منذ تأسيس جماعة الاخوان المسلمين المصرية في عام 1928، شهد العالم الاسلامي نشوء حركات سياسية اسلامية النظرية والفكر والاهداف، كلها تبشر بمشروع سياسي تعتقد انه الحل الاصلح للازمة الحضارية الاسلامية التي كرسها نجاح المشروع الحضاري الغربي وتغلغل نموذجه السياسي والثقافي والتعليمي والاقتصادي، وتأسيسه لمؤسسات دولة تقوم وفق نظرياته ورؤاه وفهمه لقضايا الانسان والمجتمع والدولة.

على يمين ويسار الاخوان خاضت الحركات الاسلامية السنية والشيعية صراعا سلميا وعنيفا مع السلطات القائمة، كان في تمثلاته صراع نموذجين ونظريتين في الحكم وادارة الدولة والمجتمع ،نظرية قائمة رسختها العلاقات السياسية والنظام الدولي ونفوذ القوى الفاعلة فيه ،ونظرية متحدية لاتملك السلطة وادواتها ،لكنها تملك فكرا وايديولوجية واهدافا وثقة كبيرة بان جزء من المجتمع سيناصرها لان اهدافها نبيلة تنشد الشرعية الاسلامية للحكم والعدالة الاجتماعية للناس والاستقلال الفكري والسياسي، وتناضل ضد التبعية الاقتصادية والفكرية وتتبنى قيم الاسلام ومنظوراته العقدية والفقهية في السياسة والحكم والعلاقات الدولية.

في نهاية العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين، انقلب الحديث عن صعود الاسلام السياسي ونجاحاته ونماذجه الى حديث عن النهايات والتبدلات والتغيرات التي طرات عليه او التي تنتظره، فهناك انقسام بين الباحثين عن مآلات اللحظة السياسية الراهنة بعد خيبات الامل الجماهيرية وضمور الثقة باي نموذج تتحدث عنه الحركات الاسلامية، فباستثناء التجربة الايرانية وخصوصياتها القومية والمذهبية والتاريخية، وسياقها الاجتماعي والسياسي الخاص ،تكون النماذج السياسية للحركات الاسلامية في طور الفحص والمعاينة، بين من يراها تجربة آفلة لن تستطيع استعادة زخمها ولا قدرتها على التبشير بالنموذج النظري الذي كانت تعد به وتدعوا اليه، امثال الفرنسي اوليفيه روا ومواطنه جيل كيبل، وبين من يراها متحولة اضطرارا في بنيتها واهدافها ومتكيفة مع الواقع ومستجداته، ذلك ما رأه الباحث الامريكي -الايراني أصف بيات وطارق رمضان واخرين.

فيما بقي الاسلاميون انفسهم عاجزين عن توصيف احوالهم وتحديد رؤاهم، لكن واقعهم يخبرنا انهم سيتحولون الى مشاركين في السلطات بدافع حراسة القيم الدينية ومقاومة التحولات المتسارعة في ساحات الهيمنة والنفوذ للقوى الفاعلة في المنطقة وابرزها القوة الامريكية.

كان تعثر قوى الاسلام السياسي بسبب مشكلات بنيوية وسياسية واجتماعية ومقاومة مؤسساتية وفشل اداري وتصلب فكري، مدعاة لحمل من يفكر بالسلطة ضمن تنظيرات مضى عليها نصف قرن او اكثر ،ليجدد القراءة ويعيد النظر في الاهداف والشعارات والوسائل، ان قضايا من قبيل التأسيس لشرعية السلطات وفق المنظور الديني أو اسلمة الاقتصاد والمعرفة والثقافة لبناء نموذج اسلامي متفرد، أو استملاك القوة لمواصلة الصراع مع المشروع الغربي والصهيوني، افقدت حركات الاسلام السياسي القوة بعد معارك استنزاف شديدة وجعلتها في خصومة مع الاولويات الاجتماعية خصوصا بعدما بانت هشاشة السلوك السياسي والضياع الكبير بين اولويات نظرية وتحديات واقعية ملحة.

ليست مشكلة الجمهور شرعية الحكم ومن يحكم، بل ان اولوية الناس الحكم الرشيد والرفاه الاقتصادي والاجتماعي والعدالة والحريات والثقة بالمستقبل والعيش بمعايير العالم السائدة، اي خلل يصيب قيمة العدالة والشفافية والتوزيع العادل للثروة والمساواة في الحقوق والواجبات، في مقابل شيوع الفساد وسيطرة الزبائنية وهدر فرص النمو الاقتصادي والثقافي وانحدار الامن الاجتماعي والسياسي هو ما يصيب اي نظام سياسي في مقتل ويجرده من اي شرعية مدعاة، لذلك من يتحدث عن افول الاسلام السياسي يبني رؤاه على نماذج سياسية فشلت واخرى لم تعد قادرة على تجديد خطابها وانعاش صورتها التي تزداد ذبولا.

نحن في العراق نعيش بقايا متبعثرة لما كان يسمى المشروع السياسي الاسلامي، فبعد قرابة العقدين، انتهت تيارات واحزاب هذا المشروع الى التصارع على من يحكم ومن يقود ومن يمتلك الثروة لادامة زخم الشعار ومواصلة معركة الاستحواذ على السلطة بادوات ديمقراطية وغير ديمقراطية مع التغليف بمصطلحات فكرية وسياسية واعلامية تهتز يوميا.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق