تراكمت عبر العصور مظاهر التخلف وقائع وممارسات، أدت في المحصلة الأخيرة إلى تغييب النزعة الأنسية العميقة التي يحتضنها الدين الاسلامي في كل قيمه ومبادئه وشخصياته المحورية.

فالجهل أدى إلى عدم اكتشاف هذا المخزون الانساني الهائل التي تحتويه قيم الاسلام الفردية والاجتماعية، مما أدى الى التعايش البغيض بين مرجعية فكرية تعلي من شأن الانسان وحقوقه، وبين واقع سيئ يتجه إلى المزيد من تغييب البعد الانساني للحياة.

والانحرافات الفكرية والسياسية، التي سادت في حقب تاريخية متفاوتة، حالت دون ابراز المضمون الانساني للاسلام والمسلمين.

وعلى كل حال نستطيع القول: أن هناك عوامل تاريخية ومجتمعية عديدة، ساهمت دون ابراز النزعة الانسية في التجربة الاسلامية على المستويين النظري والسلوكي.. مما أدى إلى تراجع تلك الجهود العلمية والبحثية والنظرية، التي تعتني بشكل موضوعي إلى ابراز هذه النزعة الأصيلة في حياة الاسلام.

وأمام التحديات الكبرى التي تواجه عالم الاسلام اليوم، نحن بحاجة ماسة إلى العمل الجاد لإبراز النزعة الأصيلة في واقعنا وحياتنا، بحيث تكون كل شؤون حياتنا، منسجمة في يومياتها بمقتضيات هذه النزعة.. وذلك لأن التقدم الحقيقي لا يقاس بمستوى توفر الأشياء المادية والظاهرية، وإنما بمدى التزامنا افرادا وجماعات بكرامة الانسان وحقوقه الأساسية.

لذلك نجد أن بداية التقدم في التجارب الانسانية هي حينما تمكنت هذه المجتمعات، من إحداث قطيعة حقيقية مع كل قيم وأشكال وامتهان الانسان، وسعيها الحثيث نحو ارساء معالم نزعة وثقافة جديدة، محورها الأساسي هو الانسان، فلا تنمية حقيقية بدون تنمية الانسان في أبعاده المختلفة، كما انه لا استقرار مجتمعيا بدون سيادة ثقافة تحول دون التعدي على حقوق الانسان الأساسية.

فالأديان القديمة الوثنية دمرت شخصية الانسان، وجعلت منه مجرد قربان للآلهة، أو كائن عاجز أمام قدرة الهية مطلقة، لذلك لم تبرز في تلك التجارب البشرية النزعة الانسانية.. ولقد عانى الأوروبيون قبل عصر النهضة من هذه الرؤية، حيث كانت السلطة الكهنوتية تلغي في الانسان ذاته وإرادته وحريته لتجعل منه مجرد مخلوق عليه أن يدفع ضريبة الخطيئة الأولى استعبادا وتدميرا وتجهيلا.. وبدأت النزعة الانسانية في التجربة الأوروبية كرد فعل على هذا الواقع الكنسي المرير. وتمكنت هذه التجربة بعد صراعات عميقة وطويلة من إزاحة الجبرية اللاهوتية التي كرستها مسيحية القرون الوسطى في أوروبا.

أما على المستوى الاسلامي، فإن الاسلام ينظر إلى الله استخلف الانسان في الأرض، وانه يمتلك القدرة على الاختيار اذ قال تعالى {إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً} وهذا المعنى يتضمن أصالة الكرامة الانسانية، وذلك لأن الحرية من خصائص الانسان وحده، وتوفر الاستعدادات والقابليات البشرية، وغياب العوائق والأغلال، وعلى ضوء ذلك فان نزعة الأنسنة بما يحتضن من قيم وحقوق واجراءات هي تكليف وواجب قبل أن تكون حقا، ولكي تتضح هذه الرؤية من الضروري ان نوضح علاقة هذه المسألة بنظام القضاء والقدر، فالقضاء الالهي هو عبارة عن حكم الله القاطع في الأحداث، والقدر الالهي عبارة عن تقدير الظواهر والأحداث، ومن الثابت على صعيد علم العقيدة والكلام عدم تعلق القضاء الالهي بأي حدث مباشرة وبلا واسطة.، وإنما يوجب كل حدث عن طريق عالمه وأسبابه فقط، أي أن القضاء الالهي يحتم أن يكون نظام العالم نظام أسباب ومسببات.

وعلى هذا فإن القضاء والقدر ليسا ضد حرية الانسان واختياره، من هنا نجد أن الدين الاسلامي على المستوى التاريخي، حارب كل المظاهر والأعراف التي تغيب حرية الانسان أو تهين كرامته بين الانسان وأخيه على قاعدة طبقية - مادية، وأرسى دعائم نظرية التعارف وتجاوز كل الحواجز التي تحول دون انسانية الانسان، إذ قال تبارك وتعالى {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم} وربط الاسلام هذه القيمة الكبرى بمبدأ دفع المضار وجلب المصالح.. إذ أن نزعة الأنسنة بكل مقتضياتها لا تنجز على الصعيد العملي، الا على قاعدة توفير المصالح التي يسعد بها الانسان ويحيا حياة كريمة، ودفع الأضرار التي تجلب اليه الشقاء والبعد عن الجادة والحياة الكريمة.

لذلك فقد اعتنى الدين الاسلامي إيما اعتناء بهذه المسألة، وأسس الفقه الاسلامي استنادا على النص العديد من القواعد الفقهية والقانونية، التي تحول دون الشقاء، وتجلب للإنسان الفرد والجماعة كل أسباب المصلحة والسعادة، فقد جاء في الحديث (لا ضرر ولا ضرار في الاسلام).. اذ يقف الاسلام ضد كل الأضرار النفسية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية والسلوكية، التي تؤثر سلبا في حياة الانسان الخاصة والعامة، ولا يكتفي الدين بتأصيل وتأسيس البعد السلبي من مفهوم الأنسنة (اذا جاز التعبير)، وإنما يسند هذا التأسيس، بنظام آخر هو استدعاء وجلب كل المصالح التي تضمن الحياة الكريمة للانسان، التي قوامها القدرة والحرية والمسؤولية، فالإنسان في المحصلة الأخيرة، هو الذي يختار بإرادة حرة صفاته ومميزاته، عالما أو جاهلا، شجاعا أو جبانا، لصا أو شريفا، وبما ان الانسان مسؤول عن أفعاله فعليه أن يتحمل نتائجها.

وأن مسؤولية الانسان أمام الله في الاسلام، لا تعني بأي حال من الأحوال، أن يفقد الانسان حريته، بل إن المسؤولية لا وجود لها بدون الحرية.

وعليه فان الهدف الأعلى للإسلام في هذا الاطار، هو خلق الانسان الحقيقي بإرادته الحرة ووعيه المفتوح على كل الدوائر، لينشئ علاقة حميمة وأخوية وانسانية مع أخيه الانسان، وعلاقة تسخير ونماء وتطوير مع الطبيعة بأشكالها المختلفة.

وعليه فان إزالة ركام الواقع، وتطوير منهجيات النظر والرؤية، سيوصلنا الى قيم انسانية عليا مستمدة من المرجعية الاسلامية، تلبي حاجات واقعنا إلى هذه النزعة الأصيلة، وتخرجنا من حالات الخصام مع هذا البعد على مستوى الواقع والممارسة.

فالنص الاسلامي في هذ الاطار، يزخر بإمكانات غنية وحية ومشبعة بالمعنى، ومهمتنا تتجسد في تظهيرها وخلق الحقائق المنسجمة معها، والعمل على جعل واقعنا وممارساتنا في سياق واحد مع هذه المعاني النبيلة.

وإننا اليوم وأزاء التداعيات الخطيرة لأحداث 11سبتمبر أحوج ما نكون على مستوى الداخل العربي والاسلامي ومستوى العلاقة مع الأمم والعوالم الأخرى، إلى ابراز القيم الانسانية لديننا الاسلامي الحنيف... وهذا الابراز لا يتم فقط عبر الاطار النظري وبيان فضائل الاسلام ورؤيته للعدالة والتسامح وحقوق الانسان... وإنما ايضا عبر تقديم نموذج وقدوة واقعية وهذا يحملنا مسؤولية خطيرة في هذا الاطار، اذ المطلوب ومن مواقعنا المتعددة، تجسيد قيم العدالة والعفو والتسامح في حياتنا، بحيث تكون هذه القيم، هي سمة حياتنا ولازمة من لوازم ممارساتنا الخاصة والعامة.

وإن تحسن أوضاعنا وخلاصنا من العديد من الأمراض المجتمعية، مرهون الى حد بعيد الى قدرتنا على الالتزام بمقتضيات ومتطلبات نزعة الأنسنة التي تحتضنها مرجعيتنا الاسلامية في كل قيمها وأنظمتها واجراءاتها، وان التطور الحضاري العالمي، أبان ايضا عن جملة من القيم والحقوق الانسانية، التي أصبحت جزءا من الشرعة الدولية ومواثيق الأمم المتحدة.. مما يدفعنا الى ضرورة الاحترام العميق لهذه القيم التي هي جسر الاستقرار السياسي والاجتماعي، وسبيلنا الى الوفاء إلى مبادئ ديننا وقيمنا العليا.

وفي إطار ضرورة تجلية وتظهير هذا البعد الهام والحيوي في واقعنا ومحيطنا من الأهمية بمكان التأكيد على النقاط التالية:

1- إن من المفارقات الخطيرة التي يعاني منها واقعنا العربي والاسلامي وساهمت بشكل أو بآخر في تشويه هذا الواقع على الصعيد الدولي.. هي اننا حينما نتحدث عن البعد الانساني والحقوقي، نستند في حديثنا عن البعد النظري والتاريخي، فيأتي حديثنا في سياق تاريخي وقيمي رفيع، مع واقع ممارسات قائمة ليست لها صلة حقيقية بهذا السياق والقيم الأساسية التي نتحدث عنها..

فهي مفارقة عجائبية، حيث إن ما ينبغي ان يكون مليئا باليوتيبيا والقيم النبيلة، وما هو قائم ومحسوس يرتكز في التخلف والبعد الجوهري عن تلك القيم والمثل العليا.. وستبقى هذه المفارقة، تساهم في تشويه واقعنا في الداخل والخارج.. وان الجهد ينبغي أن يتجه نحو توحيد المثال والواقع وتجسير الفجوة بين ما ينبغي أن يكون وما هو كائن... فلا يكفي أن نتحدث عن أخلاق الاسلام وتسامحه والحقوق التي يمنحها للانسان، وإنما الضرورة الدينية والحضارية تلزمنا بضرورة أن يكون واقعنا كله منسجما وهذه القيم الكبرى التي نطرحها باسم الاسلام، وان كفاحنا الحقيقي لابد أن يتجه صوب الالتحام بهذا المطلق والقيم الكبرى، التي نعتبرها حجر الأساس في مشروع استقرارنا وتقدمنا.

2- إن المسؤولية الانسانية، هي أساس الحق والواجب، وبالتالي فان الرؤية الاسلامية تستدعي في اطار المسؤولية ونيل الحقوق بحرية الارادة، بمعنى أن الطريق الذي ترسمه الرؤية الاسلامية لنيل الحقوق هو الالتزام بالواجب، فكلما التزم الانسان بوظائفه وواجباته تهيأت الظروف الذاتية والموضوعية لنيل حقوقه، وان اي خلل يصيب هذه العلاقة، سينعكس سلبا على عموم الحياة الاجتماعية، ولكي يمارس الانسان مسؤوليته على أكمل وجه، بحاجة أن يتحرر من كل الشهوات والأهواء التي تحاول ان تدفعه الى الحضيض، فبمقدار تمكن الانسان من التحرر من أهوائه ونزعاته الشيطانية بذات المقدار يتمكن من الاستفادة من بركات المسؤولية الانسانية والاختيار الحر..

لذلك جاء في المأثور (وأكرم نفسك عن كل دنيئة وإن ساقتك الى الرغائب فانك لن تعتاض بما تبذل من نفسك عوضا) من هنا فان الحرية المعنوية (التحرر من الأهواء والشهوات) هي بوابة ممارستها في الواقع الخارجي بصورة منسجمة والمنظور الحقوقي.

3- ضرورة الانفتاح والتواصل العميق مع مفهوم الكرامة الانسانية المستنبط من قوله تعالى {ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا} (الاسراء الآية 70)، وذلك لأن هذا المفهوم الذي أرسى دعائمه الباري عز وجل في كتابه العزيز، يعد هو جذر الحقوق كلها.. وان المطلوب في كل العصور والأزمنة، هو الوفاء والالتزام بمقتضى ومتطلبات هذا المفهوم وآفاقه المفتوحة على القيم الربانية ومنجزات الانسان في العصر الحديث.

وخلاصة القول: إن تطورات العالم بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، تدفعنا في المجالين العربي والاسلامي الى ضرورة العمل على إبراز وتجسيد قيم الانسان وحقوقه في مختلف مجالات حياتنا، وذلك لأن خلق النموذج الراقي في الداخل العربي والاسلامي، هو أنجع استراتيجية للرد على الحملات الاعلامية الغربية المضادة لعالمنا العربي والاسلامي.

اضف تعليق