آراء وافكار - مقالات الكتاب

في ماهية الحرب

السؤال عن السلام يجرنا للكلام عن الحرب وأسبابها وسبل منعها أو على الأقل تأجيلها، فكرة الحرب قديمة، فهي ظاهرة بشرية، متغيرة الأساليب والوسائل، ومتنوعة الأهداف والغايات. ماهية الحروب ببساطة تعني الاندفاع نحو القوة والتدمير، إنها الرغبة في السيطرة على الآخر وإرغامه على الاستسلام والتبعية، الرغبة في التوسع الجغرافي والسيطرة على الموارد الطبيعية، الهوس بالقوة والقدرة على الفعل.

أما حماية البشرية من لعنة الحروب فهو شعور نبيل، وغاية في الصعوبة والتعقيد لأن الحرب قدر الإنسانية، ولنا في التاريخ حقائق وشواهد مادية، أن الحروب في غالب الأحيان تكون مفروضة من الطرف الآخر، بل الحرب أشكال، منها النفسية والحضارية والالكترونية والبيولوجية والحرب الشاملة، أسبابها صراعات على الموارد والخيرات الطبيعية، نار تؤججها أسباب قومية وعرقية ودينية، إنها تصفية الحساب واستقواء على الآخر، نزوع نحو التوسع والهيمنة، فلا يمكن تجنبها، بل يمكن تأجيلها لمصلحة الآخرين كمال قال بذلك ميكيافيلي.

فالحقيقة أن التاريخ شاهد على التدمير ونزعة الإنسان نحو القوة. الحرب ليست غاية، ولو ادعى الآخر أنها الحل المناسب للسلام، في الأفق هناك حلولا عملية تتعلق بالضغط والإرغام، وما يتعلق بالعقوبات، وسياسة النبذ والاحتواء إذا كان في الأمر ضرورة لإرساء السلم العالمي، وضرورة شل قدرات من ينسف التعايش، ويهدد الحياة الطبيعية للإنسان.

الحرب التي يرغب فيها بعض أمراء الحرب، الذين يرفعون شعارات من قبيل: الهوية والوحدة، والمجابهة وصد العدو الخارجي أي الذين يزرعون الرعب والخوف في نفوس الناس لما يعتبرونه تقوية الجبهة الداخلية والزيادة في الشعور الوطني، غالبا ما يعلبون على التحريض والتوجيه وتحسيس الشعوب بالخطر الخارجي. هناك تنامي القوة المادية للآخر الذي يخيف القوى المهيمنة على السلطة أو الأنظمة المناوئة.

يجب البحث عن القوة الملزمة لكل القوى الراغبة في السيطرة على العالم بالقانون الدولي أو إقامة الحجة التاريخية، عندما تنحرف بعض القوى المتصارعة عن خطوط الحرب المشروعة، عندما يكون التناقض صريحا بين الخطاب القائم على السلم والنزوع للقوة من منطلق الفكرة الميكيافيلية "الغاية تبرر الوسيلة"، إنها أقنعة السياسة عندما تسقط في زيف ما يدعيه القوي أمام صلابة الضعيف، وأمام تنامي الرفض للهيمنة والحروب، ضمير العالم تلك الجماهير الواسعة المدافعة عن حق الشعوب في ثروتها وسيادتها على وطنها، ومن هنا تتعالى أصوات التنديد، ونداء الحقيقة للعودة للحياة الطبيعية بدون سياسة الإرغام.

الحروب تحول الشعوب إلى أعداء، العدو الحقيقي أو المصطنع، العدو القابع في الوعي والمستبطن في اللاوعي، أمثلة كثيرة من التاريخ العالمي، الحرب بين أثينا واسبرطة، والخوف المتزايدة من تصاعد قوة الأثينيين، الذين عملوا على تغيير الأشياء داخليا، بفضل السلطة الجديدة المتمثلة في النظام الديمقراطي. يكمن سر تفوقهم في التجارة والفنون والفلسفة، وإقبال الناس بحرية على تعلم الأشياء بفضل حكمة "بركليس" والذين يديرون المدينة، في مقابل ما كان يسود اسبرطة من نظام عسكري وحالة التأهب الدائم للحروب. عالمين متناقضين، ونظامين مختلفين.

حالة الاستنفار التي تسود الجيوش قبل المعارك يطبعها دائما الاستعداد القبلي للمعارك والحسم في نتائجها. الحرب هنا كما بين أرسطو ليست سوى وسيلة للكسب، ولو تيقن الفيلسوف من قدرة الاسكندر على السلم وصناعة السلام، ولو على الأقل بالهدنة الطويلة مع باقي العالم خصوصا الشرق، لكان الأمر ايجابيا للعدول عن الغزو والحرب، لما اندفع الاسكندر نحو عالم الحروب المتتالية، كذلك الفيلسوف الروماني "سينيكا" بدوره الذي أشرف على تربية "نيرون" وتعليمه وإعداده ليكون زعيما سياسيا. لم يستطع الفيلسوف الصمود على تنامي جرائم نيرون وقتله لأمه ولأبناء شعبه. ولم يسلم الفيلسوف من جبروته حتى كانت نهايته مأساوية، وليعلم الناس أن فكرة تطبيع الفرد الحاكم مع ذاته، ومع السلام الداخلي والخارجي مسألة غير مأمولة النتائج، ما يرغب فيه المفكر لا يستهوي أحيانا رجل السياسة، مما يجعل من الحروب عواملها مركبة، ودوافعها نفسية واجتماعية وثقافية.

إن الحق والقوة يسيران على النقيض، كذلك العدالة والجور، الصراع عندما يتم عقلنته تحت دعائم الحاجة للسلام يكون الفعل هنا مناسبا ومتطابقا للحياة الطبيعية التي يرغب الإنسان فيها، قرار الحرب صعب، وغالبا ما تُفرض على الشعوب والأمم. يبدأ السلام من الفرد وسكينته، من نوازع الإنسان وتوازنه النفسي والفكري، ضرورة التحرر من الخوف والعنف يولد في الفرد الرغبة في بناء المجتمع على السلام، الذي يعني التعايش بدون نزاعات وصراعات قتالية، سلام الإنسان مع ذاته، ومع الطبيعة والآخر، القوي عندما يفعل ما يريد وفق الحرية المطلقة أو بناء على الحق الطبيعي المطلق، هنا تأتي الحروب وتسود القوة، هذا النوع من الصراع أفرد فيه الفيلسوف الانجليزي "توماس هوبز" بالوصف والتحليل. الحرب حسب هوبز حصيلة الاستعداد والقتال المباشر. الحرب الشاملة أو حرب الكل ضد الكل في ظل هيمنة حالة الطبيعة، وفي واقع الغياب الكلي أو الجزئي للدولة المهيمنة.

الإنسان الطبيعي صنع رجلا اصطناعيا وهو ما يسميه الدولة، هذا التنظيم المحكم القاهر للنزوات الفردية والمهيمن على الحياة السياسية والاجتماعية السبيل الوحيد للخروج من نفق الحروب، ومن ضيق العدالة وسيادة الحرية المطلقة نحو المجتمع المنظم في إطار المؤسسات والقوانين الوضعية، المجتمع الضامن للسلام والأمن، ولكل الممتلكات والحريات، قيمة هذا النوع من التجمع السياسي أساسه العقد الاجتماعي بين الحاكم والشعب، يكتمل بتفويض صلاحية الحكم والحماية للحاكم القوي دو السلطة المطلقة.

مزايا السياسة والحكم هنا تدبير للشأن العام، وضمان السلم للجميع تحت مظلة السلطة المطلقة. لو نظرنا في خلفية الفكرة لوجدناها نابعة من الميل الشديد للملكية المطلقة في انجلترا القرن السابع عشر، ودون الدخول في صلب الفكر التعاقدي وملامح العصر الحديث والثورة السياسية والعلمية، هناك من الفلاسفة من طرح صيغة أخرى للسلام في إطار مشروع للسلام الدائم، جوهر الفكرة تلك الوحدة بين المعرفي والأخلاقي، بين الذاتي والموضوعي.

تأملات الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط في مشروع السلام الدائم وليد عصر من الصراعات والانقسام داخل أوروبا، مشروع فلسفي يعيد الاعتبار للكرامة ويرسي أبعادا إيجابية للعلاقات الإنسانية بطابع أخلاقي، نقلة نوعية في التفكير من منطلق سلاح النقد البناء ليعيد الفيلسوف رسم الممكن في بناء صرح للمعرفة، يعني مشروع بناء الفرد أولا في بعده المعرفي والأخلاقي، وفي محاولة منه لإرساء مفهوم السلم العالمي بعيدا عن لغة الحروب، جاء كتابه "مشروع السلام الدائم " للتفكير في المبادئ والبنود التي ترسي السلام العالمي، إسهام من الفيلسوف اتجاه الإنسانية جمعاء للكف عن الحرب والعداء، ورغبة منه في محاولة للفهم والبناء.

الحرب كما قال وسيلة سيئة لأنها تخلق من الأشرار أكثر مما تزيل، وسيلة رديئة تبيح لطرف ما استعمال كل الأساليب المتاحة لإنهاك الجنس البشري والتعجيل بإبادته، تحول الشعوب إلى أعداء، تسمم أجواء الثقة المتبادلة، ولو كانت في نتائجها أحيانا ما يجعلها تقدم بدائل وحلولا للناس. صيغة الكتاب جاءت في شكل نواهي وممكنات مفيدة للسلام، من الأعمال العدائية والعدوانية، والهيمنة على الدول واستعمارها، والتدخل في شؤونها تحت ذريعة القروض أو أشياء أخرى.

قيمة السلام الأبدي والدائم يتجاوز ما هو مكتوب إلى ترسيخ الفكرة في العقول، وتخلي الدول عن الجيوش. فالقوة لا تخلق الحق كما قال جون جاك روسو، والنظام الجمهوري هو المناسب للشعوب في حماية الحريات وصيانة الحق، مبدأ التشريع والعمل طبقا للقانون الأخلاقي كما كان ينادي دائما كانط، مصدر التشريع الإرادة العاقلة. نظرة الفيلسوف رحبة، وفكرة تتسع لكل من يرغب في سلام مديد، والزمن كفيل للتأمل في أهداف الفلاسفة، من عالم بدون حروب أو عالم بدون اعتداء.

دوافع الفلاسفة والمثقفين والخبراء في مجال الشأن السياسي، من ذوي الفكر البعيد المدى، أن يتلمسوا خطوات عقلانية نحو إقامة مجتمعات فاضلة، وعدالة حقيقية، من الذين يعملون على إيقاظ شعلة من الوعي وصحوة الضمير الأخلاقي للكشف عن زيف الخطاب التحريضي، والفكر الموجه بالبعد الأيديولوجي والمصالح الأحادية، الفكر الموجه للحروب التي غالبا ما تكون دوافعها اقتصادية، لكنها مكلفة للشعوب والتنمية خصوصا في واقع الحروب الكونية.

منطلق الكثير منهم إرساء ثقافة اللاعنف. ضد ما نسمع اليوم عن السلام الهش أو السلام المسلح كاستعداد دائم نحو الحرب، وما يقال عن نهاية الحرب الباردة، ونهاية الحرب على الإرهاب، ومحاصرة الدول المارقة، والقوى المتربصة بالعالم الحر. كلها مواقف سياسية مغلفة بالعداء السافر، أفكار جاهزة تنم عن حدود المصالح وتباين الرؤى والأهداف، دوافع تزيد في شرارة العداء والاحتقان. تتفاقم الحروب هنا وتشتعل كالبراكين وتخمد، أسابها معروفة ونتائجها تكون أحيانا محسومة، تحركها أطراف وتحددها مصالح خاصة بالشركات العملاقة، أو أيديولوجيات الدول الداعمة، وتجار الأسلحة.

ففي مناظرة بين العالم ألبرت اينشتاين وعالم النفس سيغموند فرويد بعنوان لماذا الحرب؟ بدعم من عصبة الأمم واللجنة الدولية للتعاون الفكري. حاول اينشتاين البحث عن الأسباب الظاهرة والكامنة للحرب. صيغة التحري من خلال سؤال فلسفي لماذا الحرب؟ بحيث يحمل السؤال أجوبة مركبة ومتداخلة لعل سبل العلاج توجد في رؤية عالم النفس لما يحمله الفرد من عوالم خفية ومجهولة هي المحرك للفعل والسلوك العدواني، الجزء الحيواني في الإنسان غالبا ما ينفلت من الجزء العاقل، تتحرر الغرائز التذميرية، تقل صلابة الأنا أو تتضخم، يندفع الإنسان نحو التدمير والفتك في غياب التوازن النفسي بين الضمير الأخلاقي والغرائز.

هاجس اينشتاين أن يطرح الأسئلة على المختصين في مجالات معينة للنقاش والحوار عن أسباب الحروب وطرق علاجها، فكانت بالفعل أجوبة متباينة تستدعي مقاربات مفصلة في ميدان العلم الطبيعي وميدان العلوم الإنسانية، ومعلوم أن فرويد كتب كتابا "أفكار لأزمنة الحرب والموت". فالحرب هدر للدماء، تدوس على القيم الإنسانية والمشاعر الخاصة بالشعوب في صراع لا ينتهي، في الحرب لا أمل للحياة، في الحرب تنتهي أوهام الإنسان عن السلام الدائم، يشعر الإنسان بالوجع والنهاية الحتمية في كل لحظة.

طور البشر من أدوات الموت، بدأ عصر التفوق الفكري يحل محل التفوق الجسدي، والدوافع هنا بالفعل مركبة لأن الإنسان يحتوي على غريزتين : غريزة الموت والتدمير وغريزة الحياة، والصراع بينهما يدفعنا للقول بحتمية التوازن، أما في حالة طغيان القوى اللاعقلية، فهذا يندر دائما بالحرب والتدمير، لذلك نجد فرويد يعلي من الغرائز، ومن العامل الجنسي في الحفاظ على حيوية الإنسان، وتحويل القوة التدميرية إلى نشاط ولذة، أما الحرب فإنها تضع نهاية للحياة الإنسانية المفعمة بالأمل. ولو استطاعت البشرية الآن تحويل الحرب والقتال من ميادين القتال إلى مغامرات ومنافسات في مجالات مختلفة لكان أفضل الطرق للتخلص من الحروب.

مغامرات الناس محسوبة النتائج، والسلام العالمي تصنعه الشعوب، ويقوم على المصالح المشتركة الدائمة، أما النزوع نحو القوة والعنف لن يزيد العالم سوى تراجعا وأفولا، ولنا في صعود الحضارات وتراجعها خير مثال على أن القوة المادية وحدها لا تصنع فلسفة للسلام، هذه الفلسفة تهتم بالتنمية البشرية، وتقليص الفوارق الطبقية، تستند على التوزيع العادل للثروات العالمية، فلسفة قائمة على مشروع للسلام الدائم، وليس على التسامح وفكرة التعايش والاختلاف.

إنها المبادئ التي يمثلها الفكر السليم، ويرغب في ترسيخها كمبادئ عامة لدى مختلف المنظمات الدولية العاملة في مراقبة الفاعل السياسي، من الممكن دائما تفعيل قوة المنظمات الدولية العالمية بعيدا عن هيمنة الأيديولوجي والفكر الأحادي لإرساء فكرة السلام ونبذ سياسة الحروب، منظمات تساير إيقاع الفكر التصالحي بدل الحروب بأنواعها: التأديبية، حرب الإبادة، والحروب الأهلية، والحروب الإستباقية. هناك الحرب على الاستبداد والتسلط، والحروب المستمرة على الفقر والهشاشة، والحرب على الأفكار الميالة لزرع الشقاق، والتحريض على إشعال الحروب والقتل على الهوية. فالرومان كانوا يبادرون إلى تطويق الحروب، يزيلونها حتى لا تشتعل وتعم، عندها يستعملون القوة العسكرية.

أضحى العالم اليوم قاب قوسين أو أدنى من الحرب الضارية، تشتعل الحروب الصغرى في أماكن معينة من العالم، مدتها قصيرة أو طويلة نوعا ما، تخمد هنا، وتبدأ في أمكنة أخرى، تنهك قدرات الشعوب، وترسي الفكرة النهائية أن الحروب لا تأتي بالنتائج الحسنة التي يعتقد البعض أنها عملية ومفيدة إلا بعد دمار شامل وكدمات لا تنمحي. ظل العالم يعج بالصراعات والحروب، كالحرب في إثيوبيا والحرب في العراق وسوريا، والحرب في اليمن وليبيا، والحرب في البوسنة والهرسك والبلقان، والحرب في لبنان والسودان، وحرب الفيتنام وكوريا وسريلانكا والفلبين... حروب انتهت وأخرى لازالت تراوح ذاتها بحثا عن حلول عملية ونهائية تسفر عن توافق أطراف الصراع، ويعود الناس للحياة الطبيعية بدون عداء وتدمير للطاقات والخيرات، هناك حروب بقيت رواسبها حاضرة، وهناك تكهنات باشتعال أخرى، الحرب الباردة والحرب على ما يسمى الإرهاب، وبوادر الحروب القادمة بين روسيا أوكرانيا، وبين أذربيجان وأرمينيا، والحرب المرتقبة بين أمريكا والصين، وما يمثله التهديد النووي، وبالعودة للماضي، هناك الحروب الاستعمارية، وحروب نابليون، وحروب الدولة العثمانية، والحروب الصليبية، وحروب الرومان، والحرب البلوبونيزية، والحرب بين الفرس واليونان.

يبدو أن الحرب والقتال غريزة متأصلة في الطبيعة الإنسانية، ماهية الحرب لا تحتاج للتعريف، إنها اندفاع وصراع مرير لا ينتهي في واقع هش تعلو فيه المصالح الأحادية وصراع الهويات. ولن يكون القرن الواحد والعشرون بمعزل عن الحروب والصراعات طالما أننا غير متصالحين مع الذات والطبيعة، وأن القوى الكبرى لا ترغب في تقاسم الخيرات الطبيعية، ويبقى هاجس الهيمنة والتفوق قابعا في العقول والمخططات الدولية، ولعل شكل الحروب وأساليبها المتطورة عوامل حاسمة في إعادة تشكيل نظام عالمي جديد أو نعود للوراء في انتكاسة للحضارة البشرية التي كانت عصارة من إنتاج الإنسان بناء على التراكم العلمي والمعرفي، والتراكم في الخبرات والتجارب الخاصة بالأمم.

اضف تعليق