علمتنا الادبيات ان الديمقراطية تعني حكم الشعب للشعب أي من يقرر وصاحب الصوت الأعلى في البلد هو الشعب، وهو يختار من يمثله في السلطات الثلاث، التشريعية والتنفيذية والقضائية، اما اليوم تغيرت الوظائف والمفاهيم وأصبحت الديمقراطية تعني حكم الأقلية السياسية للطبقة العريضة من الشعب، والتحكم بمصائرها.

الديمقراطية من المصطلحات التي اوجدتها البشرية لتسمية نظام سياسي وتميزه عن غيره، فبموازاتها هنالك النظام الشمولي والقمعي والسلطوي وغيرها من التسميات التي تشير الى نوع النظام العام الذي يحكم البلد وتسير وفقه المعادلات السياسية بصرف النظر عن مدى تحقيق هذا النظام لرغبات الجمهور او اجهاض أحلامه.

ما يحدث في العراق واثبتته التجربة الانتخابية الأخيرة هو الابتعاد عن الديمقراطية تسمية وسلوكا، وصارت الثلة القليلة من السياسيين هي من تسير الملايين من البشر وان كانت هذه الملايين رافضة لذلك الانصياع القهري والاجباري المفروض عليها من الطبقة الحاكمة، فاليوم لا نجد بين الفرقاء السياسيين من يفضل المصلحة العامة ومستقبل البلد على المصالح الفئوية الضيقة.

وبرهن ذلك هو الانسداد الأخير الذي اتسمت فيه العملية السياسية التي تعتبر من العمليات الديمقراطية والتجارب الحديثة في الوطن العربي، فالخلاف الأخير أكد ان بعد قرابة العشرين عاما لم تضع الطبقة الحاكمة الحالية أسس الدولة الحديثة القائمة على التشاور والتفاهم ومراعاة الشؤون الشعبية والاجتماعية التي تنتظر المزيد من حكومات هي انتخبتها ومكنتها من التحكم في مفاصل الدولة.

منذ غلق صناديق الاقتراع في العاشر من تشرين الأول من العام 2021 المنصرم والشعب بطبقاته كافة الا المستفيدين من الوضع الحالي، يترقبون نتائج الانتخابات، وما ستفرزه لنا في المرحلة القادمة، وبعد مرور قرابة الستة شهور ولا تزال الناس تعيش نفس درجة الانتباه لما سيحدث في الأيام القادمة، ومن الطبيعي الوصول لمثل هذا الانغلاق التام، طالما عامل التشكيك في المقابل والنيل منه متواجد ويعيش في المجتمع السياسي.

فلا تزال نظرية المؤامرة تأخذ مكانتها في الاروقة السياسية ولا شيء يحدث بعيدا عن هذه النظرية، ودليل ذلك هو تمسك قوى الإطار التنسيقي بمطالبها المعقدة، وتوجه التهم للتحالف الثلاثي الذي يرأسه السيد الصدر بأنه سيصادر استحقاقاتهم الانتخابية وينسف اعتبارهم ووزنهم السياسي ويخلق شرخا في التوازنات الداخلية القائمة على الثقل الانتخابي لا على عدد المقاعد.

ومع ما وصلت اليه الامور من تعقيدات قد تكون الأطول من نوعها في العقدين الاخيرين، فتجد الحكام يتشدقون، ويتبجحون، بأنهم يحرصون على تأمين العملية الديمقراطية ومنع الجهات التي تحاول اضعاف سلطتها والتقليل من أهميتها في عراق ما بعد عام 2003، فهم غافلون عن وعي الشعب وتحول رأيه، حتى وصف اليوم الذي دخلوا فيه بانه اليوم الأسود، فهم سودوا الحياة في عيون المواطنين وجعلوهم لا يعرفون طعمها لدنياهم.

وان شئت ان تثبت ذلك وتجعل البرهان في يدك، توجد امامك أسهل الطرق واقلها تكلفة وهي النزول الى الشارع وبمجرد السؤال عن مدى الرضى عن الطبقة السياسية، ستواجهك الإجابات الصادمة، ولا يوجد سبب للصدمة وانت تعرف الأوضاع المعيشية التي وصلت اليها شرائح المجتمع، فالفقر والحرمان وعدم الامن والاستقرار هي العناوين الأساسية للمرحلة الراهنة.

وفي الجحور السياسية تجري معارك طاحنة بين الكتل القوية واللاعبة، فكل فئة منهم تصارع على أن تكسب أكبر عدد من المقاعد النيابية؛ لتتمكن من حكم البلاد دون سواها، واقصاء الطرف الآخر، ويبقى الآخر الباحث عن مقعد في السلطة، يحوم حوله ولا يقبل بالذهاب الى خانة المعارضة؛ كونها لا تعطيه القدرة على التحكم بالأموال والثروات الطائلة، وتجعله بعيدا عن المناصب الحساسة في الدولة.

ويستخدمون حياة الناس، ومصيرهم، وأمنهم، واستقرارهم، كوسيلة ضغط على الأطراف المقابلة، ليكسبوا أصواتهم، وفي الحقيقة ان أقرب وصف لما يحدث في العراق، إنها مهرجانات فولكلورية، مضحكة، يزاولها عبيد السلطة، والكراسي، الباحثين عن المزوقات اليومية والمكاسب الوقتية الزائلة، وفي النهاية يكون الخاسر الأول من كل هذا هو الشعب المسكين الذي جُرد من كل قوته.

الشعب مصدر السلطات هكذا يقولون، اما في العراق فأصبح لا قوة له ولا يوجد من يعتبره جهة لها قولها وسلطتها الواجبة الطاعة من قبل المتحكمين، ولا يأتي ذلك من فراغ بل جاء من ضعف البنية المجتمعية في الأساس، فهي لا تعرف قوتها واهميتها في احداث التغيير الديمقراطي والتبادل السلمي للسلطة، فعن طريق الانتخابات وهي التمثيل الحقيقي للنظام الديم قراطي يمكن قلع هذه الطبقة من جذورها وتعود للشعب هيبته وتصح مقولة ان الديمقراطية تعني حكم الشعب للشعب.

اضف تعليق