، والنتيجة؛ أن ينتج لدينا قوة في العراق للجماعات السياسية وللذوات وليس للشعب العراقي.

وبدلاً من أن تعطى الجماهير حقها في المشاركة وتنضج التجربة لديها، وتستفيد من حقوقها ، نراها تجد نفسها منقادة في معارك سياسية في الشارع لصالح هذا وضد ذاك. كما لو أن الجماهير هي التي تمثل السياسي وليس العكس!

من ينقذ الناس من السياسيين؟!

عبارة طالما أثارت أسفي على حال البلد من "سياسي" طالما ادّعى الكثير لنفسه، "بأننا نتفوق على كل بلدان العراق في طريقة تطبيق الديمقراطية، ففي العالم البرلمان هو الذي يحاسب المسؤول، بينما نحن في العراق الحزب هو الذي يحاسب المسؤول التابع له قبل ان يحاسبه مجلس النواب، لدينا مرحلتين للمحاسبة"! وهذا المتحدث نفسه لو كان يعرف أنه معرض للمحاسبة بالشكل الذي يوهم به الناس، لما وصل الى المناصب التي تنقل فيها بين فترة واخرى، ثم إن الحزب السياسي يعد الوزير والمدير واجهة تمثله وتحمي مصالحه، والأنكى من كل هذا؛ إن كانت ثمة محاسبة، فان سلسلة الفساد ستسحب جميع المتورطين في هذا الحزب.

بهذه السذاجة والسطحية اقنعوا الناس أنهم يمارسون الديمقراطية، وسيحققون لهم ما يريدون، يكفي أن يشكلوا طوابير طويلة على مراكز الاقتراع وينتخبوا المرشحين المنظورين.

وبسذاجة من نوع آخر يحاولون الابقاء على صمت الناس وتحييد موقفهم بدعوى الحفاظ على مصالحهم، وأن تسير حياتهم اليومية بسلام، مع توفر المال في البطاقة الذكية، وبعض فرص العمل والخدمات هنا وهناك، بينما الغاية القصوى؛ الحفاظ على "الديمقراطية المحكومة" في العراق، والتلاعب بمشاعر الفقراء والعاطلين عن العمل، ومن ليس لهم حظاً وافراً من الثقافة الوعي، مما خلق لنا وضعاً مزرياً في الشارع لا يمكن السكوت عليه مطلقاً عندما نرى المجتمع العراقي وقد انشطر بسكين الاحزاب السياسية الى شرائح صارخة، وصامتة، واخرى منتفعة من ارتباطها بالاحزاب السياسية.

هذا الواقع المصنوع سياسياً هو الذي يجب ان يتغير ويعود الناس الى حالة التمحور حول منظومة القيم والمبادئ المعبّرة عن هويتهم وتاريخهم، وأن يكون الساسة والمسؤولين، من أصغر موظف، الى وزير، وحتى رئيس الدولة انعكاساً لهذه الهوية، ومحل ثقة لتحقيق تطلعاتهم وآمالهم، ولو بنسبة معينة.

وهذا لن يتحقق إلا على يد من هم لصيقين بأفراد المجتمع من اصحاب الثقافة والعلم والمعرفة، والأرضية الممهدة لهذا؛ ما يحظى به علماء الدين والاكاديميين والخطباء والكتاب، من احترام عامة الناس، لهم ولأفكارهم وآرائهم، ولا أدلّ من المنزلة التي يحظى به عالم الدين والخطيب لدى بعض شرائح المجتمع، وما التحشيد الموجود اليوم في الشارع إلا بفضل التثقيف المنزلي لسنوات طوال على احترام وتقديس عالم الدين.

هنا تبدو المهمة خطيرة وتاريخية، بأن يتحمل المثقفون دورهم الشجاع في التقليل من رقعة تلك الشريحة التي يرتكز عليها سياسيو الصدفة، ومن يعشعشون في مستنقعات الجهل، والصدح بصوت واحد؛ بأن الحقوق متعلقة بكل العراقيين، وليس لفئة دون أخرى، فالفقير، والمتعلم، والغني، والعالم والجاهل، لديهم حقوق مع الفارق بما يتناسب ومستوياتهم، لذا فان الصوت يجب ان يكون واحداً لا متعدداً يتخذه البعض أدوات حادة للتراشق والتناحر من اجل مصالح لا علاقة لكل هؤلاء بها.

اضف تعليق