ربما يثير الكتابة عن موضوع "التفاؤل" الكثير من التساؤلات في زمن غبار الحروب والجوع والاستبداد. وربما أيضا يثير الاستغراب أو الضحك في ظل غيمة سوداء قاتمة تجتاح الكون والبشر. فما عاد الأمل ينفع كما يرى البعض هذه الأمة التي كتب عليها إن تشم رائحة البارود بدلا من عطر الياسمين، وتتباهى بالقبور بدل المتنزهات الخضراء. أمه مصائب متتابعة، وهزائم متتالية، مصابة بقنوط قاتل، ويأس متأصل. وهي حالة لا ينبغي أن تستمر بالتعاقب والتوارث. عندما يتعلق الأمر بكيفية رؤيتنا للعالم، يقع معظمنا في إحدى فئتين: متفائل أو متشائم. ووفقًا للخبراء، فإن أي فئة تنتمي إليها لها علاقة كبيرة بالتربية البيتية، وهو "منتج من بيئتنا". فإذا كان الجو هادئًا ومحبًا، فإن الأطفال يزدهرون حتى لو كان لديهم ميل فطري نحو القلق. ولكن إذا كانت بيئة المنزل متوترة ومليئة بالخلل الوظيفي، فإن التفاؤل هو أحد أول الأشياء التي يجب التخلص منها.

تشير الدراسات إلى أن التفاؤل يمكن توريثه بنسبة 25 وان هناك عوامل أخرى تؤثر على إيجابيتنا، مثل الوضع الاجتماعي والاقتصادي، والتي غالبًا ما تكون خارجة عن سيطرتنا. لذلك إذا كنت شخصًا تميل إلى رؤية السلبيات في موقف معين، فهناك أمل.

الأمل قوة، ولا يأس مع الحياة. وأصحاب الأمل والتفاؤل ينظرون إلى المستقبل على انه" الفرصة القادمة"، وهو "رحمة لأمتي، ولولا الأمل ما رضعت والدة ولدها، ولاغرس غارس شجرا" كما يقول الرسول الكريم. لذلك كن سعيدا وراضيا عن حياتك، وأنتزع من عقلك الأفكار السلبية، واعلم أن لاشئ يدوم في الحياة وبمنطق المفاهيم، فالتفاؤل مصطلح يشمل مفهومين مترابطين بشكل وثيق: الأول هو الميل إلى الأمل، بينما يشير الثاني بشكل عام إلى الميل إلى الاعتقاد بأننا نعيش في "أفضل ما في العوالم الممكنة". وان التوقعات الإيجابية والسلبية فيما يتعلق بالمستقبل مهمة لفهم قابلية التعرض للاضطرابات النفسية والاجتماعية، لا سيما اضطرابات المزاج.

لقد وجدت الدراسات الحديثة وجود علاقة عكسية بين التفاؤل وأعراض الاكتئاب، وكذلك بين التفاؤل والتفكير الانتحاري. على هذا النحو، يبدو أن للتفاؤل دور معتدل ومهم في الارتباط بين مشاعر فقدان الأمل والتفكير الانتحاري.

ايجاد هدف

بعض الناس متفائلون بطبيعتهم، لكن الكثير منا يتعلم التفاؤل أيضًا. حيث يمكن لأي شخص أن يتعلم كيف يكون متفائلا، لأن الهدف هو إيجاد هدف في العمل والحياة. وكما تقول "ليا فايس"، في جامعة ستانفورد، المتخصصة في اليقظة الذهنية: عندما نعمل بهدف أو نتعايش مع هدف، نشعر بمزيد من الرضا وأفضل استعدادًا لرؤية الكوب نصف ممتلئ التفكير الإيجابي لا يعني أنك تتجاهل ضغوطات الحياة، وإنما تقترب من الصعوبات بطريقة أكثر إنتاجية. حيث يتيح لك بناء رؤية متفائلة للحياة.

بمعنى أن يكون لديك عالم شخصي كامل على الرغم من الظروف المؤسفة. فهو يقلل من مشاعر الحزن والاكتئاب والقلق، ويزيد من عمر الحياة، ويعزز علاقات أقوى مع الآخرين، ويوفر مهارة التأقلم أثناء أوقات الشدة، ويجعلك أفضل في التعامل مع المواقف العصيبة، مما يقلل من الآثار الصحية الضارة للجسد والنفس. لذلك يُظهر العلم أن أولئك الذين لديهم نظرة متفائلة يتمتعون بصحة أفضل للقلب والأوعية الدموية، ونظام مناعة أقوى، ولديهم علاقات أكثر نجاحًا.

تظهر الأبحاث أن الحالة المزاجية الإيجابية ترتبط بمزيد من نشاط الجانب الأيسر من المخ، بينما ترتبط المشاعر السلبية، مثل الغضب أو الاكتئاب، بمزيد من نشاط الجانب الأيمن. لذلك من الأهمية تدريب العقول وبرمجتها لتكون أكثر تفاؤلا، لأن العلم يؤكد بأن التفاؤل يخلق مرونة جسدية وعقلية للأشخاص، حتى أولئك الذين مروا بظروف حياتية صادمة بشكل غير عادي أو مواقف طبية. وقد ثبت أنه في ظل وجود حالات مرضية شديدة، يتكيف المرضى المتفائلون بشكل أفضل مع المواقف العصيبة مقارنة بالمتشائمين، وتنعكس بشكل إيجابي على نوعية حياتهم. بالتجارب والدراسات العلمية، التفاؤل والتشاؤم عقليات، وطرق في التفكير. المتفائلون يرون الجانب الإيجابي للأشياء.

والناس ليسوا متفائلين أو متشائمين دائمًا. ولكن المتفائلين قادرون على التعافي من خيبة الأمل بشكل أفضل من المتشائمين. والسلوك المتفائل يساعدنا على أن نكون أكثر سعادة ونجاحًا وصحة، وأكثر مقاومة للتوتر، والعيش لفترة أطول.

وأفضل شيء في التفاؤل هو أنه يمكنك تعلمه، وتبرمج عقلك عليه، حتى لو كانت نظرتك تميل إلى أن تكون أكثر تشاؤمًا. تعتبر التوقعات الإيجابية والسلبية فيما يتعلق بالمستقبل مهمة لفهم قابلية التعرض للاضطرابات النفسية والاجتماعية، لا سيما اضطرابات المزاج والقلق، فضلاً عن الأمراض الجسدية. حيث تظهر علاقة إيجابية مهمة بين التفاؤل واستراتيجيات المواجهة التي تركز على الدعم الاجتماعي، والتأكيد على الجوانب الإيجابية للمواقف العصيبة، حيث يؤثر التفاؤل بشكل غير مباشر أيضًا على جودة الحياة.

هناك أدلة على أن الأشخاص المتفائلين يقدمون نوعية حياة أعلى مقارنة بمن لديهم مستويات منخفضة من التفاؤل أو حتى المتشائمين. فالتفاؤل يأتي من جودة الأفكار، واحترام الذات، وتقدير الحياة والرضا عنها، واختيار الصديق الإيجابي. فالصعود في الحياة يتطلب الهبوط في كثير من الأحيان، ولكن بشرط الاستفادة من تجربة الصعود. التفاؤل تفكير إيجابي، وهي عادة مكتسبة، واعتقاد ومنهج حياة.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق