(لن اتوافق معكم)، بهذه العبارة الصريحة قضى زعيم التيار الصدري على الفرصة الاخيرة للاتفاق (الشيعي -الشيعي) لتكوين الكتلة الاكثر عددا والمضي نحو استكمال الخطوات الدستورية لانتخاب رئيس الجمهورية وتكليف مرشح الكتلة لمنصب رئيس الوزراء.

لم يتأخر جواب الإطار التنسيقي على موقف السيد مقتدى الصدر الرافض للتوافق والداعي الى ان يمضي احد الفريقين الشيعيين في نسج تحالفاته وتشكيل قوام السلطات بدون الفريق الاخر، فقد كرر الاطار الدعوة الى التفاهم والتأكيد على ان العملية السياسية في العراق بنيت على التوافق ولابد من الالتزام بهذه القاعدة حتى النهاية.

فكرة التوافق هذه صارت حجر الزاوية في البناء السياسي العراقي، من يريد كسرها لابد ان يوجد بديلا عنها، والبديل المطروح هو الاغلبية الوطنية العابرة للطوائف والمكونات... حسنا ما هو عيب التوافق الذي صار مرفوضا اليوم؟ التوافق في الاصل نموذج من نماذج الديمقراطيات التي صممت للاستجابة لمخاوف وتطلعات وطموحات القوى السياسية التي تعبر عن انتماءات ومصالح مكونات وجماعات قومية وأثنية وطائفية.

لم يدر بخلد ايكهارت ارندت وهو (يخترع) هذا النموذج لفترة انتقالية، ان تصبح التوافقية صيغة دائمة للحكم في بلدان التنوع الخارجة من حروب اهلية واستبداد عنيف، كان الهدف من اللجوء الى هذه الصيغة هو طمأنة النفوس وتهدئة المخاوف واقتسام السلطات والمشاركة في صنع السياسات بحيث لا يشعر مكون او جماعة أثنية بالغبن السياسي ويعيش مشكلة التهميش وهما أو حقيقة، حينما يستمر التوافق لفترة انتقالية بطريقة حسنة ولا تعود السياسات مجحفة وغير عادلة ومحاباتية، حينها تتشابك المصالح وتغدو القوانين والاجراءات وخطط التنمية مقبولة، وتختفي من الثقافة السياسية شكاوى المظلومية وانعدام المساواة.

التوافقية العراقية كسرت هذا المسار المفترض، فحتى الساعة لم تستقر العلاقات بين المكونات على قاعدة العدالة والمصلحة المتبادلة، ولم يقتنع ممثلو المكونات بأن مهمتهم الرئيسة بناء الدولة والخروج من حالة التأزم المستمر، فكل فريق يناضل سياسيا ويناور اعلاميا ويجتهد برلمانيا لتأتي التشريعات والقوانين والموازنات على شكل مكافئات ومصلحة اضافية لفريقه ،صحيح ان الدولة العراقية تحتاج الى سنين طوال لتعالج مشكلات قديمة وحديثة، لكن التشابك في المصالح والمنفعة المتبادلة والتعامل وفق منطق الدولة للجميع لم تتحقق في اذهان القوى السياسية التي تدير السلطات فضلا عن الجمهور العام، ولذلك يحتاج العراقيون وفق قاعدة التوافق هذه الى التراضي اليومي على كل قضية امنية او سياسية او تنموية او تشريعية ،والتراضي العراقي لا يشمل السياسات والقضايا الكبرى بل اقتسام الدولة والسلطات والمناصب الى مستوى مدير قسم. حتى بات الامر عرفا يتحجج به السياسيون، فكل مختلف عليه لا يتم الاتفاق بشأنه الا بمقولة التوافق وان الدولة لا تدار بالمغالبة بل بالتوافق، فصارت التوافقية استنزافية مدمرة ومعطلة ومشرعنة لكل انواع التخلف الاداري والقانوني.

الان بات التوافق وكسر التوافق الى فضاءات الاغلبية مصادرة على المطلوب، فالذين يصرون على التوافق يضعون المقولة المضادة (كسر الارادات) ويعتبرونها خروجا على مصالح المكون وحقوقه الثابتة، والرافضون للتوافق داخل المكون الواحد مضطرون الى التوافق مع الاخرين من خارج المكون لتشكيل اغلبيتهم وهذه الاغلبية تحتاج الى تفاهمات وتوافقات مرحلية وآنية لكي تنتظم فيها مصالح الجميع، فاذا كنت قادرا على التوافق مع الاخرين فلم لا تتوافق مع الفريق الذي يشاركك الانتماء الى المكون؟ واذا اصبحت المهمة الوطنية كسر المحاصصات التوافقية التي نخرت الدولة وافسدت سلطاتها، فهل يمكن استرضاء المصرين على المحاصصة والتوافق على قضايا كبيرة وخطيرة من قبيل علاقة الاقليم بالمركز وصلاحيات عقد الاتفاقات والاستئثار بعائدات النفط والغاز والمعادن التي هي ملك الشعب العراقي كما يقول الدستور.

الحقيقة الصارخة ان المكونات العراقية تعيش صراعا داخليا بين توجهات وتيارات ايديولوجية وفكرية وبنيوية، يرى كلا منها ان وجوده ومصلحته متحقق فيها، وان هذه التوجهات تتقاطع في مفاهيم اساسية كالوطنية والاستقلال والوحدة الترابية والسيادة والكفاءة والعدالة والمواطنة.

الصراع الان هو صراع شيعي -شيعي، وكردي-كردي، وسني -سني، لدينا صراع اجيال وصراع ايديولوجيات وافكار وصراع مصالح وتبعيات الى الخارج، ومالم تحسم هذه الصراعات الداخلية لن يتوافق ممثلو الطوائف والمكونات على القاسم المشترك، وقد قادت هذه الصراعات القوى المختلفة الى تشكيل تحالفات لضمان وجودها والمحافظة على حيزها في المشهد السياسي، التوافق المرفوض والمطلوب في الان ذاته، لا يمكن تجاوزه الا بنضج سياسي وحكمة لدى الفاعلين تتخطى حسابات ومخاوف شخصية وهذه تستغرق وقتا طال انتظاره، أو تأتي قوة من خارج المتخاصمين لتكون حكما وضاغطا وضامنا رغم كل المحاذير المترتبة على ذلك أو يستمر هذا التعطيل فتفوت مصالح الناس وندخل في المرحلة الاكثر خطورة، اذ لا ثقة في الانتخابات ولا جدوى من اعادتها، فالمشكلة قائمة في تعادل القوى حتى يتغلب فريق على اخر، في الدول الديمقراطية يصار الى اعادة الانتخابات، وفي الدول غير الديمقراطية يكون الحل وفق منطق القوة، الان فهمنا لماذا امضى الفقه السلطاني امامة المتغلب الذي يقهر منافسيه بقوة الشوكة ؟؟؟

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق