في الثامن من شوال 1344هـ عام 1925م، حصلت حادثة هدم قبور أئمة البقيع، وهي حادثة تمثل جريمة لن تمحى من الأذهان، اذ ارتكب الوهابية وال سعود جريمة العصر التي حاولوا من خلالها محو ذاكرة المسلمين، وازالة كل ما يربطهم بالتاريخ الاسلامي، لأن هدم هذه الشواهد المقدسة والتي تعد شواهد على الاسلام ذاته، هي محاولة يائسة من الوهابية بدعم الانكليز واليهود للقضاء على نور الاسلام.

معنى البقيع:

أطلق على مقبرة البقيع اسم بقيع الغرقد، فالبقيع هو المكان الّذي فيه أُرُوم الشجر من ضروب شتى، والغرقد قيل كبار العوسج، وهو جمع عوسجة وهو شجيرات من فصيلة الباذنجانيات أغصانه شائكة وأزهاره مختلفة الألوان، وقيل عن الغرقد: شجر من شجر الغضا وهي بالقصر شجر ذو شوك وخشبة من أصلب الخشب وفي فحمه صلابة في "عمدة الأخبار في مدينة‌ المختار.

إن البقيع: في اللغة المكان، وقالوا: لا يكون بقيعاً إلاّ وفيه شجر، وبقيع الغرقد كان ذا شجر، وذهب الشجر وبقي الاسم، وهو مقبرة بالمدينة الشريفة من شرقها، ويقال لها كفته بفتح أوله وإسكان ثانيه بعدها تاء معجمه باثنين من فوقها: اسم لبقيع الغرقد وهي مقبرة.

أطلق لفظ البقيع على عدة أماكن في المدينة وغيرها، منها بقيع الزبير: "بالمدينة فيه دور ومنازل"، وبقيع الخيل: بالمدينة أيضاً عند دار زيد بن ثابت وهو "سوق قرب البقيع عرفت ببقيع الخيل"، كان بنو سليم يجلبون إليها الخيل والإبل والغنم والسمن وكان أكثر ما يباع في هذا السوق الحيوانات، وقال عنه البكري "بقيع الخبجبة، بخاء معجمة وجيم وبائين، كل واحدة منهما معجمة بنقطة واحدة، بالمدينة أيضاً، بناحية بئر أبي أيوب، والخبجبة شجرة كانت تنبت هناك" وسماه البعض (الخبخبة)‌ بخائين، وورد في دائرة المعارف الإسلامية (المعرّبة) عن البقيع تعريف "هو مقبرة المدينة"، وهذا الاسم يدل على أرض كانت في الأصل مغطاة بنوع من شجر التوت مرتفع" وقيل عن البقيع أيضاً: انه "قاع ينبت الذّرق".

تاريخ البقيع:

كان أهل المدينة المنورة يدفنون موتاهم منذ زمان النبي (صلى الله عليه وآله) في البقيع وأحياناً كان الرسول (صلى الله عليه وآله) يعلم على قبر المدفون بعلامة، وما أن تم دفن أئمة الهدى (عليهم السلام) فيها حتى بنيت على قبورهم القباب، كما كان البناء على قبور الأولياء معتاداً منذ ذلك الزمان في مكة والمدينة وغيرها من البلدان الإسلامية.

وقيل: كان البقيع مقبرة قبل الإسلام، وورد ذكره في مرثية عمرو بن النعمان البياضي لقومه

أين الذين عهدتهم فـي غبـطـة.....بين العقيق إلى بقيع الغــرقــد

إلا أنه بعد الإسلام خُصِّص لدفن موتى المسلمين فقط، وكان اليهود يدفنون موتاهم في مكان آخر يعرف بـ (حش كوكب) وهو بستان يقع جنوب شرقي البقيع، وفي بعض المصادر التاريخية: إن البقيع كان بستانا يحوي أشجارا من العوسج، وأول من دفن فيه من المسلمين هو أسعد بن زرارة الأنصاري وكان من الأنصار، ثم دفن بعده الصحابي الجليل عثمان بن مظعون، وهو أول من دفن فيه من المسلمين المهاجرين، وقد شارك رسول الله (صلى الله عليه وآله بنفسه في دفنه، ثم دفن إلى جانبه إبراهيم بن الرسول صلى الله عليه وآله ولذلك رغب المسلمون فيها وقطعوا الأشجار ليستخدموا المكان للدفن، ثم استمر الدفن في البقعة المباركة من قبل المسلمين بعد وفاة الرسول "صلى الله عليه واله وسلم".

البقيع قبل الهدم:

تحوي مقبرة البقيع على اضرحة الكثير من الصحابة وال بيت النبي والمسلمين الاخرين، ومنهم، الأئمة الأربعة وهم الامام الحسن بن علي، والامام علي بن الحسين، والامام محمد الباقر، والامام جعفر الصادق (عليهم السلام) في قبة، وتزار فاطمة الزهراء (عليها السلام) في بقعتهم حيث تشير بعض الروايات أنها دفنت هناك، كما يحتمل أنها (عليها السلام) دفنت في بيتها، ولعل أمير المؤمنين (عليه السلام) حمل صورة جنازة إلى عدة أماكن، كما حمل الإمام الحسن (عليه السلام) صورة جنازة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى البصرة.

ولقد انصب الحقد الوهابي في كل مكان سيطروا عليه، على هدم قبور الصحابة وخيرة التابعين واهل بيته الاطهار، وكانت المدينتان المقدستان (مكة والمدينة) ولكثرة ما بهما من آثار دينية، من أكثر المدن تعرضا لهذه المحنة العصيبة، التي أدمت قلوب المسلمين وقطعتهم عن تراثهم وماضيهم التليد، وكان من ذلك هدم البقيع الغرقد بما فيه من قباب طاهرة لذرية رسول الله وأهل بيته وخيرة أصحابه وزوجاته وكبار شخصيات المسلمين.

وقد ورث الوهابيون وكما هو معروف الحقد الدفين ضد الحضارة الاسلامية من اسلافهم الطغاة والخوارج الجهلاء فكانوا المثال الصادق للجهل والظلم والفساد فقاموا بتهديم قبور بقيع الغرقد مرتين:

الأولى: عام 1220هـ - 1805 م الجريمة التي لا تنسى، عند قيام الدولة السعودية الأولى حيث قام آل سعود بأول هدم للبقيع وذلك عام 1220 هـ، وعندما سقطت الدولة على يد العثمانيين أعاد المسلمون بناءها على أحسن هيئة من تبرعات المسلمين، فبنيت القبب والمساجد بشكل فني رائع حيث عادت هذه القبور المقدسة محط رحال المؤمنين بعد أن ولى خطر الوهابيين لحين من الوقت، ويقول أحد الرحالة الإنجليز حين وصف المدينة المنورة بعد تعميرها بأنها تشبه استانبول أو أية مدينة أخرى من المدن الجميلة في العالم، وكان هذا في عام 1877-1878م أي قبل تعرض المدينة المباركة لمحنتها الثانية على أيدي الوهابيين العتاة.

الثاني: عام 1344هـ - 1925م، اذ عاود الوهابيون هجومهم على المدينة المنورة مرة أخرى في عام 1344هـ، وذلك بعد قيام دولتهم الثالثة وقاموا بتهديم المشاهد المقدسة للائمة الأطهار وأهل بيت رسول الله بعد تعريضها للهدم بفتوى من وعّاظهم، فاصبح البقيع وذلك المزار المهيب قاعا صفصفا لا تكاد تعرف بوجود قبر فضلا عن أن تعرف صاحبه، ويصف رحالة غربي واسمه (ايلدون رتر)، المدينة المنورة بعد الجريمة الثانية التي نفذها الوهابيون عند استيلائهم على المدينة وقتلهم الآلاف من الأبرياء، يقول: "لقد هدمت واختفت عن الأنظار القباب البيضاء التي كانت تدل على قبور آل البيت النبوي.. وأصاب القبور الأخرى نفس المصير فسحقت وهشمت".

فبعدما استولى آل سعود على مكّة المكرّمة والمدينة المنوّرة وضواحيهما عام 1344 هـ، بدأوا يفكّرون بوسيلة ودليل لهدم المراقد المقدّسة في البقيع، ومحو آثار أهل البيت والصحابة،

وخوفاً من غضب المسلمين في الحجاز، وفي عامّة البلاد الإسلامية، وتبريراً لعملهم الإجرامي المُضمر في بواطنهم الفاسدة، استفتوا علماء المدينة المنوّرة حول حُرمة البناء على القبور،

فكتبوا استفتاءً ذهب به قاضي قضاة الوهابيين "سليمان بن بليهد" مستفتياً علماء المدينة، فاجتمع مع العلماء أوّلاً وتباحث معهم، وتحت التهديد والترهيب وقع العلماء على جواب نُوّه عنه في الاستفتاء بحُرمة البناء على القبور، تأييداً لرأي الجماعة التي كتبت الاستفتاء.

واستناداً لهذا الجواب المشؤوم اعتبرت الحكومة السعودية ذلك مبرّراً مشروعاً لهدم قبور الصحابة والتابعين ـ وهي في الحقيقة إهانة لهم ولآل الرسول (صلى الله عليه وآله) ـ فتسارعت قوى الشرك والوهابيّة إلى هدم قبور آل الرسول (صلى الله عليه وآله) في الثامن من شوّال من نفس السنة ـ أي عام 1344 هـ ـ فهدّموا قبور الأئمة الأطهار والصحابة في البقيع، وسوّوها بالأرض، وشوّهوا محاسنها، وتركوها معرضاً لوطئ الأقدام، ودوس الكلاب والدواب، ونهبت كل ما كان في ذلك الحرم المقدّس، من فرش وهدايا، وآثار قيّمة وغيرها، وحَوّلت ذلك المزار المقدّس إلى أرضٍ موحشة مقفرة.

وكانوا قد بدأوا في تهديم المشاهد والقبور والآثار الإسلامية في مكة والمدينة وغيرهما. ففي مكة دُمرت مقبرة المعلى، والبيت الذي ولد فيه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، أما ما يسمى بنكبة البقيع حيث لم يُبق الوهابيون حجراً على حجر، وهدموا المسجد المقام على قبر حمزة بن عبد المطلب سيد الشهداء ومسجد الزهراء واستولوا على أملاك وخزائن حرم النبي، وهُدمت قبور أهل البيت النبوي والمزارات والأماكن المقدسة لمطلق المسلمين سنة وشيعة، فقد وصفها احد الشهود، حين هجم الوهابيون على الطائف بقوله: "رأيت الدم فيها يجري كالنهر بين النخيل، وبقيت سنتين عندما أرى الماء الجارية أظنها والله حمراء "، وكان ممن قتل في هذه الهجمة التاريخية المشهورة التي تدل على همجيتها (الشيخ الزواوي) مفتي الشافعية وجماعة من بني شيبة (سدنة الكعبة).

وتشير الوثائق التاريخية والشواهد إلى أن الوهابيين لم يكتفوا بتلك الجرائم بل حاولوا مرارا هدم قبر الرسول الأعظم محمد بن عبد الله "صلى الله عليه وآله وسلم" وقبته وبدأوا في محاولات مشبوهة للمساس بالقبر النبوي الشريف لكنهم لم يتمكنوا من الاستمرار فيها، حيث أنهم أرادوا هدم قبة الرسول الأكرم (ص) لكن تظاهر المسلمين في العراق والهند ومصر وتركيا وبعض بلاد أفريقيا والذين هاجوا وماجوا وأقاموا المظاهرات المعادية للوهابية قد أثار مخاوف البريطانيين من انفلات الأمر من أيديهم لهذا فقد أوعزوا إلى عميلهم العالم الوهابي أن يقول للناس إني رأيت البارحة رسول الله (ص) في المنام فأمرني أن اترك قبره، فقلت يا رسول الله لماذا ؟ قال: لأن المصلحة في بقاء قبري إلى حين وبذلك أجاب عن الوهابيين الملتفين حوله الذين كانوا يقولون إن كانت القبور بدعة فلماذا بقاء قبر رسول الله (ص)، وإن لم تكن بدعة فلماذا هدم تلك القباب الأخر للأئمة وأولاد النبي وأصحابه وزوجاته ومن إليهم ؟، وهذه القصة معروفة ومشهورة في أمر توقفهم عن هدم قبر وقبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهم يحنّون إلى العمل على هدمهما إلى الآن، لكن خشيتهم من العواقب الوخيمة لهذا العمل تحول دون ذلك.

ولكن محاولاتهم الخبيثة والمشبوهة لا تنقطع فقد أفتوا بحرمة الإسراج (الإضاءة) عند القبور، ومنعوا الإسراج حتى عند قبر النبي الأكرم (ص) في عام 1346 هجرية، ثم تراجعوا عن ذلك بسبب كثرة البلبلة التي كان يحدثها الزوار والمناوشات التي كانت تحدث بينهم وبين الزائرين من مختلف بقاع العالم الإسلامي.

ان فتوى الهدم التي حصل عليها الوهابية من علماء مكة والمدينة لم تكن صادرة عن قناعة من علماء المدينة بل تمت تحت الاكراه والقوة، والا أين كان علماء المدينة المنوّرة من منع البناء على القبور؟ ووجوب الهدم قبل هذا التاريخ ؟! ولماذا كانوا ساكتين عن البناء طيلة هذه القرون من صدر الإسلام، وما قبل الإسلام، وإلى يومنا هذا؟، ألم تكن قبور الشهداء والصحابة مبنيّ عليها؟ ألم تكن هذه الأماكن مزارات تاريخية موثّقة لأصحابها؟ مثل مكان: مولد النبي (صلى الله عليه وعلى أله وسلم)، ومولد فاطمة عليها السلام، وقبر حوّاء أُم البشر والقبّة التي عليه، أين قبر حوّاء اليوم ألم يكن وجوده تحفة نادرة يدل على موضع موت أوّل امرأة في البشرية؟ أين مسجد حمزة عليه السلام في المدينة؟

لو تتبعنا القرآن الكريم ـ كمسلمين ـ لرأينا أنّ القرآن الكريم يعظّم المؤمنين ويكرّمهم بالبناء على قبورهم ـ حيث كان هذا الأمر شائعاً بين الأمم التي سبقت ظهور الإسلام ـ فيحدثنا القرآن الكريم عن أهل الكهف عليهم السلام حينما اكتشف أمرهم ـ بعد ثلاثمائة وتسع سنين ـ بعد انتشار التوحيد وتغلبه على الكفر.

وفي قصة أهل الكهف عليهم السلام نرى انقسام الناس إلى قسمين : قسم يقول نبني عليهم بناء تخليداً لذكراهم ـ وهؤلاء هم القوم الكافرون ـ بينما نرى المؤمنين ـ التي انتصرت إرادتهم فيما بعد ـ يدعون إلى بناء المسجد على الكهف، كي يكون مركزاً لعبادة الله تعالى، بجوار قبور أولئك الذين رفضوا عبادة غير الله، في قوله تعالى (وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا إن وعد الله وان الساعة لاريب فيها اذ يتنازعون بينهم أمرهم فقالوا ابْنُوا عَلَيْهِم بُنْيَانًا ربهم اعلم بهم قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا) (سورة الكهف، الآية 21).

فلو كان بناء المسجد على قبور الصالحين أو بجوارها علامة على الشرك، فلماذا صدر هذا الاقتراح من المؤمنين؟ ولماذا ذكر القرآن اقتراحهم دون نقد أو ردّ؟ أليس ذلك دليلاً على الجواز؟.

أسباب هدم اضرحة البقيع:

لم يكتف أعداء أهل البيت عليهم السلام بمحاولتهم إطفاء نور الله بقتل أنوار الله وخلفاء رسوله صلى الله عليه وآله أو بعقوبة من يتحدث عنه بحديث او بقتل من يتحدث بفضيلة من فضائل أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب عليه السلام او بتحريفهم لسنة رسول الله صلى الله عليه وآله أو بهدم قبر الإمام الحسين (عليه السلام) عدة مرات، فبعد ان رأوا هذا النور يزداد توهجا بالرغم مما بذلوا من جهد للقضاء عليه اتخذوا طريقة أخرى للقضاء على هذا النور بتهديمهم لقبور بُناة الإسلام وأئمة الهداية الموجودة في البقيع، وانتهاك حرمتها وقدسيتها وها هم اليوم يتسللون الى العراق لينفذوا ما فشلوا به سابقا من تهديم قبور الائمة لكنهم لم يفلحوا بذلك، ومن اسباب الهدم هي:

1- القضاء على الاسلام، لم يكن هذا العمل إلا لأجل القضاء على الإسلام، فلذلك عمدوا على تدمير كل أثر يدل على حضارة الإسلام، وهدموا ذلك الاثر تمهيدا للقضاء على المؤثر، لأنك ان قضيت على مدلول الشيء تكون مهدت للقضاء على الشيء نفسه، وها هم يهدمون آثار الإسلام وقبور عظماء المسلمين لأنها دالة على وجود الإسلام، ولو تساءلنا من المستفيد من القضاء على الاسلام؟ لوجدنا حقيقة واضحة وهم اليهود، فلهم دور كبير توجيهي بهدم آثار الإسلام، فلذلك وكما قيل، أنهم توجهوا الى الاثر الباقي من باب خيبر فهشموها قطعةً قطعة.

2- تضليل الناس عن الحقيقة، ان اخفاء تاريخ البقيع، هو محاولة لتضليل الناشئة والشباب في هذه العصور المتأخرة، واخفاء مناشئ المصادر أولا، عن هذا الارث الحضاري الاسلامي، اذ ان التعتيم الإعلامي السعودي والغربي عليه، لعب دورا في التقليل من أهميته، ومحاولة ازالة اثاره بالمرة.

3- العداء لأهل البيت (عليهم السلام) والقضاء على ذكرهم، وهذا واضح جلي لأنه متوارث عندهم، مع العلم ان الذي أفتى بهدم القبور اعتمد بفتواه على ابن تيمية وابن تيمية هذا يقول (ان علي بن أبي طالب لم يصح إسلامه لأنه اسلم صبيا)، ومن الامور التي تكشف عن إنسان ما وماله من أهمية عند الله أو في المجتمع، هو تقديس الناس واحترامهم له بسبب صلاح سيرته وتقواه، وخير دليل على هذا، القصة التي حصلت مع الإمام السجاد "عليه السلام" كما جاء في الرواية إن هشاماً بن عبد الملك عندما توجه بخدمه وحراسه لحج بيت الله الحرام اراد الوصول الى الحجر الاسود فلم يستطع بسبب زخم الحجاج، فجلس في مكان حتى يخف الزخم، واذا بالإمام السجاد يتوجه نحو الحجر الاسود فانفرج له الحجاج سماطين واخذوا يتبركون به حتى وصل الحجر الاسود فلما راه احد الجالسين قال لهشام من هذا فأنكره!! (قال لا اعرف!) فوقف الشاعر "الفرزدق" معرفا الإمام بقصيدته الرائعة، التي جاء منها:

هذا الذي تعرف البطحاء وطأته.......والبيت يعرفه والحل والحرم

ومن جملة الطرق التي يتخذها الناس لتقديس عظمائهم هي تخليد آثارهم وبناء قبورهم، فوجود قبور العظماء أو الآثار دلالة على مكانة اصحاب تلك القبور، وبما ان مكة والمدينة تأتيها الحجاج من كل بقاع العالم وقبور البقيع مشيدة، فإنها ستثير التساؤل عن اصحاب تلك القباب، وتلفت النظر إليهم، وكيف حصلوا على هذه المكانة، مما يؤدي لانحياز ذوي العقول إلى مذهبهم، لأن الجواب سيأتي كجواب الفرزدق لهشام (هؤلاء خير الناس كلهم).

4- كذلك حقد الوهابية وال سعود على هذه الاماكن المقدسة، ومحو اي كرامات لهذه البقع المقدسة، فقد روى الطبراني في الكبير ومحمد بن سنجر في مسنده وابن شبّة في أخبار المدينة عن أم قيس بنت محصن، وهي أخت عُكاشة، أنها خرجت مع النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلم إلى البقيع، فقال: "يُحشر من هذه المقبرة سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب، وكأن وجوههم القمر ليلة البدر". فقام رجل فقال: يا رسول الله، وأنا. فقال: "وأنت"، فقام آخر فقال: يا رسول الله، وأنا. قال: "سبقك بها عُكَّاشة"، قال: قلت لها، لِمَ لم يقل للآخر؟ قالت: "أراه كان منافقاً".

وروى ابن شبّة عن أبي موهبة مولى رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ قال: أهبَّني رسول الله "صلّى الله عليه وآله وسلم" من جوف الليل، فقال: "إني أمرت أن أستغفر لأهل البقيع فانطلق معي"، فانطلقت معه، فلما وقف بين أظهرهم قال: "السلام عليكم يا أهل المقابر، ليهنَ لكم ما أصبحتم فيه مما أصبح الناس فيه، أقبلتِ الفتنُ كقطع الليل المظلم يتبع آخرها أولها، الآخرة شر من الأولى" ثم استغفر لهم طويلاً، ثم قال: "يا أبا موهبة، إني قد أوتيتُ مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها، فخيرت بين ذلك وبين لقاء ربي ثم الجنة"، قلت: بأبي وأمي خذ مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة، قال: "لا والله يا أبا موهبة، لقد اخترت لقاء ربي ثم الجنة"، ثم رجع رسول الله " صلّى الله عليه وآله وسلم " فبدأ به وجعه الذي قبض فيه.

5- الحسد، لا يتحمل الحاسد ان يرى النعمة بادية على أخيه المؤمن أو المسلم بل يسعى وبكل الطرق الى ازالة هذه النعمة، فلذلك أمر الله عز وجل بالاستعاذة منه (ومن شر حاسد اذا حسد)" سورة الفلق، الاية5 "، وبعض آيات القرآن تحدثت عن جرائم القتل التي كان الباعث لها الحسد، كحسد قابيل لأخيه هابيل، وحسد اخوة يوسف ليوسف، ومن قتل اهل البيت عليهم السلام لم يكن الا حسدا بهم والإمام الباقر "عليه السلام" يقول في تفسير الآية (ام يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله) " سورة النساء، الآية 54 " (نحن المحسودين)، نعم وهؤلاء هدموا قبور الأئمة حسدا لأنهم وجدو أهل البيت عليهم السلام وذريتهم امتازوا في الدنيا بتلك الأضرحة والقباب المشيرة والدالة على شرفهم ومكانتهم عند الله عز وجل في الدنيا والآخرة، في الوقت الذي ذهب فيه الحاسدون وأئمتهم الى مزبلة التاريخ، ولم يبق لهم ذكر او شاهد رغم ما ملكوه في الدنيا من اموال.

التناقض في جريمة هدم الأماكن المقدسة في البقيع:

عملية هدم المراقد المطهرة في "البقيع الغرقد"‌ تتناقض مع كل القيم؛ فهي تحمل طابع التناقض مع ذاتها أولاً، ومع القيم الدينية ثانياً، ومع الحالة الحضارية ثالثاً، ومع واقع الأمّة الإسلامية وتاريخها رابعاً.

1- التناقض الذاتي في جريمة هدم المراقد في البقيع: إذا كان هدم القبور واجباً شرعياً، فلماذا هدمت بعضها دون بعضها الآخر؟ اذ صب الوهابية جام غضبهم على مراقد وبيوت اهل البيت عليهم السلام وصحابة الرسول صلى الله عليه وسلم، وعلى كل اثر يدل على رمزية الاسلام.

2- التناقض مع القيم الدينية: إن هذه البيوت التي هدموها هي من البيوت التي أمر الله تعالى أن ترفع ويذكر فيها اسمه؛ قال السيوطي ـ وهو من كبار علماء أهل السنة ـ في كتابه (الدر المنثور): عندما نزل قوله تعالى: "في بيوت أذن الله أن تُرفع ويُذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدوّ والآصال رجال لا تلهيهم تجارة أو بيع عن ذكر الله و…." قام رجل وقال: يا رسول الله ما هي هذه البيوت؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله: إنها بيوت الأنبياء. فقام أبو بكر وأشار إلى بيت عليّ وفاطمة سلام الله عليهما وقال: هل هذه منها؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: نعم، من أفاضلها. وإننا نسأل القوم: هل يكون رفع هذه البيوت ـ التي أمر الله عز وجل برفعها ـ بهدمها وتحويلها إلى يباب؟ وهل يعتبر هدم قبور هذه الصفوة تعبيراً عن المودّة التي أمر الله تعالى المسلمين لأصحابها حيث قال: "قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودّة في القربى" أم هو التعظيم الذي أشارت إليه الآية الكريمة في قوله تعالى: "ومن يعظّم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب"‌، إنه من الواضح جداً أنّ هذه العملية تتناقض مع القيم الدينية والثوابت القرآنية أيضاً.

3- التناقض مع الحالة الحضارية: إذا لاحظنا الأمم المتقدمة وكذا الحضارات الحاكمة اليوم، لرأيناهم يهتمّون بتاريخهم اهتماماً كبيراً ويحاولون الاحتفاظ بأيّ أثر من عظمائهم، وهذا ديدن الأمم المتحضّرة كلّها، في الغابر والحاضر، فهي تهتمّ بآثار عظمائها وتحاول تخليدها والاحتفاء بها، فمما ينقل في هذا المجال أن المسيحيين بنوا كنيسة وسمّوها كنيسة الحافر فوق أرض يزعمون أن حافر دابّة عيسى لامستها.

4- التناقض مع واقع الأمّة وتاريخها: لقد كانت المراقد موجودة في مكة المكرمة والمدينة المنوّرة حتى في أيّام حكم الرسول صلى الله عليه وآله ولم نسمع أنه أمر بهدمها أو نهى عن زيارتها، بل عدّت جزءاً من الشعائر المهمّة، ففي مكة قبر لهاجر زوجة النبي إبراهيم سلام الله عليهما وكذلك قبر ابنه إسماعيل سلام الله عليه، وفوقه بناء وهو المسمى اليوم بحجر إسماعيل، وهكذا قبور كثير من الأنبياء سلام الله عليهم.

بناء الاضرحة:

لقد سعى العديد من العلماء والفقهاء والوجهاء ومختلف المؤمنين وحتى بعض القادة السياسيين لبناء البقيع، كان منهم آية الله الشهيد السيد حسن الشيرازي (قدس سره) حيث سعى لبناء قبور أئمة البقيع سعياً جاداً، فأخذ يحاور كبار علماء السنة في المملكة العربية السعودية وأثبت لهم جواز بناء تلك القباب الطاهرة بل رجحانها، وقد خطى في هذا الباب خطوات جيدة حتى أقنعهم بذلك ولكن بعض الموانع حالت دون الوصول إلى هدفه المبارك.

يقول الإمام الشيرازي في كتابه (الأخ الشهيد السيد حسن الشيرازي) تحت عنوان السعي لبناء البقيع: "وكان (رحمه الله) يذهب إلى الحج كل سنة تلبية لنداء الرحمن عز وجل ولأهداف تبليغية عالية، وقد التقى بالسعوديين وضغط عليهم لأجل تعمير البقيع الغرقد ووعدوه بالسماح بتعمير البقيع، وذلك بعد جهد وتعب كثير ومناقشات ومحاورات مع كبار رجالهم وفقهائهم، لكن بعض الجهات في العراق منعت عن ذلك بالمال الكثير والإغراء وما أشبه، وتعاضدها في ذلك الحكومة العراقية".

ويقول آية الله السيد مرتضى القزويني في الاحتفال التأبيني الذي أقيم بمناسبة الذكرى السنوية الأولى للإمام السيد محمد الحسيني الشيرازي في حسينية الرسول الأعظم (ص) في لندن: "وقد قال لي محمد بن سرور الصبان رئيس رابطة العالم الإسلامي أن هذا السور الحالي حول البقيع إنما صار وتم بجهوده المرجع الفقيد السيد الشيرازي وأخيه الشهيد السيد حسن الشيرازي".

خلاصة القول، لم تكن مظلومية الأئمة عليهم السلام المدفونين في البقيع في حياتهم فقط، وإنما مستمرة إلى وقتنا الحاضر، من خلال هدم قبورهم وحرمان شيعتهم من زيارتهم وهو ظلم واضح جلي، فيجب علينا في الوقت الحاضر أن نطالب ببناء قبور البقيع، بجميع الوسائل السلمية، ومنها المظاهرات والندوات، والطلب من المنظمات الدولية والانسانية للمساعدة في بناء الاضرحة المقدسة، كذلك نقف بكل قوة بوجه الحملة الوهابية الجديدة التي يقودها تنظيم داعش الإرهابي ومحاولتهم هدم ما تبقى من الاماكن المقدسة، فقد دمروا في الموصل وسوريا العديد من اضرحة الانبياء ومقامات الائمة (عليهم السلام)، والمساجد التاريخية والاثرية القيمة، والكنائس الاثرية وكل اثر ديني تاريخي يدل على عظمة الاسلام والانبياء والرسل، وهي سياسة اليهود واذنابهم الوهابية، كذلك محاولاتهم الوصول الى الاماكن المقدسة في كربلاء والنجف، علينا كمسلمين الوقوف صفا واحدا خلف مراجعنا العظام وتوجيهاتهم وفتاويهم للدفاع عن المقدسات، بوجه هذه الحملة التي تقودها الوهابية ضد الاسلام والمسلمين.

* باحث مشارك في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية
www.fcdrs.com

...........................................
1- تاريخ ووصف البقيع، على موقع الانترنيت،
www/alkafeel.net/albaqee/wasof/images/banner.jpg
2- فاجعة هدم البقيع، على موقع الانترنيت،
www/alkafeel.net/forums/show-html.
3- فاجعة هدم قبور أئمة البقيع (عليهم السلام)، على موقع الانترنيت،
www.al-shia،org/html/ara-others.
4- هدم قبور البقيع اكبر جريمة في تاريخ الوهابية، على موقع الانترنيت،
www.alhassanain.org/m/arabic/com=content=2525
5- هدم قبور البقيع.. وجريمة آل سعود، على موقع الانترنيت،
www.alwelayah.net/wp-content/uploads/2013/08/52.jpg.
6- لماذا هدم الوهابية قبور بقيع الغرقد، على موقع،
www.alhussain-sch،org/forum/images/alkaffeel/top.jpg
7- هدم قبور ائمة البقيع مخطط سياسي مغطى بفكرة عقائدية، على موقع،
www.sotaliraq.com/mobil-item.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

3