عند تجوالي في متحف الكاتب والفيلسوف والفنان جبران خليل جبران الذي تربع على سفح جبل يعلو البحر بألف وخمسمائة متر، قريبا من منزله في منطقة بشري، ومن نافذة صغيرة تتوسط بين صالة عرض لوحاته وكتبه وغرفة نومه ومكتبه الذي دون فيه حكمه عبر فنون تمتد من القصة والشعر الى الرسم والفلسفة، من الأجنحة المتكسرة الى الأرواح المتمردة، ومن النبي الى حديقته، رأيت ظله يخطو ببطء من سريره الى شباك مطل على واد عميق يتصاعد منه ضباب خفيف، اختلط لونه الرمادي بلون القرميد الأحمر الذي يغطي بيوت بشري، ومع انه يحدق بذلك الوادي، متكئا بذراعه الأيسر على الجدار، لكني متيقن بأنه لا يرى شيئا من الذي أمامه، بل يتجول في دواخله من زقاق لآخر.

وفي كل مرة أزوره وفاء لحكمته التي تمثلت مآسينا بالوجيز من العبارات، وكأنها نُحتت من حجر لا يغيرها زمان او مكان، عند تجوالي سمعت ظله يهمس، فالتفت الى تمثاله النصفي في باب المتحف، أبصرت حركة في شفاهه، او هكذا بدا لي، قال: ((إذا شعرت بالحاجة إلى يد دافئة فأمسك بيدك الأخرى))، اقشعر بدني وارتسمت ابتسامة حزينة على وجهي الذي رأيته شاحبا في مرآة صغيرة عند مدخل الغرفة، وحال نفسي يقول: هذا ما لم ندركه بعمق بعد، بالرغم من تداول ألسنتنا العربية لقولك الذي مضى عليه ما يقرب القرن، لم يتملكنا ايمان الفلاح الذي يجد كنزا اينما حفر، ما يعوزنا يا سيدي الايمان بأنفسنا.

لذا ترانا نهبا للهزائم، مع اننا ورثنا ما تتحسر عليه الشعوب من حولنا، تاريخ له من البريق ما يخطف الأبصار، فتلك سومر وبابل وآشور، وهؤلاء أئمتنا من النجف الى سامراء، وذاك أبو حنيفة النعمان والكيلاني وتلك المدرسة المستنصرية، أليس غريبا ألا تؤمن امة بنفسها، ولها كل هذا الإرث.

مرة يا جبران وقفت على جسر يربط رصافة بغداد بكرخها، وأظنك تعرفهما، رغم انك عشت كثيرا من عمرك في بلاد الغربة، ربما تكون قد نسيت، أتذكر ما قاله شاعرنا علي بن الجهم ((عيون المها بين الرصافة والجسر))؟ فساءني ما وصلت اليه بغداد من ترد، ليس وقفا على أمر بعينه، بل طال كل شيء، فبعد أن كانت نجما متلألئا في سماء الانسانية، صارت في مؤخرتها، وجميعهم ولا أستثني أحدا منهم، كانوا سببا في ذلك.

من الذين نُعتوا بالعملاء الى الذين سموا أنفسهم المناضلين وصولا للمجاهدين، أطفأوا أنوارها، فاذا بها ليل بهيم، وسرقوا بهجتها فاذا بها أنين وحسرات، واذا بالمها أرملة في زهو شبابها، واذا بالعيون ذابلة، شغلوها بالتافه من الامور، بعد أن بنت للحكمة بيتا، لم تسلم الكرخ والرصافة لا من الذين ادعوا الليبرالية، ولا الذين تشدقوا بلم شمل الامة، ولا الذين تأبطوا المصاحف والسجاجيد. فبلغ بنا اليأس مبلغا، وحرنا أي فكر نجّربه، تدهشنا حلاوة فكرهم، لكنه في مائدة الطعام حنظلا قاتلا.

كل ذلك حدث، لأننا لم نمسك يدنا الاخرى الدافئة، بل أمسكنا بأيدي الغير، بل وارتمينا في أحضانهم، وكأنهم أم حنون، وصرنا لا نقول شيئا قبل الالتفات نحوه، نستقرأ ما تقوله الوجوه وان لم تنطق به الشفاه.

لقد بُحت أصواتنا من الصراخ: الوقوف بوجه الخطوب يراد له ايمان بالنفس، وثقة بالاخوان، فالأرض لم يحدث أن ميزت بيننا يوما، اينما فلحنا اخضّر زرعنا، لكننا لم نستلهم درسا من حكمة الأرض، ولا عبرة من فيض السماء التي لم تمطر ماء، بل أمطرت نبلا وسموا، أرادت بها أن يكون خلفاء الأرض عادلين والناس احرارا، فمتى تخرج أيدينا من كفوف الآخرين او من الجيوب؟

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق