قدم أعضاء الكتلة الصدرية النيابية البالغ عددهم (73 نائب) استقالة جماعية كمشرعين في مجلس النواب والعملية السياسية بعد يومين من تهديد السيد الصدر في خطاب متلفز وايعازه لأعضاء الكتلة الصدرية بتقديم استقالتهم الى رئيس مجلس النواب، وهو ما حدث فعلا باستجابة سريعة من قبل رئيس مجلس النواب نفسه، تأتي الاستقالة الجماعية هذه بعد سبعة اشهر من اجراء الانتخابات النيابية والتي فازت بها الكتلة الصدرية على باقي الكتل والأحزاب السياسية.

ظلت رغبة الصدر بتشكيل حكومة مختلفة عن الحكومات التي عرفها العراق منذ عام 2005 تقوم فكرة الصدر برغبته بتشكيل حكومة قائم على أساس فريق يحكم وفريق في المعارضة، وقد تمكن الصدر من تشكيل تحالف ثلاثي يضم كتل أساسية من السنة والكرد إضافة الى الكتلة الصدرية، وقد شكل اغلبية مطلقة لكن مع وجود تكتل آخر مصر على ان تتشكل الحكومة والرئاسات الثلاث وفق المحاصصة والتقاسم الحزبي والمكوناتي، وما شجع على ذلك هو تفسيرات المحكمة الاتحادية بعد طلب رأيها من قبل القوى الأخرى ورئيس الجمهورية الحالي فكانت تفسير المحكمة الاتحادية يقضي بأن ينتخب رئيس الجمهورية بأغلبية الثلثين، ويعد انتخاب رئيس الجمهورية مقدمة لتكليف رئيسا للوزراء وهو اعلى سلطة تنفيذية في البلد.

طرح الصدر عبر سبعة اشهر الماضية عدة مبادرات وحلول وكلها كانت تحمل في جوانبها تشكيل الحكومة وفق الأغلبية السياسية دون ان يتمكن تحالفه الثلاثي للوصول الى ضمان العدد الكافي لانتخاب رئيس الجمهورية، وصولاً الى هذه المرحلة التي شكلت حالة فريدة من نوعها في العراق الحديث بأن تقدم كتلة فائزة بأغلبية الأصوات استقالتها مما يوفر ذلك إحلال بدلاء عنهم من كتل أخرى واغلبها من خصوم الصدر التقليدين، في وقت تشهد العملية السياسية اقتتالا على المناصب يتم بيعها وشرائها تصل الى عشرات المليارات، كجزء من حالة الفساد المستشري ومحاصصة المناصب والتغول من خلال السلطة، من هنا يأتي التساؤل عن اهداف الاستقالة وما الذي سيكون ورائها؟.

بدأ علينا ان نأخذ في الحسبان ان التيار الصدري دخل الانتخابات الأخيرة بعد ان انسحب منها وفق شروط منها انهاء التسقيط الذي رافق تلك المرحلة وكذلك مسألة اهم أن التيار الصدري اذا ما فاز في الانتخابات فيكلف بتشكيل الحكومة، بعد ذلك دخل التيار الصدري بثقله وتمكن من حصد اغلبية المقاعد في مناطق الوسط والجنوب إضافة الى العاصمة بغداد، في المقابل تراجعت القوى الشيعية التقليدية بصورة غير مسبوقة مما ادخل العملية السياسية والانتخابية بمرحلة تشكيك ومظاهرات واعتراضات، في المقابل سار التيار الصدري بمشروعه القائم على أساس تشكيل الحكومة وفق مبدأ الأغلبية الوطنية رافق ذلك تصعيد من قبل خصوم الصدر خصوصا لحلفائه في التحالف الثلاثي.

عموما ان انسحاب التيار الصدري من العملية السياسية والبرلمان اذا ما استمر سيكون له بكل تأكيد اثار ونتائج على العملية السياسية وعموم المشهد السياسي في العراق وكذلك على التيار الصدري نفسه، ومن اهم الآثار ما يلي:

ان الانسحاب من البرلمان سيعوض عنهم نواب خاسرين من كتل أغلبها من القانون والفتح، وهو ما يشكل تغيير في موازن القوى داخل مجلس النواب، ومن ثم استحقاقات المرحلة القادمة على المستوى السياسي، من جانب ثاني ان هذه القوى تدرك أيضا خطورة انسحاب التيار الصدري من العملية السياسية لكنها في الوقت نفسه تمثل إزاحة التيار الصدري سيوفر لها اريحية داخل مجلس النواب وبالتالي ستنفرد بتشكيل الحكومة بالاتفاق مع القوى والمكونات الأخرى وفق مبدأ التوافقية السياسية.

لذا فان تشكيل الحكومة قد يكون امام سيناريوهين: الأول تشكل الحكومة وقد تستمر وفق ما جاء في الدستور وستكون بنكهة اطارية تحاول أن تغير كل الموازين، السيناريو الثاني، لا يتمكن الاطار التنسيقي من تشكيل الحكومة خاصة اذا ما واجه رفض من قبل حلفاء الصدر من سنة واكراد خصوصا بعد التصعيد والتهديدات الذي مارسته قوى محسوبة على الاطار اتجاه تلك القوى، وقد تكون قوى الاطار المتعددة والمختلفة احدى المشاكل التي تواجه الاطار نفسه في تشكيل الحكومة، من جانب ثالث قد يقف التيار الصدري عبر قنواته الشعبية في رفض أي حكومة يشكلها الاطار التنسيقي خاصة اذا ما دفع الاطار بشخصيات متهمة بالفساد وسوء الادارة.

اما من حيث النتائج: ان خسارة التيار الصدري لمقاعده باستقالته قد تمثل فقدانه لرصيده السياسي الرسمي والسيادي. ومن المسائل المحتملة في مرحلة ما بعد الاستقالة نزوله للشارع وقد يحظى بتعاطف وتأييد شعبي لكن تواجه بسجال اولا مع جماهير وقوى الإطار من جانب، ومن بعض الناشطين الذي لديهم تحفظ على التيار الصدري من جانب ثاني. كما ان اي تغيير قد يحصل عبر الشارع على المستوى السياسي لابد وان يكون هناك دعم من المرجعية الدينية كما حصل مع مطالبة المرجعية اثناء حراك تشرين في عام 2019 باستقالة عادل عبد المهدي لكن المرجعية اليوم ليس كمرجعية الأمس، اليوم تنأى بنفسها عن التدخل ولا نعلم هل سيستمر هذا الامر ام لا.

ومن المهم الإشارة انه اذا ما سيطرت قوى الاطار التنسيقي على البرلمان ستعمد الى تغييرات:

ستعمد الى تغيير المفوضية وارجاعها الى سابق عهدها من العمل والآلية التي كانت تعمل بها خصوصا أعضاء مجلس المفوضين باستبدال القضاة بأشخاص حزبيين.

كما ستعمد الى استبدال قانون الانتخابات الذي جربت بموجبه الانتخابات الأخيرة لاسيما وان هناك توصيات بذلك من قبل المحكمة الاتحادية، فضلا عن السلطة التنفيذية.

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية/ 2001–2022 Ⓒ
http://mcsr.net

اضف تعليق