هل يوجد فساد في العراق؟ وهل هناك سوء إدارة حكومية؟ وهل تنتشر المحسوبية ونظام الواسطة في قطاعات الدولة العراقية؟

لا أعرف بالضبط إن كان هناك فساد أو محسوبية وحتى سوء إدارة، لأنني لا أملك إحصائيات بهذا الشأن، ولا يحق لأحد الحصول عليها إن حاول دخول غرفة الملفات في الدولة العراقية.

نحن لا نملك قانوناً لحق الوصول والحصول على المعلومات، ممنوع على الصحافيين طلب المعلومة إلا إذا كانت تخدم السلطة المسيطرة، ومن يحاول كسر الأقفال بطريقته الخاصة قد تكسر يده، إن لم تكسر إرادته.

رغم كل هذا يضمن دستور البلاد حرية الرأي التعبير ويمنع سن قوانين تتعارض مع الحقوق والحريات العامة، وهي كلمات لطيفة مركونة على الرفوف قد تغري أي صحافي جاد وربما المحترف بأن يعمل ضمن إطار هذه النصوص الدستورية.

لكنني ورغم عدم حصولي على معلومات رسمية من مؤسسات الدولة أواجه يومياً مئات الحفر في الشوارع التي لم يمر على تعبيدها سنة واحدة، فلماذا تتخسف الشوارع وتنتشر فيها الحفر بعد مدة قصيرة من تعبيدها؟ لا توجد إجابة من الحكومة التي تمنع الصحفيين من الحديث عن أخطاها بدون وجود بيانات رسمية.

وبصفتي مواطناً عراقياً متابعاً للشأن العام شاهدت كيف احترقت المستشفيات في بغداد والناصرية وطويريج، حيث تفحم العشرات من الراقدين في المستشفيات تلك، فهل هذه الحرائق نتيجة الفساد أم سوء الإدارة أم ماذا؟

اللجان التحقيقية لا تستطيع تقديم إجابة؟

أما هيأة النزاهة فهي أصغر من أن تعلن عن اسم مدير عام أو محافظ متهم باختلاس أموال الشعب، تقول في بياناتها اليومية أنها ألقت القبض على شخص معين وتعلن صفته الرسمية دون ذكر الاسم، وتلك قصة طويلة.

لنطرح السؤال بطريقة مختلفة، لماذا تظاهر الناس في الشوارع عام 2019 فيما عرف بتظاهرات تشرين؟ ألم يرفعوا شعارات ضد الفساد المستشري في مؤسسات الدولة؟ ألم تعلن حكومة السيد عادل عبد المهدي عن عشرات ملفات الفساد؟

أليست الأحزاب والحركات السياسية الفائزة بالانتخابات هي من ترفع شعار الحرب ضد الفساد المنتشر في مؤسسات الدولة؟ وهي التي تعترف علانية بوجود هذا الفساد في كل القطاعات والوزارات الحكومية.

لماذا لم نستطع الاستفادة من أموال النفط الهائلة طيلة السنوات الماضية؟ ولماذا صَرَفَتْ الحكومات المتعاقبة عشرات مليارات الدولارات على ملف الكهرباء وما زلنا نراوح مكاننا دون أي تحسن فعلي في هذا القطاع الحيوي؟ هل يوجد فساد في ملف الكهرباء؟

ربما يوجد وربما لا، هيأة الإعلام والاتصالات المسؤولة عن مراقبة النشر الإعلامي قد تحاسب أي صحفي ينشر معلومة عن الفساد تفسرها هي أو الجهات المستهدفة منها بأنها معلومة "غير مناسبة" لتقوم بحجب الناشر ومنعه من الظهور عبر وسائل الإعلام.

يحدث هذا رغم أن هيأة الإعلام والاتصالات تعد من الهيئات المستقلة كما يَنص القانون.

يبدو أن حال الدولة العراقية لا يعيش أفضل أحواله، لا المواطن راضٍ عن أداء الحكومات والإدارات الرسمية، والقادة السياسيين غير مقتنعين بأداء الأشخاص الذين يعينونهم بتواقيعهم وباتفاقاتهم وتوافقاتهم ومحاصصاتهم، وهم ذاتهم يريدون إصلاح هذا الوضع الذي تتطاير منه رائحة الفساد وسوء الإدارة والمحسوبيات والمحاصصة و"التبعية"، كما أشيع هذا المصطلح مؤخراً.

هل الحالة السيئة تشمل جميع قطاعات الدولة؟

لا يمكن الإجابة عن هذا السؤال بدون الحديث عن المحاصصة فهي عرف سياسي راسخ، وتعني تقاسم المناصب في المؤسسات الرسمية من الوزراء ونزولاً إلى وكلائهم والمدراء العامين ورؤساء الأقسام، وكل وزارة تشبه "الإقطاعية" بالنسبة للحزب، ولا تستثنى منه أي وزارة، حتى وإن كانت وزارة الدفاع أو الداخلية.

المحاصصة تشمل الجميع، يمكنك القول أن وزارة التربية تخضع للمحاصصة، ويمكنك اتهام وزارة الكهرباء بالفساد، ولا تخشى الحديث عن سوء إدارة وزارة الصحة التي تسببت بتفحم المواطنين في مستشفياتها.

لكن يمنع منعاً باتاً الحديث عن وجود فساد في وزارة الدفاع العراقية، المعلومات محجوبة عن المواطنين والصحفيين على حد سواء، بينما الشخص الوحيد الذي استطاع رفع الغطاء عن القدر هو رئيس الوزراء الأسبق السيد حيدر العبادي الذي تحدث عن عشرات الاف الفضائيين في وزارة الدفاع (وهم عناصر يستلمون رواتب بدون دوام فعلي).

وحديثه جاء خلال مدة توليه رئاسة الوزراء في سياق الكشف عن الفساد في الوزارة المسؤولة عن حماية أمن حدود الدولة العراقية.

ويقرّ رئيس لجنة الأمن والدفاع البرلمانية سابقاً حاكم الزاملي، بأن "ضباطاً وقادة بالأجهزة الأمنية الرسمية باتوا من أثرياء العراق، بسبب انغماسهم في ملفات فساد، منها ما يرتبط بتهريب المخدرات والتكفل بالحصول على درجات وظيفية لعراقيين من خلال رشاوى بالملايين، فضلاً عن إطلاق سراح إرهابيين مقابل أموال".

ويسهل الزاملي عملية الكتابة وتفكيك الخلل الذي أصاب وزارة الدفاع إذ يقول بأن "الملف الأمني شائك ومتراكم ويحوي على فساد وترهل بالمناصب، وهناك تلاعب بالأموال واختلاسات كبيرة بعقود التجهيز والتسليح والاستخبارات والمتابعة".

فكيف يمكن لصحفي حر أن يسكت عن خلل كبير يهدد حياة المواطن العراقي؟ فهل الفساد هو الذي يحدد حياة المواطن أم الكشف عن هذا الفساد؟

بمعنى آخر إذا كانت فرقة عسكرية مسؤولة عن حماية ثلاثين كيلومتراً على الحدود السورية، وقام أحد الضباط بتعاطي الرشوة فهل هذا يهدد الامن؟ وإذا كانت الإدارة الحكومية غافلة عن هذا الخلل؟ أليس من واجب الصحفي الوطني كشف الفساد؟

مثلما يعمل الجندي على معالجة الأخطار المحيطة به، يعمل الصحفي على التعاطي مع المشكلات التي يواجهها المجتمع ولا سيما المؤسسات الحساسة مثل وزارة الدفاع، وأي جهد في هذا الشأن يجب أن لا يؤخذ بمحمل التسقيط بقدر ما هو جهد لحماية منظومة الأمن من أي اختراقات قد تصيبها نتيجة خلل صغير في بعض مفاصلها.

تختلف طرق الصحفيين والإعلاميين في تناول المشكلات، بعضهم يعد برنامجاً حوارياً، وبعضهم يعد تقريراً، وآخر يعمل مشهداً تمثيلياً، حيث تصب جميع هذه الفنون في هدف واحد وهو خدمة الدولة وتحصنها من الخروقات.

ومثلما يفشل الجندي في التصوب إذا لم تكن هناك معلومات توفرها له فرق الإستطلاع والرصد، فالإعلامي قد يخطئ بنفس طريقة الجندي الذي يفتقد المعلومات عن تواجد العدو، لذلك يكون من الأجدر على وزارة الدفاع عندما تشاهد معلومة خاطئة تنشر في وسائل الإعلام أن تبادر إلى تصحيحها وعدم الطعن في الإعلامي نفسه وتقديمه إلى القضاء بحجة النيل من شرف الجيش.

الجيش ليس قطعة بسيطة تسهم في حماية الدولة، إنما هو دولة كاملة، وهو الدرع الأول لحماية جميع أبناء الشعب، وكلنا نخشى على إصابته بالآفات والأمراض التي أصابت قطاعات الدولة الأخرى، لكن هذا الاحترام الشديد له لا يعطيه أي حق في تحطيم عرش الصحافة والتسبب في محاكمة الصحفيين.

فإذا كان الجيش يحمي حدود الدولة، فإن الصحافة تحمي حقوق المواطنين في معرفة ما يجري حولهم.

الجنود حراس الوطن، والصحافيون حراس الحقيقة.

اضف تعليق