آراء وافكار - مقالات الكتاب

توافقي!

لو أحصينا عدد المفردات المتداولة في الفضاء الشعبي العراقي، بقصدية مغايرة لمعناها، لوقفنا على مذبحة الفاظ بحق! فبعض العبارات ذات الدلالة الجميلة أقحمت في (قاموس) التندر الشعبي وتشوّه معناها الأصلي.. خذ مثلا كلمة (ورّق) التي باتت تعني، إدفع رشوة! وغيرها الكثير الذي يجمع بين الطرافة وما يخدش الحياء معا.

وطبيعي إن هذه المفردات تقال بقصد النيل من نظام سياسي او شخصيات معروفة او تستدعيها ظاهرة معينة. في السنين الاخيرة تعاظم عدد هذه المفردات والعبارات بشكل لافت. التوافق، كلمة جميلة لفظا وايحاء، لكن يبدو أنها هي الاخرى على أبواب الدخول في هذا (القاموس)، بوصفها احتيالا على الديمقراطية ووسيلة للإبقاء على الفساد وضياع الدولة.

فبعد الانتخابات الاخيرة ترددت هذه المفردة في وسائل الاعلام المختلفة وبشكل مفرط، عندما وجدنا انفسنا امام مفترق طرق، فإما أن تشكل الحكومة القادمة من قبل الفائزين بأغلبية المقاعد، اي (حكومة اغلبية) وهو ما يحصل في العالم الديمقراطي، لنضع البلاد على سكة الديمقراطية او نقترب منها في الاقل، واما يحصل (توافق) على تشكيلها من جميع الحاصلين على مقاعد وتوزع الحقائب الوزارية بينهم حسب الاوزان، اي (حكومة توافقية) ما يعني أن الانتخابات لم تعد لها ضرورة مستقبلا!

ويعني ايضا أن مفردة التوافق او التوافقية أصبحت تستخدم في غير محلها، فالمقصود هنا حكومة ترضية وتوزيع مغانم بين القوى السياسية مقابل اغضاب الشعب وعدم احترام ارادته، لان العراقيين لا يعيشون في جزيرة معزولة، ويرون في وسائل الاعلام ما يحصل في العالم كله من ائتلافات بين الأحزاب الأولى الفائزة، أو الاول مع بعض الفائزين الآخرين ليؤمن الاغلبية ومن ثم يحصل توافق بينهم على توزيع الحقائب الوزارية وتمضي الحكومة بهذه الصيغة.

اي التوافق الذي يكرس الديمقراطية وفق مبدأ حكومة ومعارضة، خلافا لما يرونه في بلدهم. هذه الثقافة الغريبة ستجعلنا نسمع في المستقبل القريب، أحد العراقيين يصف آخر بأنه محتال ومراوغ فيقول؛ (هذا واحد توافقي)! وستغدو هذه المفردة الجميلة مرادفة للرقم 56، الذي يقال إن مفوضية الانتخابات استبعدته عند سحب قرعة الأرقام للكيانات المرشحة، لسمعته السيئة بين الناس!

اعتقد أن هناك شك في نوايا الطبقة السياسية فهي غير متجانسة ولا تعمل بروحية الفريق الواحد وتغلب مصالحها الخاصة وهذا سبب إرباكات البلاد منذ عام 2003.

الشعب يعرف أنهم اتفقوا على ألا يتفقوا وحتى لو تم الاتفاق فإنه يقوم على صفقات، الشارع العراقي متذمر وغير راضي ويشك في قدرة الطبقة السياسية على نقله إلى الضفة الأخرى، مع ذلك لا يمكن أن نعتبر أن التجربة الديمقراطية في العراق فشلت كما لا يمكن أن نقول إنها نجحت.

أنا شخصيا، عند التغيير، لم أكن واثقا أن القوى التي أتت هي قوى ديمقراطية، أي في تفكيرها غير ديمقراطية بل هي ذات أجهزة تتعارض ونهج الديمقراطية، ثم إن الشعب العراقي مر بظروف صعبة وأزمات عديدة وهذه الطبقة السياسية استخدمت جراح الماضي لتحقيق مكاسب سياسية ولم تأت لتدمل هذه الجروح وهذا ما دفع العراق إلى انقسامات، مع ذلك أقول إن الشعب العراقي صلب وقادر وقوي.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق