في واحدة من تعليقاته العفوية قال لي ابني الصغير: بابا كافي تاكل خبز شعير. قلت له: (ليش)؟. فقال: لان لونك راح يصير اسمر. تعلم تاكل صمون ابيض. سالته:(ليش)؟ قال علمود تصير ابيض مثلي. هذا الحوار القصير المشحون ببراءة الصغار اعادني الى فترة كنت فيها احلم بعراق جديد سيراه العالم.

نعم اعادني كلام ابني الصغير الى ما قبل سقوط النظام السابق ايام كانت التحضيرات للحرب تجري بلا توقف. آنذاك بدأت احلم بان النظام سيزول وستتغير كل الاشياء. كنت افكر بان اول تطور ساشاهده سيكون في اسلوب العمارة وبناء البيوت وتخطيط الساحات. وظننت لانني رومانسي عتيق بان الجميع سيعملون بهمة خلية النحل.

سنكون جميعا يدا واحدة تعمل بلا انقطاع. وعندها سنكتشف قوة البناء في داخلنا. كنت افكر هكذا. وكان لدي سبب مقنع كي اكون متفائلا الى هذا الحد. فكل القوى التي عارضت صدام حسين ستاتي الى البلد بعد تغيير نظامه. ولا يمكن ان يكون هناك اي نزاع او خلاف بينها. ستاتي قوى المعارضة للبناء.

وتخليصنا من كبت دام طويلا. باختصار: كنت اعيش في عالم وردي لان دور المونولوغ الشخصي سينتهي ليحل محله دور الحوار مع الاخرين. وهذا اهم ما انتظر انجازه. تحدثت مع نفسي طويلا عن التطور الذي سنصل اليه ذلك لان الالم والغربة والنضال السياسي تعلم الانسان كل شيء.

واول هذه الاشياء: التضحية بمصلحته منن اجل الاخرين. وهذا هو حال معارضي صدام الذين غادروا البلد الى المنافي. فكرت اننا سنكون بلا وصاية من احد. سنقرأ ما نشاء، ونشاهد ما نشاء ونكتب ما نشاء.

ولم اكن اظن ان زاوية واحدة من البلد ستعاني من الاهمال. ستقلب رياح التغيير كل شيء سريعا لان الارادة حين تتفجر لن يوقفها احد. لقد وصلت الى سدرة منتهى جميع الاحلام حين قلت لنفسي ان الحكومة التي ستاتي بعد التغيير ستتدخل حتى في نظام غذائنا.

ستعلمنا كيف نستبدل عاداتنا السيئة المضرة في الاكل. واهم شيء ستفعله لنا هو تعليمنا كيف نتناول خبز الشعير لانه صحي ومفيد. وستبالغ الحكومة في حثنا على تناول كيك الشعير المخلوط مع الكشمش الذي يقدم مع عصير المانغو اللذيذ.

تخيلت لائحة الطعام التي سنتدرب عليها ونتعود عليها بمرور الوقت. اهم عناصر هذه اللائحة خبز الشعير مع قانون لا يفرط بحقوق احد. كنت في عالم اخر وانتظر لحظة تحقيق جميع الاحلام. القانون الذي يشبه قانون المجموعة الشمسية الذي لا يجامل احدا.. وقانون صارم لتعليمنا فن الصحة من خلال ارغفة الشعير برائحتها وطعمها المميز. واكواب المانغو الباردة.

اعتقدت اننا سنعبر كل عقبات الخلاف لنصل الى عالم اخر يختلف عن عالمنا الذي دمرته الحروب. ويبدو اننا ما زلنا ننتظر لتحقيق كل ما كنا نحلم به. في الواقع فتح تعليق ابني باب خيالي لقول كل ما قلت. انه حلم يقظة.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق