في ختام مسلسل تشيرنوبيل يقول فاليري ليغاسوف وهو النائب الأول لمدير معهد الطاقة النووية في الاتحاد السوفيتي: حينما تكون الحقيقة مهينة نحن نقوم بالكذب والكذب والكذب إلى درجة أننا لا نتذكر أنها موجودة، ثم يستدرك: لكنها ما تزال موجودة بالفعل، وكل كذبة نقوم بها تحمل دَيْناً علينا للحقيقة، وهذا الدين سيدفع عاجلاً أو آجلاً.

أن تكون عالماً يعني أن تكون ساذجاً، نحن نصب جام تركيزنا في بحثنا عن الحقيقة، لدرجة تمنعنا الأخذ بعين الاعتبار من يريدون حقاً إيجادها، لكنها دائماً موجودة سواء رأيناها أم لا، سواء اخترنا رؤيتها أم لا.

الحقيقة لا تكترث بشأن حاجاتنا ورغباتنا.

لا تكترث لحكوماتنا. مبادئنا. أدياننا.

ستقبع بالانتظار إلى الأبد. وهذه في النهاية هبة تشورنوبيل. حيث كنت أخشى ذات مرة ثمن الحقيقة. والآن أنا فقط أسال.

ما هو ثمن الحقيقة؟

يسأل ليغاسوف وهو أصغر عالم نووي في الاتحاد السوفيتي آنذاك، يحصل على عضوية أكاديمية العلوم السوفيتية، شارك لمدة أربعة شهور مرابطاً في موقع محطة تشيرنوبيل النووية، بعد انفجار المفاعل الرابع في 26 أبريل نيسان 1986. ولم تصدر القيادة السياسية إعلاناً رسمياً على الحادث إلا بعد مضي ثلاثة أيام ووصول الإشعاعات النووية إلى السويد.

كان لديه اعتقاد بأن لجوء القيادة السياسية في الاتحاد السوفيتي إلى الكذب هو الذي تسبب بالكارثة، وكاد أن يدمر نصف العالم.

وبحسب مقال منشور في موقع روسيا اليوم، أصبح ليغاسوف مكروها من غورباتشوف، إثر الاجتماع العاصف مع أعضاء المكتب السياسي بعد الكارثة، حينما انتقد بحدة التأخر في إجلاء سكان المناطق المحيطة بالمفاعل المتفجر، وتحديداً بلدة بريبيات المحيطة بالمحطة النووية.

فالقيادة السياسية لا تريد أن يعلم أحد بالكارثة، وأي إجلاء للسكان سيوجه الأنظار إلى هناك ويتسبب بكشف الحقيقة، لقد أرادوا طمر الحقيقة، لكنها أبت إلا أن تظهر على شكل سحابة نووية مدمرة وصلت إلى السويد ودول شمال الكرة الأرضية.

وبسبب سياسة التعتيم والكذب لا توجد أرقام موحدة حول الكارثة، فقد قدرت الأمم المتحدة أعداد الضحايا بأربعة آلاف شخص، بينما قالت السلطات الأوكرانية إنهم ثمانية آلاف شخص، لكن ذلك لم يكن كافياً لتصدقه المنظمات الدولية التي توقعت وفاة ما بين 10 و90 ألف شخص نتيجة إصابتهم بسرطان الغدة الدرقية.

وتشير مواقع إخبارية روسية إلى إحصائية رسمية لوزارة الصحة الأوكرانية إلى أن 2.3 مليون من سكان البلاد ما زالوا يعانون، حتى الآن، بأشكال متفاوتة من الكارثة.

الأرقام الروسية تقول أن كارثة تشيرنوبل تسببت في تلوث 1.4 مليون هكتار من الأراضي الزراعية في أوكرانيا وروسيا البيضاء بالإشعاعات، وأن 30 ألفا من المشاركين والشهود قد ماتوا، وهناك 70 ألف معوق يعانون من آثار تشيرنوبل طوال حياتهم. بينما طال التلوث 17 دولة أوروبية.

كلفت عمليات إزالة آثار الكارثة على مدى السنوات 1986-1991 أكثر من 30 مليار دولار.

لقد كانت تكلفة باهظة اقتصادياً وسياسياً، وبينما كانت المفاعل الرابع ينصهر بفعل الحرارة الشديدة، كان النظام السياسي للاتحاد السوفيتي كله يتعرض لعملية انصهار، فقد تراكمت الأكاذيب وأجبرت الحقيقة على إعلان نفسها عبر الانفجار.

كان هناك خلل في مجمل الأداء الحكومي، ومنهجية إدارة الاتحاد السوفيتي، وكانت المحطات النووية جزءاً من هذا الخلل.

في النهاية انهار الاتحاد السوفيتي بعد خمس سنوات من الكارثة النووية، لم يعد من الممكن طمر الحقيقة، والدولة الضعيفة لا تنقذها الأكاذيب، ولا الترقيع، فهناك مرحلة حرجة تتعطل كل أدوات التحكم وتتناثر شظايا النظام في أجواء مرتبكة.

وحتى هذه اللحظة ما زالت روسيا وريثة الاتحاد السوفيتي تمارس نفس النهج السابق الذي السوفيت إلى الانهيار.

وتلك طبيعة الدول الشرقية، تخرج حقبة تاريخية عبر انفجار كارثي، قد يكون تقنياً، وقد يكون سياسياً أو اقتصادياً، ثم تدخل في حقبة جديدة لتنتج نفس الظروف المواتية للانفجار الجديد.

لماذا؟

لأنها دول غير حقيقية، تعيش على الغطرسة والاحتيال والتغاضي عن الأخطاء، ليست المنظومة السياسية فحسب، بل جميع أفراد المجتمع، نحن في الشرق جبناء في مواجهة الحقيقة، لذلك تجدنا ضحايا لأفعالنا غير الشجاعة.

اضف تعليق