كل الأمم والشعوب عانت بطريقة أو أخرى من انقساماتها الدينية أو المذهبية أو القومية أو العرقية، وإن المجتمعات الحية والواعية هي وحدها التي تمكنت من إدارة انقساماتها الدينية وغيرها بما لا يضر راهنها وواقعها، وإن المجتمعات الإسلامية معنية قبل غيرها، للتفكير بجد في الطريقة المثلى التي تجنب الجميع ويلات التحريض والحروب

طبيعة النمط الثقافي والسلوكي الذي يسير على هداه ومنواله الإنسان المتطرف، هو أنه لا يبحث عن النقاط المضيئة في موضوع تشدده وتطرفه، وإنما يغض النظر عن هذه النقاط ويتغافل عنها، ويوجه اهتمامه صوب النقاط السوداء التي تبرر رأيه وموقفه وتزيده تشبثاً بمقولاته المتطرفة وقناعاته الجامدة.

ويتجلى هذا النمط والسلوك في طبيعة الرأي والموقف الذي يتخذه المتطرف من وقائع وحقائق العلاقات الإسلامية الإسلامية، حيث إنها علاقات إنسانية وسياسية وثقافية واجتماعية، تراوح بين علاقات ودية وهادئة، أو علاقات متوترة ومملوءة بنقاط التباين والتوتر، أو هي علاقات جامدة حيث تحتضن عناصر السلب كما تحتضن عناصر الإيجاب.

الإنسان المتطرف سواء من هذه المدرسة الفقهية أو المذهبية أو تلك، هو بطبيعته المتطرفة والمتشددة، يتجاهل عناصر الإيجاب في هذه العلاقات، ويتغافل عن تلك اللحظات التاريخية التي تطورت فيها العلاقات الإسلامية على نحو إيجابي.

وينشغل نفسياً وعقلياً بكل اللحظات التي ساءت فيها تلك العلاقات ووصلت إلى مديات سلبية، كما يحتفل بكل المقولات المذهبية المتطرفة والمتشنجة ويعزز بها قناعاته، ويزداد تشبثاً بمواقفه، يضخم عناصر التوتر ويستدعي بعض لحظات التاريخ التي سادت فيها التوترات، ويتغافل ويتجاهل الحقائق المضادة لتطرفه وتشدده المذهبي.. يتعامل مع الخلافات والاختلافات الإسلامية الإسلامية، بوصفها قدراً مقدراً، لا يمكن تجاوزها أو معالجتها.

ويحتضن بوعي ومن دون وعي من جراء هذا، كل المقولات النبذية الاستئصالية، ويرى أن الطرف الإسلامي الآخر، لا ينفع معهم، إلا لغة النبذ والاستئصال والقوة. ويتغافل عن حقائق ومقولات أن الأفكار والقناعات الدينية والمذهبية، لا يمكن استئصالها، ولا يمكن دحرها من الوجود، لأنها حقائق عنيدة وتزداد رسوخاً في تربتها الاجتماعية، حينما تتجه إليها رياح الاستئصال والقتل والتدمير.

وعليه فإننا نعتقد أن طبيعة نفسية وثقافة المتطرف والمتشدد الديني والمذهبي، تمارس عملية التغذية التي تديم حالات التطرف وتمدها بأمصال الوجود والحياة، وإن قبض المتطرفين من كل الأطراف على ملف العلاقات الإسلامية الإسلامية، سيزيد الأمور تعقيدا وتشنجاً؛ لأن التطرف بطبعه ضد التآلف والتآخي والوحدة والتفاهم، كما أن التشدد المذهبي يساهم في تصحير مسافات اللقاء والاشتراك.

إن السماح لكل النزعات المتطرفة في التحكم بطبيعة العلاقة بين المسلمين، لن ينتج إلا مزيداً من التوتر وسوء العلاقة وتراكم عناصر السلب فيها، لذلك فإن الخطوة الأولى في مشروع تحسين العلاقات الإسلامية بين المسلمين، هو منع جماعات التشدد والتطرف من الإمساك بهذا الملف الهام والحيوي، وتضافر كل الجهود من أجل القيام بمبادرات من قبل أهل الاعتدال والوسطية لإدارة ملف العلاقات الإسلامية الإسلامية.

فحينما تتحرر علاقات المسلمين بعضهم مع بعض من هيمنة أهل التطرف والتشدد، فإن قدرة أهل الاعتدال على بناء أسس العلاقة الإيجابية والتفاهم بين المسلمين ستكون فعلية وحقيقية. بمعنى حينما نتمكن من فك الارتباط بين جماعات التطرف ومسيرة العلاقة بين المسلمين، حينذاك ستتحرر هذه العلاقة من كثير من القيود والأعباء التي تساهم في تعطيل هذه العلاقة أو تفجيرها من الداخل.

وفي سياق العمل على إخراج ملف العلاقات بين المسلمين من قبضه أهل التطرف والتشدد نود بيان الأفكار التالية:

إن السنة والشيعة من حقائق التاريخ والاجتماع الإسلامي، ولا يمكن لأي طرف مهما أوتي من قوة، أن يلغي هذه الحقائق من الخريطة والوجود الإسلامي، وإن المطلوب دائماً مهما كانت الحقائق المضادة ونزعات التشدد والتطرف هو توسيع دائرة التلاقي والتفاهم؛ لأن البديل عن هذه الدائرة، يساوي أن يدمر المسلمون واقعهم، ومجتمعاتهم بأيديهم.

الحروب المذهبية لا رابح منها، وإن إخضاع الواقع الإسلامي إلى متواليات هذه الحروب ستضر بجميع المجتمعات الإسلامية. لذلك فإن مصلحة الجميع تقتضي الجلوس على طاولة التفاهم والبحث بشكل موضوعي عن آليات تصليب العلاقات بين المسلمين، وإخراجها من دائرة التحريض والنبذ والاستئصال.. فالصراخ الطائفي لن يغير من حقائق الوجود الإسلامي، ونار الطائفية حينما تحترق فإنها ستصيب الجميع ولعل أول من تصيبه هو شاعلها.

كل الأمم والشعوب عانت بطريقة أو أخرى من انقساماتها الدينية أو المذهبية أو القومية أو العرقية، وإن المجتمعات الحية والواعية هي وحدها التي تمكنت من إدارة انقساماتها الدينية وغيرها بما لا يضر راهنها وواقعها، وإن المجتمعات الإسلامية معنية قبل غيرها، للتفكير بجد في الطريقة المثلى التي تجنب الجميع ويلات التحريض والحروب عبر إدارة حضارية لخلافاتها وانقساماتها المذهبية.

ومن يبحث عن حلول استئصاليه، والغائية، فإنه لن يجني إلا المزيد من المآزق والحروب.. وقد جرب الجميع هذه الحقيقة بطريقة أو أخرى.

لذلك لا مناص إلا التفاهم وتدوير الزوايا والبحث عن سبل تحييد الانقسام المذهبي عن راهن وواقع المسلمين اليوم. وهذا لن يتأتى إلا بـ:

الاحترام المتبادل ورفض كل نزعات تسخيف قناعات الآخر، فمن حق الجميع أن يختلف في قناعاته وأفكاره، ولكن ليس من حق أي أحد أن يتعدى مادياً أو معنوياً على قناعات الآخرين ومقدساتهم.

إن ضبط العلاقة بين المختلفين مذهبياً في الدائرة الإسلامية، لا يمكن أن تعتمد على المواعظ الأخلاقية فحسب، وإنما هي بحاجة إلى منظومة قانونية متكاملة، تجرم أي تعد على مقدسات أي طرف من الأطراف.

من الضروري لكل الدول التي تدير مجتمعات متعددة ومتنوعة، أن تتعالى على انقسامات مجتمعها، وألا تكون طرفاً في عمليات الانقسام الديني أو المذهبي، ومن حق أي فرد في الدولة أن يلتزم قناعات مدرسة أو مذهب، ولكن من الضروري ألا يستخدم موقعه في الدولة لفرض قناعاته على الآخرين، فالدولة للجميع، ومن حق الجميع أن يحظى بمعاملة متساوية في الحقوق والواجبات.

إننا ندعو كل العلماء والدعاة والخطباء من كل الطوائف الإسلامية، إلى التعامل مع ملف وحدة المسلمين ومنع فرقتهم وتشتتهم، بوصفها من المبادئ الإسلامية الأصيلة، التي تتطلب جهودا متواصلة لتعزيزها وتعميقها في الواقع الإسلامي المعاصر.

لا يصح بأي شكل من الأشكال، أن يتم التعامل مع هذه القيمة الإسلامية الكبرى، بمقاييس الربح أو الخسارة أو المصلحة السياسية الآنية.

آن الأوان للجميع أن يصدع بضرورة التفاهم ووحدة المسلمين وأهل القبلة الواحدة، وأن المشاكل أو المؤاخذات المتبادلة ينبغي أن تحترم المتطلبات ومقتضيات الوحدة وتفاهم المسلمين. وإن الطريق إلى ذلك، ليس أن يغادر أحدنا قناعاته، وإنما صيانة حرمة وحقوق الجميع المادية والمعنوية، وتنمية المساحات المشتركة، وبناء حقائق التلاقي والتفاهم بين أهل الوطن الواحد، ومنع التعدي على مقدسات بعضنا بعضاً، وإطلاق مبادرات وطنية تستهدف تطوير نظام التعارف المتبادل بين جميع المسلمين بمختلف مدارسهم الفقهية وانتماءاتهم المذهبية.

اضف تعليق