آراء وافكار - مقالات الكتاب

نحو مجتمع جديد

إننا نعيش في زمن الاسئلة الصعبة والحسابات الدقيقة والمعقدة، لذلك ينبغي ألا ننجرف تجاه الاوهام، وانما نحاول ان نبني قناعاتنا ومواقفنا استناداً الى الحقائق والوقائع القائمة

تسود العالم المعاصر أسئلة ملحة حول الراهن بحقوله المختلفة والمستقبل بآفاقه العديدة. اذ نجد ان الامم والشعوب تسعى جاهدة بكل ما اوتيت من قوة وامكانات لتؤكد نفسها وارادتها في هذا العالم المتشابك والمليء بالطموحات والتطلعات والارادات المتباينة.

فصورة العالم المعاصر باندفاعاته واكتشافاته وبأزماته وحروبه وتحالفاته وانقساماته تدفع باتجاه ضرورة بلورة موقع متميز للفضاء العربي والاسلامي في هذا العالم المعاصر.

لهذا فإن فحص الراهن ومعرفة اتجاهات حركته السياسية والثقافية والحضارية، ومكونات الفعل الحضاري، وممكنات الانطلاق والنهوض كلها تساهم في اكتشاف الموقع المناسب والطموح الممكن الذي ينبغي ان نسعى الى انجازه وتنفيذه. فالتطورات الهائلة التي تجري في ارجاء المعمورة وعلى مختلف الصعد والمستويات، تدفعنا الى ضرورة احداث تحولات تاريخية ونوعية في واقعنا، حتى يتسنى لنا الاستفادة والاستجابة النوعية لتلك التطورات المذهلة.

ومما سبق نستطيع ان نفهم اهمية التحول النوعي في طبيعة خيارات وسياق الحياة لدى المجتمع العربي، بوصفه آلية نوعية ونقلة كيفية تهيئ المجتمعات العربية للانخراط الجاد والحيوي في شئون العالم. وكلما تأخرت أو تباطأت هذه المجتمعات والشعوب لتأسيس واقعها وفق نسق حضاري جديد، ابتعدت عن اسباب النهضة وعوامل التطور والتقدم.

فحجر الزاوية في مشروع التقدم والنهضة، هو صياغة مجتمعاتنا العربية والاسلامية من جديد وفق نمط حضاري يعلي من شأن العمل والبناء والتنمية والعمران. فالاختيار الحضاري الذي يدفع بهذه المجتمعات نحو هذه القيم هو ذلك الاختيار الذي يسمح بتعبئة كل الطاقات وتحشيد كل الجهود والاستفادة من كل الامكانات، وهو ذلك الاختيار الذي يستند في خططه وبرامجه على علاقة حضارية متوازنة بين الفرد والجماعة، حيث يقوم كل بتأدية ادواره ووظائفه على أكمل وجه. وهو الاختيار النموذجي الذي يؤسس لحقل اجتماعي سليم في العالمين العربي والاسلامي.

وذلك لان هذا الاختيار يؤسس لحالة من الاجماع والاتفاق العام على أسس وخطوط تلك الممارسات الحضارية. وهذه الأسس والخطوط المستمدة من المرجعية العليا (قيم الإسلام الكبرى) هي التي تؤسس قواعد البناء واساليب العمران على مختلف الصعد والمستويات.

من هنا فإن الاختلافات بين الامم والشعوب، مردها الى اختلاف اختياراتها الحضارية وتباين أطرها المرجعية. ولا يمكن لامة تنشد النهضة الحقيقية ان تستعير اختيارات غيرها الحضارية، وذلك لان عملية الاختيار عملية معقدة ومركبة، تمر بها الامم والشعوب من خلال حياتها وخبراتها وتجاربها وتاريخها وخصوصياتها.

من خلال كل هذه العناصر التي تمر بها الامم يتم تحديد الاختيار الحضاري. فلا استعارة او تقليد او محاكاة على صعيد اختيارات الامم الحضارية واطرها المرجعية.

من هنا فان المجتمع الذي لايشارك في صناعة مصيره، ولا يتحكم في قضاياه الكبرى واموره الهامة، يصاب بالاحباط والجمود. لذلك فان التقدم والتطور دائماً هو بحاجة الى مجتمع دينامي وحيوي ومشارك في تحمل المسؤوليات العامة.

وان الاستجابة الحرة والحضارية للانتماءات الموضوعية المتوفرة في الواقعين العربي والاسلامي، لاتعد ضعفاً او تنازلاً او تهاوناً، وانما تعد وفق المقاييس الحضارية حكمة وقدرة فائقة للاستفادة من كل امكانات الواقع وقدراته في مشروع البناء والتنمية.

فإرادة العيش المشترك، هي التي توفر اسباب ووجوه الاجتماعية المطلوبة، القائمة على فعل التواصل والتعاون والوحدة الفعلية، التي لا تلغي التنوعات والانتماءات الموضوعية، وانما تبلور لها دوراً في مشروع الاجماع الوطني المشترك. لذلك فان المجتمعات العربية الاسلامية، بحاجة الى تحول نوعي على هذا الصعيد. حتى يتمكن من تأسيس قواعد ثقافية ومجتمعية جديدة للعلاقة بين تنوعاته وتبايناته الطبيعية. قواعد لا تلغي متطلبات الوحدة الاجتماعية، وفي الوقت ذاته لا تضيع حقوق المجتمع وواجباته الحضارية.

وما نقوله هذا ليس وصفة جاهزة، وانما هو معالجة مفتوحة على كل الجهود الخيرة والنوعية التي تقوم بها المجتمعات العربية والاسلامية في مختلف المجالات والحقول.

فالمجتمع القوي ضرورة من ضرورات التقدم الحضاري، كما ان الدولة العزيزة والقوية ركن اساسي من اركان تحويل تلك القواعد من طابعها النظري الى رحاب الممارسة العملية واجراءات التنفيذ.

وبهذا في تقديرنا نتجاوز الخطيئة الحضارية الكبرى التي وقعنا فيها جميعاً التي تتصور علاقة آحادية فقط. بمعنى ان قوة المجتمع مرهونة بضعف الدولة، وان قوة الدولة مرهونة بضعف المجتمع. ان هذه الخطيئة الحضارية التي كلفت مجالنا الاسلامي الكثير من الجهود والطاقات والتضحيات. آن الاوان بالنسبة لنا جميعاً لتجاوزها واستيعاب دروسها والعمل على صياغة رؤية حضارية جديدة قائمة على التكامل والتفاعل. فالرؤية الحضارية الشاملة، تقتضي قوة الدولة وقوة المجتمع، فمن المجتمع وحيويته وفاعليته، تستمد الدولة كفاءاتها وامكاناتها. ويستند المجتمع على قوة الدولة امام تحديات الواقع، وهي وسيلة تنظيم القوة وتصريفها.

إننا نعيش في زمن الاسئلة الصعبة والحسابات الدقيقة والمعقدة، لذلك ينبغي إلا ننجرف تجاه الاوهام، وانما نحاول ان نبني قناعاتنا ومواقفنا استناداً الى الحقائق والوقائع القائمة، وذلك ليس من اجل الانحباس فيها وانما لكي تكون وجهتنا منسجمة ومنطق التاريخ الانساني. فالإنصات الواعي الى تساؤلات الواقع وتحديات الراهن، يؤدي الى نضج الخيارات وسلامة الاستراتيجيات، وذلك لان هذا الانصات هو الذي يؤدي الى تحديد البداية السليمة لعملية الانطلاق في معالجة المشكلات وبلورة الحلول.

واننا جميعاً مطالبون مع الالفية الثالثة، ان نفتح عقولنا ونفوسنا على العصر وآفاقه حتى تتكامل اهتماماتنا، ونزداد قدرة على اجتراح تجربتنا في البناء والتنمية والعمران الحضاري.

اضف تعليق