ما هو الحد الفاصل بين الخير والشر وهل يمكن للإنسان ان يحددهما بسهولة وبالتالي يختار الخير، او انه يختار الشر لعناصر تتداخل في نفسه وافكاره وأهدافه، ولماذا يختار الأكثر طريق الشر مع انه عاقبته سيئة وطريق مظلم يملأ القلب بالقساوة والظلم والشيطنة؟

العقل بالتأكيد هو الذي يعطي للإنسان القدرة على تحديد الخير والشر، كما ان الفطرة والضمير تفهم ما هو الخير وماهو الشر؟ كما ان نتائج الأفعال والعبر من تجارب الماضين توضح الفرق بينهما.

المشكلة ان الشر يستهوي الكثير نتيجة رؤيتهم السطحية للكوارث التي يتسبب بها، فالطمع والتكبر والحسد والطموحات العمياء تحجب رؤية العقل عن النتائج، ويغطي الضمير عن العتاب الداخلي، ولكن هذا الاستهواء للشر تراكمي واذا انتشر يصبح بنيويا صعب استئصاله. ولذلك فان المعرفة لهذه الشرور والوعي بأساليب تجنبها والتربية العميقة على قيم الخير سيؤدي الى تراكم الخير وفضائله في فضاء مجتمعاتنا.

سيد الحكماء والعقلاء والاوصياء امير المؤمنين الامام علي بن ابي طالب (عليه السلام) يحدد في مجموعة أقواله وحكمه ما هو الشر الذي يقود نحو الظلمات وماهي الكوارث التي يتسبب بها، نتأمل فيها من اجل ان تفتح لنا أبواب الخير وتوصد أبواب الشر:

حيث يقول (عليه السّلام):

(شَرُّ الْأَخْلَاقِ الْكَذِبُ وَالنِّفَاقُ)

حيث تموت القيم التي تحقق للمجتمع توازنه وانسجامه وتماسكه وبالتالي الثقة التي يحتاجها الناس للتعامل الصادق بينهم، ولكن يسقط الافراد وتموت فيهم هويتهم الإنسانية الصالحة بسبب الكذب والنفاق، ويتوحش المجتمع وتسود فيه الفوضى ويفقد الانسان ايمانه بالحياة الصالحة، ويستأسد الأقوياء على الضعفاء ويغيب الانصاف والعدل، فليس هناك شيء صادق يعتمد عليه او يكون معيارا للتفاهم والتعايش والتواصل، فالوجوه متعددة والسلوك ازدواجي والتعامل انفصامي، فكل كذاب منافق وكل منافق كذاب والنفاق يبدأ بالكذب لذلك اصبح الكذب ملك الرذائل.

يتصور الكاذب ان سيتربح بكذبه ولكن حبل الكذب قصير لذلك سيكون أكبر الخاسرين، ويتصور المنافق انه يخدع الناس بتلونه فيتلاعب بهم ولكنهم سيرون لونه الحقيقي ويسقط في جحيم تلاعبه وينكشف لونه الأسود.

الصادقون هم الرابحون لان الكون قائم على الصدق، والواضحون ناجحون فتبتسم الحياة لهم.

(شَرُّ النَّاسِ مَنْ يَرَى أَنَّهُ خَيْرُهُمْ)

النرجسي المتعالي المحب لنفسه يحتقر الآخرين يستغرق في التكبر ويتسافل بالاستبداد فهو نقص دائم لانه لايرى في نفسه نقصا، وشر متطور لانه لايرى في نفسه عيبا، وعار دائما لانه لايرى في سلوكه عار.

يرى نفسه أفضل بماله ولكنه حريص بخيل اناني استئثاري احتكاري، يرى نفسه اعلى من غيره بعلمه فيصبح سجينا لجهله المركب.

يرى نفسه المبدأ المطلق فيسحق كل المبادئ فيطلق شروره وسمومه تجاه الاخرين، انه المتعصب العنصري البائس الذي اختار طريقا سيئا ليثبت ذاته، فلا ينشر الا البؤس والكراهية والحقد والثأر والعنف، لذلك فهو في انحطاط دائم نحو الغرق في مستنقع الشر.

الانسان المتفوق هو الذي كلما علا يزداد تواضعا واحتراما للآخرين، وكلما زاد تواضعا زاد علوا وزاد احترام الناس له.

(شَرُّ الْأُمُورِ الرِّضَا عَنِ النَّفْسِ)

الجامدون الساكنون الراكدون الراكنون في الفناء الخلفي، هم الذين قد رضوا عن أنفسهم فتوقف التقدم في حياتهم، الذين رضوا بعملهم واستحسنوه لأنفسهم رضوا بان يصبح متضائلا، رضوا بتوقف عقارب الساعة عندهم فأصبحوا بلا زمن، والحياة لن ترحم الذين توقف زمنهم، فالإنسان في سباق مع الزمان والرضا الموهوم يجعله خاسرا، لذا يتحول الى شر لأنه يصبح جامدا والاشرار هم الذين يريدون ان تصبح الأمور راكدة فيستربحوا ويتسلطوا ويستعبدوا.

الرضا عن النفس تخلف مطلق وفشل دائم ومراجعة العمل طريق للتقدم وسير نحو النجاح.

(شَرُّ الْأَفْعَالِ مَا جَلَبَ الْآثَامَ)

كل فعل لايخرج من دائرة كونه خير او شر، ولايخرج من كونه صالح او طالح، ولاتبرر الغاية الوسيلة، حيث لايطاع الله من حيث يعصى، فليس الفعل خير ان سلك طريق الشر.

وهؤلاء الذين يعتقدون انهم يصلون الى الخير بالمعاصي والآثام هم واهمون او انتهازيون فيسقطون عاجلا في نتائج افعالهم، خصوصا أولئك يرون في السلطة قوة ونجاحا مهما كانت الوسائل، او المشتغلون بالمال ربحا واستثمارا مهما كانت طرقهم.

ومن يرى في الملذات طريقا للمرح مهما كانت انحرافاتها، ستكون النتائج وخيمة لان الآثام تقود نحو الشر والبؤس، الم يصاب الملتذون بالزنا بأمراض دمرت حياتهم، والغارقون في السكر كيف سلب الخمر اجمل أيام حياتهم، والحاكمون للناس بالعنف والاستبداد والظلم كيف تحولت بلدانهم الى جحيم.

الأفعال الصالحة هي التي تنبعث من العقل والضمير والوعي بالعواقب وتقود نحو حياة صالحة، والافعال الشريرة تسيرها الغرائز العمياء والشهوات المنفلتة والاهواء الحمقاء فتقود نحو الشقاء والأزمات.

ولاتقول ان الحياة تجارب فدعنا نجرب الآثام فهذه وساوس النفس الشيطانية الخادعة فالآثام تجر نحو آثام اكبر، وادمانها لايمكن الخلاص، فأدمن أفعال الخير لتجد كل اللذة والفرح.

(شَرُّ النَّاسِ مَنْ لَا يَقْبَلُ الْعُذْرَ وَلَا يَغْفِرُ الذَّنْبَ)

الله الغفور الرحيم يحب ان يتخلق الناس بأخلاقه، فيغفرون لغيرهم كما يغفر الله تعالى لهم، لان الغفران من أعظم تجليات سبحانه تعالى في البشر، لأنه بالغفران يسمو الانسان ويرتقي ويتعالى عن الحقد والكراهية، فمن لايقبل الاعتذار يتخلى عن هذا الخير العظيم بالتسامي، وعندما يتخلى افراد المجتمع عن التسامح والعفو تسيطر الكراهية والعنف فمن لايغفر لايغفر له، والمجتمعات المتأزمة هي التي لاتوجد فيها ثقافة قبول الاعتذار بل تكون مهددة بالصراعات والحروب بكافة اشكالها والصراعات هي أساس الشر.

البشر يخطئون وعندما تغيب لغة الاعتذار تستفحل الأخطاء وتتراكم الذنوب ويسيطر القوي على الضعيف وتموت العدالة ويسود الانتقام، فما هي قيمة الحياة التي لاتقبل فيها الاعتذار.

ثقافة الاعتذار وترسخها السلوكي والاجتماعي يعبر عن سير تطوري متصاعد نحو مدارج الخير والصلاح.

وقبول الاعتذار لايكفي بشكل سطحي بل لابد ان يكون مقترنا باقتلاع أي كراهية تستوطن القلب، فالغفران يقترن بالرحمة، والرحمة مطلقة ليست فيها شروط مسبقة او لاحقة لأنها الاطار الشامل للكون.

بالغفران نستطيع ان نعيش أجمل أيام حياتنا، وبعدمها تتحول الأيام الى تعاسة تتراكم بسبب هيمنة الشرور وانطفاء المحبة وفقدان التراحم.

اضف تعليق