آراء وافكار - مقالات الكتاب

شرعنة الفساد والاختلال البنيوي

اللامبالاة وباء العصر (8)

(ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس، ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون)

الروم 41

من السلوكيات التي تسبب بها اللامبالاة، هي الفساد الذي يعد ظاهرة كبيرة منتشرة في عموم العالم، حيث أصبح الفساد اليوم سلوكا طبيعيا في الكثير من المجتمعات.

الفساد في اللغة يعني العطل، أو التلف أو البطلان، وهو يأتي في مقابل الإصلاح، بمعنى كل شيء لا يصلح فهو فاسد، فأي انحراف يحصل في سلسلة النظام الكوني وقوانينه فسوف يؤدي إلى الفساد، وبالتالي إلى التلف والبطلان والدمار، الكون قائم على التوازن المنبثق من النظام، والفساد هو انحراف عن النظام الكوني، واختلال في التوازن، واذا تم الإدمان على هذا الاختلال من خلال التعايش مع الفساد يصبح طبيعيا ومشرعنا وبنيويا. يقول الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم: (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس، ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون)، الروم 41.

أسباب اختلال التوازن الكوني

هنالك اختلالات في عالم اليوم، وهي كانت موجودة على امتداد التاريخ ولكن بمستويات مختلفة، وما يحدث اليوم هو نتيجة للإتلاف والتعطيل الذي يمارسه البشر في الحياة اليومية، وانتاج الكوارث من خلال عدم الانسجام مع النظام الكوني وقواعده التي تصب في طريق الإصلاح. كما في قانون الجاذبية، فلولا الجاذبية لا يوجد شيء قائم على الأرض ولايبقى حجر على حجر، فالجاذبية هي التي تؤدي إلى التماسك في الكرة الأرضية من الناحية الفيزيائية والمادية.

فكل الأشياء مرتبطة بقوانين الكون وإذا لم تسِر بطريقة صحيحة، فإنها سوف تنحرف، وهذا الانحراف يؤدي إلى حالة اختلال في التوازن الكوني، ومن ثم انتاج مشكلات، أزمات، كوارث، كما في الكوارث البيئية، والفساد الاقتصادي، والفساد السياسي، وانتشار العصابات والمخدرات، والكثير من المساوئ، كالنظام المروري القائم على عملية الالتزام بالقوانين، فأي خروج على هذا النظام سوف يؤدي إلى حوادث مهلكة.

فالفساد هو انحراف عن النظام الكوني، وهناك مصاديق كثيرة للفساد، منها الرشوة وغسيل الأموال، وعمليات التهريب، ومصاديق أخرى حسب تعامل الدول والمجتمعات مع اشكال التداول المالي والاقتصادي والاجتماعي، أو إساءة النفوذ السياسي، أو الغش في السلع والتلاعب بها واحتكارها، حتى في عالم البورصات هناك عمليات احتيال وفساد تتم تحت غطاء قانوني.

خطورة التعايش مع الفساد

الفساد شرعنته هو نتيجة لحالة التعايش معه، مما يجعله حالة طبيعية، وعندما يسيطر الطمع والجشع على الإنسان وحب الدنيا والتكالب على المال، فإنه لا يشعر بحجم الكارثة التي يصنعها ويمارسها بنفسه، وكما ورد في الآية القرآنية: (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس...)، فما يحدث خارج إطار النظام الكوني هو اكتساب بشري له نتائج وخيمة، بسبب التراكم السلوكي للإنسان والمجتمع، كما في قضية الاحتباس الحراري.

الاحتباس الحراري هو نتيجة لانبعاث الغازات من الصناعات والسيارات والوقود مما يتسبب بتلوث الهواء وارتفاع درجات الحرارة والتغير المناخي، فيتسبب بالأعاصير والفيضانات وتكثر وتكاثف الأمطار التي تتسبب بسيول مدمِّرة، كل هذا هو اكتساب من أيدي الناس، بسبب خروجهم على قواعد النظام الكوني، ويرد في الآية الكريمة أيضا (ليذيقهم بعض الذي عملوا)، فإذا أردنا أن نأتي بمثال عن التذوق، هل يستطيع الإنسان أن يتذوّق تفاحة فاسدة عفنة؟، بالتأكيد لا يستطيع، لكن الذي يقوم بذلك أي يأكل ويتذوق التفاحة الفاسدة باستمرار فإنه ينغمس في هذا ويتعوّد عليه، حتى يتقبل الفساد.

هل يمكن للمجتمع أن يشرعن الفساد؟

المشكلة تكمن في أن الإنسان يتعاون في المعاصي، والذنوب والأخطاء، فتتراكم هذه المعاصي حتى تصبح حالة طبيعية لدى الإنسان، أي يتطبَّع بها، يستسيغها، أي يصل معها إلى مرحلة بحيث تصبح شيئا طبيعيا في حياته، فيتعايش وينسجم معها وكأنها هي الأصل وليست الاستثناء.

لذلك فإن المشكلة الكبيرة التي نعاني منها في عالم اليوم، أن الفساد أصبح شرعيا!، وعندما تستمر عملية الاكتساب وتتطور سيصبح الفساد بنيويا في المجتمع، لذلك يصبح الإصلاح صعب ومعقد جدا، وسوف نحتاج إلى أجيال عديدة لكي تتم عملية الإصلاح البنيوي.

فالفساد العميق يستشري في البنية الثقافية والأخلاقية والتربوية، بمعنى أن يتعلم الشخص الفساد منذ نعومة أظفاره متصورا أنه شيء جيد، ولكنه خطأ كبير لا يختلف عن التنشئة على الكذب حتى يصبح متجذرا في سلوكه!!، لذا فإن الاختلال البنيوي في ازمة الفساد تعد من أصعب القضايا حيث تتحول إلى حالة شرعية قانونية في حياة البشر.

النقطة الأساسية في تحوّل الفساد إلى حالة بنيوية مشرعنة داخل البنية التحتية للحياة تقوم على قضية اللامبالاة، لنأت بمثال عن ذلك، عندما يمرض الإنسان، أحيانا لا يبالي بمرضه ولا يذهب للطبيب كي يعالجه، سوف نلاحظ أن مضاعفات هذا المرض تتراكم داخله وهو بدوره يتعايش مع هذا المرض، ولا يعالجه حين لا يبالي بذلك، حتى يصل إلى مرحلة معينة، يتمركز المرض في جسده بقوة بحيث يصعب علاجه.

مراحل اللامبالاة تجاه الفساد

تنبع من عدة عوامل ومراحل:

المرحلة الأولى: السكوت على الفساد، فهذا يسكت، وذاك يسكت، وهؤلاء يسكتون وهكذا، إلى أن يصبح ظاهرة كبيرة داخل المجتمع.

المرحلة الثانية: القبول بالفساد، عندما يتم السكوت تجاه الفساد وينتشر بشكل كبير في المجتمع، تأتي عملية القبول بالأمر الواقع والاستسلام للفساد، هكذا تتسلسل الأحداث تماما كما يهمل الإنسان المرض الذي يصيبه، حيث تحدث عملية تطور في الفساد (بما كسبت أيدي الناس)، أي أن الفساد عملية تراكمية إلى أن تصل إلى مرحلة لا يمكن التخلص منها.

المرحلة الثالثة: المشاركة، بعد القبول بالفساد، تأتي عملية المشاركة في الفساد، لأن الفساد أصبح ظاهرة سلوكية عامة في المجتمع يتعايش معها، إلى أن تصبح حالة طبيعية بالنسبة له.

المرحلة الرابعة، انقلاب المفهوم من الفساد إلى عكسه، أي أنه يصبح ليس فسادا، ويحدث ذلك عندما تتغير المفاهيم عند الناس بسبب استمرار الإرث السلوكي الخاطئ عبر القرون، فيستمر الخطأ حتى يصبح عرفا اجتماعيا، ويصبح حقيقة مطلقة عند الناس، لذلك يُنظَر إلى بعض حالات الفساد بأنها ليست فسادا، وهي في الواقع فساد فعلا.

نضرب مثالا عن ذلك، الربا مثلا، أصبح اليوم تعاملا طبيعيا في الاقتصاد العالمي وخصوصا في البنوك، والناس يتعاملون بالربا، سواء بالأخذ أو الاعطاء، وهذا من أسوأ أشكال الفساد، لأن الربا هو السبب الأول في الأزمات الاقتصادية والمالية، وهناك كثير من الدول تم تدميرها بسبب الربا، مثلا الأزمة المالية التي حصلت في 2008 وآثارها موجودة حتى الآن، وهي في حقيقتها أزمة ربوية يطلقون عليها ازمة الائتمان العقاري، ولكن بعض الاقتصاديين يعتبرون الربا مقدسا ومحورا وجوديا لعلم الاقتصاد، لكنه في واقع الامر فساد خطير وهم يعرفون ذلك، لكنهم لايهتمون لما يخلقه الربا من أزمات خطيرة لان الأرباح هي الأهم لهم بشكل مطلق.

كذلك الأمر بالنسبة للخمر فإنه يتسبب بخسائر هائلة جدا لاسيما من الناحية الجسدية والصحية حيث يؤدي إلى أمراض الكبد والسرطان وغيرها الكثير، بالإضافة إلى الأمراض النفسية حيث يتصور شارب الخمر بأنه يعيش حالة إشباع، لكن هذا لا يتحقق لأن القضية كاذبة والاشباع غير حقيقي، وحين يصحو من السكر يصطدم بالواقع ويواجه مشاكل أسرية واجتماعية كثيرة، بالإضافة إلى الضرر في النظام العام بما يتسببه من حوادث مرورية هائلة مهلكة، ومع أن الخمر امر فاسد مفسد لكنه أصبح أمرا واقعا في حياة الكثير من المجتمعات.

النظام الفاسد: نظام المصالح فوق الاخلاق والمبادئ

هناك بعض المجتمعات تنظر للكذب والظلم والغش والخيانة واللصوصية على انها أمر طبيعي، بل يعتبرون الانحراف الجنسي حرية جسدية، وانه حق للإنسان حسب نظرتهم، وحيئنذ يتحول ذلك إلى أيديولوجية وقانون مشرعن!!

الفساد اليوم تحول إلى نظام (سيستم)، ولهذا من الصعب أن يتغيّر، لأن هذه السلوكيات والأفكار حُفِرَت في داخل هذا النظام الذي يتجاوز القيم الفطرية الكونية والعقلية ويصبح فوقها، يقومون مثلا بتفجير قنبلة نووية ويقولون إن مصالحنا تشرعن استخدام الاسلحة النووية، أو نبيع أسلحة تقتل مئات الآلاف من البشر وهذا من التجارة، وينطبق هذا على بيعهم الخمور والمخدرات ويتم تبويبها ضمن المصالح التجارية المشروعة!، لذلك أصبح هذا النظام فاسدا في عمقه.

توطين الفساد

يقول الله سبحانه وتعالى: (ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين) هود (85).

الكون قائم على العدالة والإنصاف، وهذا التوازن الكوني هو انبثاق من العدل الالهي، لذلك فإن الفساد عكس الميزان والعدالة، ومفردة (لا تعثوا) معناها قمة الفساد وتوطينه بقوة وجعله نظاما قائما، يبقى ثابتا في المجتمعات، لذا نلاحظ البشرية تعيش في حالة من البؤس والتفاوت والفقر والطبقية، بسبب استغلال الناس للفساد كي يسيطروا ويهيمنوا على كل شيء ويربحوا كل شيء. وعن الإمام علي (عليه السلام) من كتاب له لما استخلف إلى أمراء الأجناد: (أما بعد! فإنما أهلك من كان قبلكم أنهم منعوا الناس الحق فاشتروه، وأخذوهم بالباطل فاقتدوه).

دور الطمع والجشع في شرعنة الفساد

ان الطمع والجشع سبب أساسي في تقوية بنية الفساد، وحين يصبح الطمع مستحكما في الإنسان يصبح حريصا، فللطمع مراحل، حيث يبدأ الإنسان بالإعجاب بالأشياء، ثم يطمع بالمال والأشياء الدنيوية الكثيرة، ثم بالمنصب والسلطة وهكذا يتطور الطمع تدريجيا حتى يصبح حرصا، وإذا أصبح الطمع حرصا فإن صاحبه سوف يصبح مريضا يتكالب على الدنيا بأية طريقة كانت، والسبب أن مرض الطمع قد استوطن داخل الإنسان فأصبح مريضا بالحرص ويصبح الفساد لديه غاية مهما كان ثمن ذلك.

وقد يلجأ إلى القتل، والنهب، والسلب، المهم لديه أن يصل إلى المطلوب الذي يريده، يقول رسول الله (صلى الله عليه وآله): (إياك واستشعار الطمع، فإنه يشوب القلب شدة الحرص، ويختم على القلوب بطبائع حب الدنيا، وهو مفتاح كل سيئة، ورأس كل خطيئة، وسبب إحباط كل حسنة)، وقد قلنا سابقا أن القلب عبارة عن وعاء، قد يُملَأ بالأشياء الجيدة أو نقيضها، فإذا بدأ الإنسان يستشعر الطمع في قلبه، تكون هذه بداية لتراكمه وصولا الى شدة الحرص، حيث يصبح قلب الشخص مظلما يقوده نحو مختلف اشكال السيئات.

من الأعراض السيئة في بعض المجتمعات، هو التفكير السيّئ بالحصول على المال بأية طريقة، وهناك من يردد المثال الشعبي القائل: (السبع اللي يعبي بالسلّة ركي)، ومعنى هذا انه ليس مهما كيف يحصل على المال، المهم هو أن يحصل عليه بأي وسيلة كانت!، وهناك آباء يعلمون أبناءهم على الطمع والأب نفسه سوف يكون أحد الأيام ضحية ما علمه لابنه.

تأثير الفايروسات الأخلاقية

إذا اطلعنا الآن على قصص تدور في المجتمع في هذا المجال، سوف نكتشف كيف يدمر الطمع عوائل كاملة، بعد أن يدمر الإنسان، حيث الابن لا يحترم أباه، بل سوف يسحقه، والسبب هو حالة الطمع التي تربّى عليها، فيسحق أخاه أيضا ويسحق الآخرين، لنصل إلى نتيجة كارثية تصيب المجتمع كله.

لذلك فإن الفايروسات الأخلاقية أسوأ من الفايروسات التي تصيب جسم الإنسان، لأن فايروس الجسم له لقاح وعلاج ومكافحة تحد من أضراره ويمكن مواجهته، لكن الفايروس الأخلاقي معالجته صعبة جدا، حيث يتطبّع الإنسان على ذلك ويتحول الباطل حقّا والحق باطلا، وهناك أمثلة كثيرة على هذه الحالة في المجتمع، فالأهم للطماع أن يربح، لكن (الطمع أعمى)، ويجعل من صاحبه أعمى يعميه حبّ الدنيا، لذلك ورد في الحديث أعلاه (ويختم على القلوب)، أي يتم غلق القلب وختمه على حب الدنيا.

وعن الإمام علي (عليه السلام) يقول: (من لم ينزه نفسه عن دناءة المطامع فقد أذل نفسه، وهو في الآخرة أذل وأخزى)، فالطماع ذليل لأنه عبد لمطامعه وأمواله وغاياته، فيكون بلا قيمة أمام الناس، في حين أن الإنسان يُقيَّم بعقله وشرفه وعلمه وبمكارم الأخلاق التي يتحلى بها، أي أنه يمتلك مكانة وقيمة عند الناس، وليس هناك إنسان يُقيَّم ببخله وحرصه وطمعه وحبه المطلق للدنيا، مثل هؤلاء لا قيمة لهم عند الآخرين. عبد المطامع يكون ذليلا ويسيطر عليه العار، فهو في الدنيا أصابه الذل والخزي، وفي الآخرة يكون (أذلّ وأخزى)، والإنسان يستطيع أن يخفي بعض الأشياء والمواقف، لكنه لا يستطيع ذلك في الأخرى فكل شيء سوف ينكشف.

استشعار الطمع يقضي على العقل

يقول الإمام علي (عليه السلام): (أكثر مصارع العقول تحت بروق المطامع)، فالطمع يقضي على عقل الإنسان فيصبح حالة حيوانية غرائزية مطلقة تسيطر عليها الشهوات والاهواء والنزوات.

في حين أن العقل يمنع الإنسان من أن يُقْدِم على أشياء كارثية، وغير صالحة، لأن العقل هو نور وطريق للهداية والإرشاد بطريقة فطرية، لذلك فإن الإنسان الذي يستشعر الطمع في قلبه سوف يقضي على عقله ويغلق باب الاهتداء، لذلك فان الفساد عندما يصبح حالة طبيعية، فهذا يدل على انسداد العقل وتحول الانحراف الى حالة طبيعية. ومع علمهم أن هذا الانحراف هو تدمير للبشرية ومع ذلك يصرون عليه، لأن العقل غائب ودخل في حالة سكوت وسكون وسبات.

انغلاق العقل وغياب التفكير الصالح وضياع الحكمة وتبديد المعرفة الحقيقية والقيم الفطرية، هذا كله حدث في ظل الصراعات الاستعمارية، فالحرب العالمية الاولى والثانية خلفتا اكثر من 100 مليون ضحية، كل هذا بسبب الأطماع الاستعمارية على أراضٍ وثروات، فاندلعت الحروب بشكل هائل، لأن العقل غاب غيابا مطلقا بسبب اللهاث والطمع وحب السيطرة والهيمنة، لكنهم لم يحصدوا غير الدمار والكوارث.

(ما أكثر العبر، وأقل الاعتبار) كما يقول مولانا وسيدنا الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، العبر كثيرة لكن الطمّاعين لا يعتبرون، فالعراق اليوم يعد من الدول التي ينتشر فيها الفساد السياسي والاقتصادي والمالي والإداري، فالنظام السابق بطمعه واستبداده دخل في حروب من أجل الهيمنة، في حين كان العراق من أغنى البلدان من حيث الثروة النفطية. فالعراق يحتل المركز الخامس عالميا من حيث الاحتياطي النفطي، ويبلغ احتياط النفط العراقي حوالي 10.7% من إجمالي الاحتياطي العالمي، وفي احتياطات الغاز هو السابع عالميا، إضافة إلى الثروات الأخرى الكبيرة، لكننا نلاحظ العراق بلدا مدمَّرا بسبب طمع حكامه، فالمهم هو الحصول على المنصب بأية طريقة كانت، أو أن يكون منتصرا في الحرب، أو البطل والقائد الكبير الضرورة او الاستيلاء على الوزارات كغنائم. فالبلد الصالح يحتاج الى حكام عقلاء يرتقون بها الى سماء العز والاستقلال كما ذكرنا في الحديث (من لم ينزه نفسه عن دناءة المطامع فقد أذل نفسه...)، ففي النزاهة صلاح وإصلاح وطريق للحياة الجيدة والنظام الصحيح في الحياة.

ان الطماع الجَشِع الذي يمارس جميع الأساليب غير المشروعة كي يصل إلى المنصب، لن ينجح في حياته ولن يستفيد في الحقيقة، ولو أنه سيستفيد لاستفاد من جاء قبله من الحكام الظالمين مثل فرعون ونمرود وهتلر وصدام، فلم يحصدوا غير لعنة التاريخ، لذلك فان الطمع طغيان وهلاك للحرث والنسل وتدمير للشعوب.

لذلك يجب أن نضع خطا فاصلا بيننا وبين الطمع، هذا العالم الفظيع من السيئات والانحرافات والمعاصي والذنوب، فإذا لم يضع الإنسان هذا الخط أو الجدار الفاصل بينه وبين الطمع، فإننا سوف ندخل في كوارث لا حصر لها، وقد انهارت الكثير من المجتمعات بسبب حروب اشعلها زعماء فاسدون مستبدون مغرورون طماعون.

انهم مستمرون في عملية انتاج الكوارث من خلال عدم إصلاح الأمور وترميمها، وعدم الانتباه إلى مصائد الطمع والجشع.

الاشباع الوهمي

والعجب إن الإنسان عندما يريد المال والمنصب لا يشبع ولا يضع حدّا أو سقفا لذلك، لأنه مجرد وهم لايحقق الاشباع الحقيقي، فإذا حصل الشخص على مليون، يطمع بالحصول على مليونين، وهو لا يحتاج إلى هذا المال، لكن هناك وهم في داخله يدفعه بهذا الاتجاه، لأن يشعر بالفراغ بسبب الخواء في داخله والذي ينهشه.

الحقيقة الكونية الصادقة تتمثل بامتلاء قلب الإنسان بالخير، لكن عندما يمتلئ بالشر، يعيش في حالة خواء، ولا يكفيه مليون ولا مليونين ولا ثلاثة، فيحاول أن يغطي على خوائه بالسيارات الفارهة، والبيوت الكبيرة والأثاث المترف والحياة الصاخبة، لكن الخواء والفراغ الشديد يبقى في داخله، بحيث يشعر الإنسان أنه لا شيء في داخله، لذلك يحاول أن يغطي هذا النقص، إلى أن يصل إلى النهاية ولا يصل إلى شيء، هذه هي نتيجة الطمع كما قرأنا في الحديث (أكثر مصارع العقول تحت بروق المطامع).

لذلك يجب أن يضع الإنسان في ذهنه، أن لا يأخذه الطمع في حياته، وأن يضع له حدودا واضحة، ويجب أن يشعر ويؤمن في داخله بأن مقولة (حشر مع الناس عيد) خطأ، ولا يجب أن تقول سوف تفوتني الفرص، فالفرص موجودة في داخل نفسك من خلال بنائك لنفسك بطريقة صالحة، لاسيما أبناؤك، أن تربيهم تربية صالحة على النزاهة، لأن الشيء الأهم والأثمن في الحياة هو (النزاهة).

* سلسلة حوارات تبث على قناة المرجعية تحت عنوان (جواهر الأفكار)

اضف تعليق