الفرق بسيط للتمييز بين حالة الحرب وحالة السلام، في أوقات الحرب يحاول كل طرف ضرب خصمه وإلحاق أكبر قدر من الضرر به، لكمة مقابل لكمة وضربة ضد أخرى، وفي حالة السلام يعمل الطرفان على التنمية والتمييز في مجالات تخصهم بدون توجيه لكمة للخصم تؤذيه بشكل مباشر.

في حالة الحرب الروسية الأوكرانية المتواصلة منذ شهرين فحالة الملاكمة هي السائدة، ضربة هنا وضربة هناك، يقتل جندي روسي ولا بد أن يسقط مقابله جندي أوكراني، والعكس صحيح.

ومن المفترض نظرياً أن لا ينطبق مفهوم الحرب إلا على حالة المواجهة المباشرة، وتوجيه اللّكَمات المتقابلة بين طرفين يكره بعضهما الآخر، وقد لا يصح في أغلب الأحيان إطلاق توصيف الحرب على الحالة السياسية، أي المنافسة بين الأحزاب السياسية على أخذ موقع السلطة التنفيذية والتشريعية لا سيما في الدول الديمقراطية في العراق.

لكننا ومنذ عدة سنوات وضعنا تحت رحمة الحرب الباردة بين القوى المتنافسة على السلطة، والحزب الذي يريد الوصول إليها _السلطة_ كما ينص الدستور يجب أن يركب في قطار الانتخابات ثم يهبط في محطة مجلس النواب، وبعدها يذهب على أجنحة أصوات النواب إلى قصر رئاسة الوزراء والجمهورية.

على الورق هكذا تجري الأمور، كما يعرف بالتداول السلمي للسلطة، أما في الواقع فالوضع مختلف في مواضع جوهرية، حرب شرسة بين القوى الطامحة بالوصول إلى السلطة، وجميع الوسائل متاحة لاستخدامها وبأي طريقة كانت.

من السهلة خرق الدستور وتأسيس جماعة مسلحة، ثم تكوين شعبية واسعة لأن السلاح هو الوسيلة السياسية المفضلة للوصول إلى السلطة، بعدها تفتح الجماعة المسلحة جناحاً سياسياً يجب أن يفوز بالانتخابات ويصر على شروط معينة تتعارض مع كل شيء له علاقة بالسياسية، لكنها بالتأكيد ترضي زعيم الجماعة.

يخرق الدستور بتأسيس الجماعة، وبشروطه والمدد الدستورية لتشكيل الحكومة، وغير ذلك من الوسائل بدون رادع، ثم يستخدم وسائل أشد خطورة بينما يفعل خصومه نفس الشيء حتى نصل إلى حالة من توازن القوة الذي تتساوى فيه قدرة الخصوم، فيسمونه بالانسداد السياسي الذي قد يمهد لحرب أهلية أو إحدى أخواتها.

وكأن ما كان يجري ليس حرباً؟ وكأن ما قبل الانسداد كانت الورود توزع من زعماء الجماعات المسلحة التي ألصقت صفة الأحزاب على عملها.

كما أنهم يتجاهلون كيف يعيش العراق في حرب شرسة على مدار اليوم والأسبوع والشهر، فعندما لا يحتكم الجميع للقانون، تكون السيادة للقوة والنفوذ السياسي والمالي والعشائري والاجتماعي.

وحينما تجاهلت القوى المتنفذة الدستور والقانون، وأمسكت بالسلاح كوسيلة للوصول إلى السلطة، عادت العشائر لتبني هي الأخرى سلطتها بذات الطريقة، بدأنا نشاهد تعاظم دور رجال العشائر وأصبحوا أقوى من القوات الأمنية بشكل فعلي.

ففي كل خلاف عشائري تتخذ القوات الأمنية دور "الحاجوز"، وهو شخص أعزل يحاول فض الخلافات وقد يقتل بأي لحظة دون أن يقتص من قاتله أحد.

وداخل دولة "العشائر" نفسها تتنامى دولة المخدرات التي تؤسس لكارثة ما بعدها كارثة، فالشباب العاطل عن العمل يمسك السلاح في يديه، ويمضغ المخدرات في فمه، ولك تصور ما سيحدث عند اجتماع السلاح مع المخدرات والبطالة.

عندما يكون شراء السلاح أسهل من شراء هاتف ذكي فاعلم أنك وسط الحرب، وعندما تنتشر المخدرات أكثر من علب السكائر فاعلم أنك تدخل دولة مخدرة لا تعرف حجم الخطر الذي يداهمها.

الخطر الأكبر أننا في خطر ولا ننتبه له، وننظر للأخطاء تحدث أمامنا دون تحريك ساكن، نقلل من حجم الحرب التي نعيشها ونصفها بكلمات جميلة مثل الانسداد السياسي الشائع هذه الأيام، بينما يغلي العراق فوق صفيح ساخن من حروب عشائرية وسياسية وغذائية وبيئية.

هل نتحدث عن حربنا ضد التصحر والجفاف ونقص المياه ومخاطر أزمة الغذاء العالمية؟

هل نتحدث عن حربنا التي خسرناها ضد الكهرباء واعتدنا على قطيعتنا الدائمة معها؟

لماذا لا نعتبر الجامعات والمدارس محاصرة وغير قادرة على استمرارها في المواجهة ضد الجهل والغش والذي اقتحم أجزاء واسعة من قاعات الدرس والامتحانات؟

متى نعتبر أننا في حرب ضد الشوارع التي باتت مثل الوحوش تأكل سائقي السيارات والراكبين فيها في أي لحظة؟

من يستطيع إيقاف زحف الغبار الذي يشن غاراته على أجوائنا اسبوعياً وعطل دوام المؤسسات الحكومية وأجبر ما تبقى من أشجارنا أن تتخلى عن خضرتها وتبدو هزيلة غير مهتمة بما يجري حولها؟

حروبنا خطيرة وبقائنا متموضعين في ملاجئنا الآمنة أخطر، فقد ندفن بالغبار إذا بقينا في حالة السكون، وقد نموت بحوادث الطرق عند هروبنا بحثاً عن حياة أفضل.

اضف تعليق