تُذكرنا الاحداث الأخيرة التي وقعت في محافظتي ذي قار والنجف الاشرف بمسلسل صراع العروش الأجنبي من تأليف ديفيد بينيوف ودانيال وايز، اذ تقع أحداث المسلسل في قارتين خياليتين هما ويستروس وإيسوس في نهاية صيف طويل جدا امتد لعقد من الزمن، اذ تتصارع سبع عائلات للسيطرة على العرش الحديدي للممالك السبع.

وكما جذب المسلسل اعداد كبيرة من المتابعين على مستوى العالم، فقد حظي موضوع استقالة محافظ ذي قار أحمد غني الخفاجي باهتمام شعبي كبير لاسيما بعد ازدياد الأمور تعقيدا وتطورا، حتى أصيب ثلاثة متظاهرين بجروح جراء إطلاق نار عليهم من قبل القوات الأمنية، بعد اندلاع الاحتجاجات التي عمت المدينة منذ عدة أيام من أجل مطالب معيشية وخدمية وللدفع بإسقاط دعاوى قضائية قدمت ضد العشرات على خلفية مشاركتهم في تظاهرات أكتوبر 2019.

انتهى المسلسل الإنكليزي بمواسمه الأربعة لكن النسخة العراقية لا تزال تُقدم لنا حلقات بموضوعات ومضامين مختلفة، وفي آخر حلقاتها طرحت قضية استقالة محافظ النجف الاشرف لؤي الياسري، بعد زيارة ميدانية لزعيم التيار الصدر السيد مقتدى الصدر، وتوجيهه كلمة للياسري عقب انتشار خبر التخلي عن المنصب قائلا: "هي خطوة تحسب له حفاظاً على مدينة أمير المؤمنين، عليه السلام، وحفاظاً على سمعته".

بعد خمس سنوات أكملها الياسري في إدارة المدينة بالتشارك مع القوى السياسية، وبعد تقاسم خيراتها، وما يحصل هو بعلم الجميع، أتت الساعة التي رأت فيها الجهة الفاعلة في المدينة ان الفرصة مواتية لانهاء هذه الحقبة، وليس غريب ان يحدث مثل هذه الالتفافات في العمل السياسي، لكن هنالك أسئلة كثيرة تدور حول توقيت التحرك الذي قام به السيد الصدر، ولماذا بهذه الفترة تحديدا بالتزامن مع انطلاق شرارة الاحتجاجات مجددا في المدينة الجنوبية؟، هذا ما نبحث عن إجابة له لعل الأيام القادمة تحمل البيّنات.

ليس هي المرة الأولى التي يدخل فيها الصدر على خط التظاهرات وسرقة الأضواء نحوه، ففي تشرين من العام 2019، كان له الكثير من التأثيرات والتحركات، والعديد من الخطوات التصعيدية تارة، والرامية للتهدئة تارة أخرى، ولكن بالمجمل كان له أثرا لا يمكن تجاهله سواء كان بالسلب او بالإيجاب.

تشير الانباء ان ما تم تنصيبه في ذي قار بديلا عن محافظها المستقيل، مقرب من التيار الصدري او محسوب عليهم، وبهذا يكون التحرك الأخير معلوم الأغراض، والاستقالة الأخيرة هي المنفعة الأولى التي حصدها زعيم التيار، ومصوب عينيه نحو منصب محافظ النجف الاشرف ليزيد التحكم بموارد المدينة وزيادة النفوذ فيها.

قدم الصدر نفسه في السنوات القليلة الماضية على انه راعي الإصلاح، وحسّن صورته امام الجماهير كداعية للحق ومحاربة الفساد المستشري في المؤسسات الحكومية، وبهذه الخطوة يحاول رفع نسبة التأييد الشعبي له، وتكوين اعتقاد لدى العامة، بان شرارة الإصلاح الحقيقي قد انطلقت من تياره وسيبقى يلاحق الزمر الفاسدة.

الاحتجاجات في المدن العراقية على الرغم من انتهائها، إلا أن ذي قار لم تشهد استقراراً كغيرها من المحافظات، اذ تنطلق بين فترة وأخرى تظاهرات لتجديد مطالب الاحتجاجات السابقة، أو المطالبة بالتعيينات وفرص العمل والنهوض بالواقع الخدمي، وقد يكون إبقاء هذا الباب مفتوحا؛ لجعله النافذة التي يطل من خلالها الراغبين بالرضا الجماهيري وكسب الوقت.

الحكومة الحالية تعرف حجم تأثير التيار الصدري ومدى تغلغله في المؤسسات الحكومية، ولا تريد فتح جبهة جديدة من الصراع، لاسيما وان رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، لديه رغبة البقاء في تولي الولاية الثانية، وقد يكون تحقيق هذه الرغبة على يد الصدر صاحب الصدارة في عدد المقاعد البرلمانية.

وبطبيعة الحال فان هذا العدد يعبد الطريق امام الصدر للتدخل في العمل الحكومي، ويجعله يمارس أدوار غيره، يدعوا للإقالة، ويصرح بما يريد، وكأنه اخذ بزمام الأمور عوضا عن الجهات الرقابية في البرلمان وغيرها من الجهات المعنية بمحاسبة مرتكبي الأخطاء بحق الشعب.

ظاهرة القفز على الأدوار يبدو انها مستمرة في العراق ولا يمكن إيقافها، لأسباب عدة، منها او أهمها هو ضعف سلطة الدولة، ولا تمتلك الأدوات الكفيلة بإرجاع الحقوق، وهذا يرتبط أيضا بعملية المحاصصة المتوارثة بطريقة إدارة المؤسسات الحكومية، وفي حال إثارة ملف ما من جهة ما، يقابله ردة فعل اقوى من الطرف الآخر وفتح ملفات قد تكون أخطر من الأولى، وبالنتيجة تنتهي بالتسوية وفق مبدأ، (اسكتلي واسكتلك)، وبذلك نكون على موعد انتظار مع حلقة جديدة من مسلسل صراع العروش بالنسخة العراقية.

اضف تعليق