يبدو أن الحائط العراقي عاد ليحصي على المواطنين اليائسين كلماتهم التي يشتمون فيها حكام البلاد، وعادت الديكتاتورية بأشكال مختلفة يعرفها الجميع، يكفي أنك تتحدث عن شخصية معينة فتنهال عليك رسائل التحذير، وقد يحصل لك مكروه لأنك لم تتبع التقاليد الشائعة بأن فلان فوق النقد.

كالنار في الهشيم انتشرت قصة حمد وتم توظيفها بأساليب عديدة كان أبرزها ما يتعلق بالجانب السياسي، فعندما تشيع الأمثال الشعبية الساخرة من القادة السياسيين، هذا مؤشر على دخول هذا الشعب مرحلة من مراحل الاستبداد والديكتاتورية، لكونه لا يستطيع الحديث علناً فيتجه إلى الإيحاء والنكات التي تدك حصون الديكتاتور بالقهقهات المجانية والعصية على متابعة البوليس.

في عصرنا الراهن قد يؤسس مجموعة من الشباب جيوشاً كبيرة في مواقع التواصل الاجتماعي هدفها الاساسي هو الضحك على المنشورات والآراء التي ينشرها قادة البلاد السياسيين. لماذا الضحك تحديداً؟ أليست البلاد المأزومة بحاجة إلى الجدية في النقد؟ والدقة في تشخيص الخلل؟

من يقرر كل ذلك هو الديكتاتور، فهو لا يريد أن يعرف بوجود خلل، ما دام هو في الحكم لأن كل شيء على ما يرام بحسب رأيه "الأخرق"، وإذا ما حدث خلل معين في أحد مفاصل الدولة؛ لا داعي للنقد والتشهير أمام عامة الناس لأن كل شيء سوف يكون على ما يرام في المستقبل، صحيح أن هذا المستقبل غير محدد في زمان معين، لكن الديكتاتور يدعونا للنظر إلى المستقبل وعدم التعجل في نقد أدائه السياسي.

هل عرفتم الآن لماذا يستخدم الناس الإيحاء والسخرية عند الحديث عن الديكتاتور؟ لأنهم ممنوعين من الحديث، وحرية الرأي والتعبير تجدها مخطوطة في المواد الأولى للدستور، وعند التطبيق تُؤل إلى مسارات غير التي كتبت فيها.

السخرية بالنسبة للمواطنين الذين يعيشون تحت سقف الديكتاتور مثل طاقة البرق التي تضيء المكان بسرعة دون أن تخلف أي أثر للإمساك بها، نعم إنها الضوء الذي يشع تحت السقف المظلم للديكتاتور حتى يجد الناس أنهم على مقربة من بعضهم البعض من حيث رأيهم السلبي بأسلوب الحاكم المستبد.

صحيح أن الوضع العام يبدو أنه يصفق للديكتاتور وتجده يفوز بالانتخابات فعلياً، لكن هذا الوهم ينمشف مع أول نكتة سياسية تستهدف الحاكم المستبد أو الديكتاتور.

النكتة أو لحظة البرق الخاطفة تعطي الإذن للناس للصراخ تعبيراً عن البهجة بالإعلان الأول لرفض الظلام، وهذا الصراخ يكون على شكل ضحك وقهقهات بصوت عالٍ.

ويستغل مطلقو النكتة ثغرة مهمة لدى الأنظمة الديكتاتورية، وهي رغبة هذه الأنظمة دائماً في نشر أجواء البهجة الوهمية بين الناس، حتى أن صور الحاكم المنتشر في الشوارع تحتلها ابتسامة عريضة، فهو في دولة سعيدة، وعند ظهوره في التلفاز يطلق الحاكم بعض النكات لتلطيف الأجواء المتوترة، فتصبح النكتة حالة مقبولة وغير ممنوعة.

والعنصر الأهم الذي تتميز به النكتة هو القدر الكبير من الإيحاء والعمومية، فلا الحاكم يستطيع وأعوانه يستطيعون إلصاقها بأنفسهم إن كانت غير محددة، وإن فعلوا يلصقون بأنفسهم ذلك رسيماً، وإن تركوا العامة يتحدثون بها تسهم هذه النكتة في عقد علاقة تواصل بين المواطنين وتؤكد وجود حالة الرفض للحاكم المستبد.

قد لا يتفق مع الكثير من القراء بأن نظامنا السياسي فيه نسبة عالية من الاستبدادية والديكتاتورية، على اعتبار أن التعريف العام للديكتاتورية يقول بأنها النظام الذي لا يستبدل فيها الحاكم، وفي العراق لا يوجد هذا الشيء، أليس كذلك؟

لا ليس كذلك، ديكتاتورياتنا متجذرة في الأحزاب والتيارات السياسية التي لا تستبدل حكامها منذ تسنمها مناصبها وحتى الآن وهؤلاء الزعماء هم لا يتعدون عدد أصابع اليد الواحدة، وهم من يحكمون البلاد فعلياً، وبجرة قلم يقلبون الوضع رأساً على عقب.

أنهم أنفسهم الذين يتسببون بمنعنا من الحديث العلني في مواقع التواصل الاجتماعي، ونحصل بسببهم على التحذيرات والتهديدات وربما القتل، لأنهم فوق النقد وفوق أي سلطة أخرى.

لم يتبقى لنا سوى النكتة وقصة حمد كافية وغيرها الكثيرة كافية للتدليل على أن شعبنا يخاف من حكامه وبدأ بحرب النكتة والهزل لعله يستطيع خلع حكامه الحاليين.

اضف تعليق