كتب الكثير من المعلقين السياسيين بشأن أزمة السياسة الخشبية بين التيار الصدري من جهة وقوى الإطار التنسيقي من جهة أخرى، واتفقت أغلب الكتابات على صعوبة أشبه بالمستحيلة أن يشكل التيار الصدري الحكومة بدون قوى الإطار التنسيقي كما أراد زعيم التيار السيد مقتدى الصدر، وفي المسار المضاد من شبه المستحيل أن يستطيع الإطار التنسيقي تشكيل الحكومة بدون نواب التيار المنسحبين من البرلمان.

العلاقة بين الطرفين متخشبة ومتيبسة وعديمة المرونة، على رأس الأسباب الخلاف الشخصي بين زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر وزعيم ائتلاف دولة القانون نوري المالكي، وهو خلاف له جذور تعود إلى أيام صولة الفرسان وتراكمت طوال السنوات الماضية ليكون التسريب الصوتي للمالكي والذي يتهجم فيه على الصدر أحدث فصولها.

كما لا يُخفي السيد الصدر خلافه العميق مع الفصائل المسلحة المتحالفة مع إيران، حيث يصفهم بالتبعية والمليشيات الوقحة، بينما يقول إعلام الفصائل أن الصدريين يتبعون أوامر خارجية لتدمير سكان الجنوب العراقي.

ونقطة الارتكاز في كل ما يجري هو التزاحم حول من يكون الأول في زعامة المكون الشيعي ومن يجب أن يُنفى من الأرض وإلى الأبد. ما دام المالكي فاسد يعتقد الصدريون أن واجبهم تدميره في حربهم ضد الفساد، وما دامت الفصائل تابعة لإيران يجب تفكيكها وتخليص العراق منها.

بمعنى آخر، لا يوجد هناك تزاحم حول من يكون الزعيم ومن يكون في مرتبة أدنى منه، بل هناك رغبة من طرفي الصراع بالسيطرة على كل شيء، وإلغاء أي وجود للطرف الآخر.

في الأشهر الأولى لحوارات تشكيل الحكومة قلنا من شبه المستحيل أن يستطيع أحد الطرفين تشكيل الحكومة، وقد حدث ما قلناه، أما الآن فنقول من الصعب استمرار الأحزاب الشيعية بشكلها الحالي، لن يفلتوا من انهيار حكمهم الذي طالما كانوا يحذرون سقولطه بمؤامرة خارجية.

لقد انتهت الأحزاب الشيعية عملياً، سوف يخسرون آخر ما تبقى من رصيدهم السياسي، وسوف تنهار آخر حصونهم المنيعة، فالجدران لم تعد قادرة على الحماية، والكتل الكونكريتية يمكن إسقاطها بالحبال، والقوات الأمنية التي تعاونوا على تدميرها عبر دعم الجيوش الموازية غير قادرة على فعل شيء لحماية مقراتهم الحزبية، أو المقرات الحكومية.

الزعماء فقدوا كل أشكال القداسة، يشتمون في المجالس الخاصة والعامة، ولم يعد مستصعباً نقدهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

الناس يلقون عليهم المسؤولية، ويتهمونهم بالتسبب بضياع البلد، وهنا لا أتحدث عن طرف يحاول الإفلات من التهمة عبر تبني خطاب سياسي مغاير لخطاب القوى المتنفذة، اتحدث عن قناعات شعبية راسخة، عن مواطنين لا يمانعون من استبدال جميع القوى الشيعية من أجل الخلاص.

الجميع قد وصلوا إلى النقطة الحرجة، نقطة اللاعودة، فربما كان التصعيد السياسي استراتيجية لإثبات الوجود، لا سيما وأن أقوى الأطراف كانت تلك التي تتعرض للنقد الشديد نتيجة مواقفها المتصلبة، لكنها كانت تتراجع في فترات معينة لتجنب الوصول إلى النقطة الحرجة أو نقطة اللاعودة.

لقد وصلنا الآن، لا عودة عن التصعيد، كل شيء يشير إلى ذلك، لا حوار، لا تفاهم، ولا مخرج، الضغط في أشد مراحله، والأبواب مغلقة، سوف تموت الأحزاب الشيعية بشكلها الحالي، ليس من خلال قوة خارقة هائلة كما يقول فائق الشيخ علي، بل لأنها لم تعد تملك ما يمكنها من الاستجابة لمتطلبات الواقع.

شيء واحد يمكنه إخماد الحريق، وهو المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف، فما دامت لا تتدخل حتى الآن، فالكل سوف يحترق، إلا إذا كانت لها كلمة في وقت معين لتأجيل النهاية الأليمة للقوى الشيعية المتصارعة على قيادة المكون الشيعي.

اضف تعليق


التعليقات

سيد مصطفى
العراق
يبدو ان صاحب المقال نسي او تنسى عمدا او جهلا ان القوى التي تم دعمها مقابل الجيش الرسمي .. هي قوى وطنية تشكلت بفعل فتوى تاريخية من مرجع الشيعة الاكبر .. ولم تشكل هذه القوى مقابل القوى الامنية الا حينما انهارت هذه القوى الرسمية تاركة وراها معدات واسلحة تقدر بملايين الدولارات مقابل شرذمة جاهلة لا يعرفون من الدين سوى القتل والذبح منهجا ً2022-07-31
مسلم عباس
العراق
تحياتي لكم سيد مصطفى... لكنني لم اتطرق للقوى التي تشكلت بفعل الفتوى المباركة للمرجع السيستاني.
والمقال يتحدث عن تراكم الأخطاء السياسية التي ستكون نتيجتها الدمار للجميع.2022-07-31