في العهد العثماني لم تكن العوائل الإدارية عموماً والموظفين تحظى بود أو تفضيل، ويعزى ذلك إلى أنها كانت مصدر ألم وليس فائدة لعموم الناس، أما في عهد المملوكيين وما سبقهم فقد كان الاشتغال لدى الحكومة مساوياً للاشتغال الخاص، إذ كانت المناصب تشترى في الغالب ويحظى بها الناجحون خلال مسيرتهم في الوظيفة.

يسرد الباحث حنا بطاطو في الجزء الأول من كتابه الطبقات الاجتماعية القديمة والحركات الثورية، يسرد كيف يكون شيئاً كالمسؤولية العامة صعباً إيجاده وربما كان أمراً عسير الفهم، فالممارسة العامة في عهد المملوكيين والقاضية بفرض نسبة كبيرة غير متكافئة من عبء الضرائب على موظفي الباشا السابق لا تحسب من أجل مصالح الدولة، ففي تقرير مؤرخ في عام 181 نقرأ ما يأتي:

"إن كل رجل مستخدم يعمل ما بوسعه من خلال منصبه ويؤمن أكثر ما يستطيع مسبقاً من الحطام الذي يعني أنه لا يزال طافياً حتى في ذروة ازدهاره".

ويبدو أن الأمور لم تتحسن كثيراً بعد الإطاحة بالمملوكيين عام 1831 أو اتباع الإصلاحات المعروفة بالتنظيمات (1839-1876)، إذ ينقل بطاطو عن مؤرخ بغدادي عام 1860 قوله:

"إن الترف الذي يبديه الموظفون في زماننا يمكن أن يعزى إلى واحد من شيئين: إما أنهم يسئون استخدام الأموال العامة، أو أنهم يراكمون هذه الأموال من خلال الفساد أو بقسر الناس أو انتهاك حقوقهم وجعلهم يعملون بلا أجر ويفرغون جيوبهم".

وما يعزز شبهة الفساد في عمل المؤظفين، فإنه في عام 1870 في أحد مخازن الحبوب العامة كان هناك مقياسان أحدهم أصغر والآخر أكبر من مقياس السوق الاعتيادي.

الأصغر كان يستخدم في بيع القمح، والأكبر يستخدم لشرائه أو خزنه.

المقياس الأصغر كان بفارق 10% للمشتري والثاني 16% للبائع.

ويستنتج نائب قنصل معاصر بحسب قول بطاطو، بأن ذلك يعطي للحاكم وللآخرين مصادرة ما قيمته 26% زوراً واحتيالاً.

وبالنسبة للعراق الذي كانت الخدمة فيه مشهورة بسبب بعده عن عاصمة الدولة العثمانية فإن عناد العراقيين وقسوة الطقس قد دفع إليه فقط الموظفين الجهلة وغير الكفوئين وسيئء الأخلاق.

إن دافعهم الوحيد هو الحصول على المال الذي تراكم بواسطة فرض الضرائب.

السبب الرئيسي في سيطرة الموظفين الفاسدين هو ضعف سلطات الوالي نتيجة المركزية الشديدة التي قلصت صلاحيات الوالي، والسبب الثاني قصر مدة حكم الوالي في ذلك الوقت، فضلاً عن معرفة الموظفين بسلسلة العلاقات الاجتماعية وقدرتهم على التواصل بشكل ضمن لهم سطوة كبيرة على حياة العراقيين.

لم تتغير حياة العراقيين خلال فترة الانتداب البريطاني، لسبب مشابه، فالمشكلة بقيت مستمرة في الميزان السياسي، والعلاقات بين القوى المتصارعة كان ينقصها الميزان الموحد، كل طرف يقيس المواقف حسب ميزان مصالحه وليست بميزان ثابت.

العراق في عهد الانتداب البريطاني والحكم الملكي وقع تحت تأثير مجموعة قوى، وهي القوة البريطانية التي تصارع من أجل الحفاظ على مصالحها، وقوة الملك وحاشيته من الضباط الشريفيين الذين كانوا في طور بناء قوتهم التي تتفق في كثير من أهدافها مع المصالح البريطانية، ولكنها تختلف في قضايا أخرى.

ثم هناك العشائر والمتنفذين في الريف العراقي، وهم يمثلون القوة الثالثة التي لم تكن تملك مفاتيح السياسة، لكنها امتلكت رجال العشائر الذين يعارضون أو يؤيدون حسب ما تقتضيه مصالحهم واستمرار مواردهم المالية.

لم يكن هناك ميزان موحد، بمعنى غياب القاعدة الثابتة لتحديد الحقوق والواجبات للجميع، وتضع الحدود للصلاحيات بحيث لا يستطيع أحد تجاوزها، وهذا الميزان هو الدستور أو القانون الأساسي للدولة.

افتقدت الدولة لهذا الميزان للتعاطي مع القضايا الوطنية منذ المملوكيين وحتى العهد الملكي، كما لم يختلف عهد الانقلابات الجمهوري، ثم ديكتاتورية صدام.

لقد كان العراق مفتقداً للميزان، وكل الصراعات السياسية، حتى تلك التي تجري الآن في عام 2022، تجري حول من يراكم الفوائد أكثر ويعطي أقل، فهي صراعات لا تهدف إلى إصلاح الميزان ووضع قواعد موحدة للحقوق والواجبات والصلاحيات، إنما هدفها التدافع على الزعامة وفرض الشروط وتوسيع قاعدة النفوذ والمصالح.

إذا كنا نريد إصلاح الوضع العراقي، يجب أن تتوقف صراعات المصالح، والتوجه نحو صناعة ميزان موحد للتعاطي مع القضايا الوطنية، بعيداً عن الأهواء والشعارات الرنانة، وهي المهمة الأصعب والأكثر أهمية، ولو استطعنا بناء هذا الميزان سيكون من السهل معايرة المواقف وقياس حجمها وتقييم ثمنها بشكل ينفع الدولة.

اضف تعليق