في التاريخ الحديث يمكن أن يُؤرخ للعلاقة بين العالم العربي والإسلامي والغرب، باختلاف عواصم القرار الغربي، وتعدد أساليب الهيمنة الاستعمارية.. بدخول نابليون الفرنسي إلى مصر بجيشين عسكري وعلمي.. وعن طريق الأول لم يستطع العرب والمسلمون الدفاع عن أنفسهم، للقدرات العسكرية الهائلة التي كان يمتلكها الجيش الفرنسي، وبالجيش العلمي اكتشف الشرق مقدار تخلفهم وانحطاطهم الحضاري.. ولقد اعتبر (برنارد لويس) حملة نابليون (1795 -1801 م) أول قوة مسلحة عبدت الطريق للغرب الحديث في الشرق الأوسط.. وأول شرارة كهربائية في طريق التغريب في الشرق الأوسط..

وكانت هذه العملية إيذانا ببدء مسيرة الهيمنة والسيطرة الغربية الاستعمارية، على مقدرات العالم العربي والإسلامي وثرواته.. وبدأ الغرب الاستعماري ينسج خططه ومؤامراته لمنع أي تقدم أو تطور في هذه الرقعة الجغرافية من العالم..

والجدير بالذكر أن الزحف الاستعماري الغربي البالغ العنف، وقع في العالم العربي والإسلامي في وقت كانت الدولة العثمانية تعاني الكثير من أسباب الاضمحلال والضعف، وكانت أعراضه ومظاهره قد ظهرت على السطح في عهد السلطان مصطفى الثاني (1695-1703م).. فعقدت معاهدة (كارلوفتر) عام (1699م) والقرن السابع عشر يقترب من نهايته.. فكانت هذه المعاهدة استهلالا سيئا للقرن الثامن عشر بالنسبة إلى العالم العربي والإسلامي..

واستمرت العملية الاستعمارية تخترق أغلب بلدان العالم العربي والإسلامي، وتقوض أسس البنيان في هذه الدول والبلدان.. ففي عهد السلطان عبد المجيد والذي اقترن اسمه بالتنظيمات أي فرمان (1854-1856م) اللذين تم بموجبهما استبعاد الشريعة الإسلامية، وبدأ تسيير شؤون الدولة وفق المنهج الغربي، ما أدى إلى تعميق التبعية وتكريسها حتى وصلت ديون الإمبراطورية في عهد السلطان عبد الحميد (ثلاث مائة مليون ليرة).. ويذكر السلطان عبد الحميد في مذكراته واصفا الحالة الاقتصادية للدولة العثمانية قائلا "الدخل العام يقل عاما بعد عام، والإنتاج المحلي كان يضمحل يوما بعد يوم، فقد كنا منذ فترة التنظيمات نأتي بكل أشيائنا من أوروبا، المنتوجات الأوروبية غطت كل مكان، وأصبحت عدة مصانع في طريقها إلى الزوال، وهبط دخل الجمارك إلى الحد الذي لا يجزي بسبب تلك المعاهدات المعقودة مع الدول الكبرى.. لم تعد تكفينا زيوتنا، والطرق غير موجودة، والتخابر صعب، كأن أراضي الإمبراطورية تركت لأقدارها "..

وإزاء هذا الواقع المرير الذي عاشه العالم العربي والإسلامي مع الغرب الاستعماري بدأت بالبروز في الفكر العربي المعاصر ثلاثة مواقف تجاه الغرب:

١- موقف القبول المطلق بالغرب:

وينطلق هذا الموقف من قاعدة ثابتة.. وهي إذا أراد العالم العربي والإسلامي، أن يتقدم ويلحق بالركب الحضاري.. فلا بد أن يقبل بكل شيء يفد إليه من الغرب، ويرفض كل موروثه الثقافي والاجتماعي والحضاري.. وعن هذا الطريق يتمكن العالم العربي والإسلامي من اللحاق بالحضارة الحديثة.. ويقول أحد أقطاب هذا الموقف إن "الجواب الواحد الواضح لإنهاء التخلف والتأخر هو أن نندمج في الغرب اندماجاً في تفكيرنا وآدابنا وفنوننا وعاداتنا ووجهة نظرنا إلى الدنيا.. الجواب الواحد الواضح هو أن تكون مصر قطعة من أوروبا كما أراد لها إسماعيل"..

وفي نظر أصحاب هذا الموقف، أن العمل والطاقات ينبغي أن تصب في اتجاهين: الأول محاولة فك الارتباط الحضاري للمجتمعات العربية والإسلامية عن تاريخها وماضيها الإسلامي..

والثاني العمل على إدخال النظم والقيم والعادات والتقاليد الغربية في البنيان الاجتماعي والمعرفي والحضاري للعالم العربي والإسلامي..

"فالحركة الحديثة ليس لها في الواقع نظرية محددة، لا في أهدافها ولا في وسائلها، والأمر بعد هذا لا يعدو أن يكون غراما بالمستحدثات، فسبيلها الوحيد أن تجعل من المسلم (زبونا) مقلدا دون أصالة لحضارة غربية تفتح أبواب متاجرها أكثر من أن تفتح أبواب مدارسها، مخافة أن يتعلم التلاميذ وسائل استخدام مواهبهم في تحقيق مآربهم".. (راجع كتاب وجهة العالم الإسلامي، مالك بن نبي، ص 71)..

٢- موقف الرفض المطلق للغرب:

باعتباره العدو الحضاري للعالم العربي والإسلامي، وأنه الداء لكل مشاكلنا وأزماتنا.. لذلك فبداية الحل الصحيح هو غلق الباب على هذه الحضارة ورفضها بكاملها.. وأن النظريات الغربية التي تصدر إلينا لا تختزل نفسها على المستوى الاقتصادي أو السياسي فقط.. وإنما هي تطرح نفسها كنظرية اقتصادية – ثقافية – اجتماعية- سياسية- حضارية.. وهذا يعني أن اللحاق بالغرب اقتصاديا يعني الذوبان في المنظومة الغربية ثقافيا وسياسيا وحضاريا..

والنخبة الفكرية والاقتصادية المتغربة، صُنعت وهُيئت، لكي تكون نخبة عقيمة، لا تستطيع الاستغناء عن العالم الغربي.. فهي مصممة بحيث تشبه الغرب في كل شيء إلا في قيم الإبداع والاستقلال، والقيم الإنسانية الجوهرية التي اعتمد الغرب عليها في نهضته الصناعية والمدنية..

وأن أغلب الأيديولوجيات التي سادت في العالم العربي والإسلامي، كانت ملخصات سيئة وترجمات مشوهة، لمضمون التخلف الحضاري في الأمة.. حيث إن هذه الأيديولوجيات كانت تصور واقعا غير الواقع العربي والإسلامي، وعملت بمنهج آلي حرفي، لا يستطيع أن يعالج مشاكل العالم العربي والإسلامي.. فهي تمسك بأدوات الوعي والمعرفة، التي أوجدها الغرب وحاول من خلالها التعرف على مشاكلنا وصعوباتنا، ومن ثم اقتراح الحلول لنا..

وجماع القول: إن عملية استيراد المعايير والنماذج من الغرب، ومحاولة تطبيقها على عالم يختلف جذريا في تطوره الاقتصادي والاجتماعي والثقافي عن الغرب.. ما هي إلا محاولة فاشلة تعكس عقم الاستيراد الفوضوي للمثل والتطور والتقنية الحديثة.. بل هي ضرب من ضروب التخلف والانحطاط في صورته الحديثة..

٣- التوفيق الواعي بين الأصالة العقدية والتاريخية، ومعطيات ومكاسب الحضارة الحديثة.. وينطلق هذا الموقف اعتمادا على مجموعة من الحقائق:

أولا: أن هناك مجموعة من الأمور والقضايا ذات الطابع العالمي، أو ليست لها طابع ثقافي حاد، واشتركت البشرية جمعاء عبر الأجيال في صياغتها وإيجادها عبر التراكم الحضاري..

فإننا نأخذ بها، ونستفيد منها في حركة الحياة.. فالمقصود بالتوفيق ليس التوفيق بين المبادئ العربية والإسلامية والغربية، لأنها مسألة صعبة بل مستحيلة، لتناقض المنطلقات.. حيث إن للأخذ الثقافي امتدادات اجتماعية ونفسية خطيرة على جسم الأمة.. فنحن نستفيد من الغرب، القيم الحية كالفاعلية والإبداع والعمل والسعي والعلوم الطبيعية والرياضية.. فنحن لا نأخذ التكنولوجية بوحدها بل نأخذ أيضا المعرفة التي صنعت وأبدعت هذه المعدات التكنولوجية.. فنحن نأخذ ما يحقق ذاتنا الحضارية، ولا يلغي خصائصنا المجتمعية والثقافية والنفسية..

وبالطبع فإن العلوم الطبيعية والتقنية الغربية، ليست حيادية، وإنما هي انعكاس بشكل أو بآخر للفلسفة المادية التي قامت عليها الحضارة الحديثة.. فهي ليست لغة رياضية، منزهة، نزيهة.. وإنما هي لغة قابلة للتطبيق والتجسيد، لغة تهدم وتبني.. لذلك فإن التوفيق الواعي والرشيد يؤدي إلى الاستفادة من التقنية الحديثة، والتطورات العلمية والمعرفية الهائلة في إطار الحفاظ على الخصوصية الحضارية للعالم العربي والإسلامي..

ثانيا: على المستوى التاريخي نستطيع القول إن الشعوب العربية والإسلامية بدأت الانفتاح على الغرب.. وهي تعيش حالة من الانفصام بين المعرفة والمنهج السلوكي الذي تتبعه وتمارسه.. لذلك لم تكن هذه الشعوب تمتلك القدرة والإمكانية للوقوف على أرض صلبة من أجل التقويم الدقيق للثقافات الوافدة.. مما جعل هذا الانفتاح العشوائي يخلق فوضى شاملة في جسم الأمة.. وهذه أهم آثاره "أزمة هوية –فوضى في المصطلحات والبنية النظرية – هجرة الأدمغة – التغير المفاجئ في البنية الاجتماعية والاقتصادية والبنى الثقافية...".

لذلك فإن حجر الزاوية في عملية التوفيق، أو الانفتاح الواعي هي الحفاظ على ذاتنا الحضارية وانتمائنا المتميز، بما تتضمن هذه الذات والانتماء من تاريخ وقيم ورجال تمكنوا في الأرض.. وانطلاقا من هذه الذات نحن نتعامل مع الآخر الحضاري.. وإن محاولة تجاوز الفارق الحضاري الذي نعيشه مع الغرب، لا يمكن أن يكون بإلغاء الذات الحضارية.. بل يمكن القول إن طي المسافة الطويلة التي تفصلنا عن الحضارة الحديثة، لا يمكن أن يكون إلا بالحفاظ على هويتنا الحضارية وتميزنا الأيدلوجي.. ولنا في التجربة اليابانية خير مثال على ذلك، إذ لم تتخل في نهضتها الصناعية والحضارية عن ثقافتها وعاداتها وخصائصها الذاتية.. وإنما قامت في البدء بتركيز هذه الخصائص، من أجل استيعاب التطورات التكنولوجية الحديثة..

ويقارن المرحوم مالك بن نبي (1905-1973م) بين الموقف العربي والموقف الياباني من الحضارة المعاصرة بقوله: "إن اليابان وقفت من الحضارة الغربية موقف التلميذ، ووقفنا منها موقف الزبون.. استوردوا منها الأفكار بوجه خاص، واستوردنا منها الأشياء بوجه خاص "..

إن الاعتزاز بالذات الحضارية، والانطلاق منها للتفاعل والانفتاح على المستوى الحضاري والثقافي، هو الذي يؤسس لنا عملية هضم الجديد، واستيعاب النظم المعاصرة بشكل سليم..

ومن الخطأ الافتراض، أنه من أجل العصرنة، لا بد من الاغتراب ومقايضة تاريخنا وثقافتنا بالاندماج في الغرب.. ويكفينا دليلا على ذلك أنه لم يرو لنا التاريخ أن أمة من الأمم، استطاعت أن تتقدم وتتطور أو تدخل عالم المعاصرة بدون الاعتماد على تاريخها وقيمها وأصالتها العقدية والتاريخية.. فالحضارة الغربية الحديثة لم تحقق كل إنجازاتها ومكاسبها إلا بالاعتماد على قيمها وإرثها التاريخي.. فطريق العصرنة ليس محاكاة الغرب، إذ إن محاكاته تؤدي إلى الاستلاب الحضاري والتشوه الأيدلوجي الذي يحولنا إلى أمة ميتة – جامدة – مقلدة..

كما أن التحديث القسري يؤدي إلى الاستبداد والتسلط السياسي.. إذ إن عملية التحديث القسرية تحاول أن تبني منظومة قيم جديدة وتواصل ثقافي متغرب.. وهذا التغيير لا يتم إلا بتحطيم العقيدة الموجودة، وتفكيك منظومة القيم السابقة واللغة كأداة للتواصل الثقافي والاجتماعي وجميع أشكال التواصل بين أبناء المجتمع.. والعمل على تغيير المفاهيم وأنساق التفكير ومعايير التفاضل الثقافي والاجتماعي.. وهذه العملية لا تنجب إلا الاستبداد والانسحاق وفقدان التوازن والاستلاب القيمي والاجتماعي..

فلا يمكن إذا أن نقابل بين الأصالة والمعاصرة أو التقليد والتجديد ونجعل تحقيق أحدهما على حساب الآخر.. نحن نقول إن العصرنة الحقيقية والفاعلة هي التي تأتي عبر الأصالة التي تحرك فينا كل العوامل والعناصر التي تخلق الأمة الفاعلة والمؤثرة والشاهدة.. والأصالة هنا لا تعني العودة (بالمعنى الزمني)، وإنما تعني الأخذ بنمط حضاري يمدنا بالقوة والمعرفة، وقادر على تحقيق الطموحات الحضارية للأمة العربية والإسلامية.. وأن المجموعة البشرية التي تنفصل عن تاريخها وأصالتها، فإنها تقوم بعملية بتر قسري لشعورها النفسي والثقافي والاجتماعي وسيفضي هذا البتر إلى الاستلاب والاغتراب الحضاري.. فعلاقتنا بالآخر الحضاري ينبغي أن لا تذوّب ذاتيتنا وهويتنا الحضارية، وإنما ننطلق من أصالتنا وهويتنا المتميزة في تكوين صلات عادلة مع الآخر.

ثالثا: أن يكون انفتاحا على الآخر وليس تقليدا له: والمقصود بالانفتاح هو أن ننطلق من قيمنا ومبادئنا وأصالتنا للأخذ بالمعرفة والتطورات العلمية التي تحدث في الغرب.. كما حصل للغرب نفسه حيث إنه انطلق من مفاهيمه وسياقه الثقافي والمعرفي للأخذ بجميع التطورات التي تحدث في العالم آنذاك.. (ويشير إلى هذه المسألة خليل جبران) قائلا " كان الغربيون في الماضي يتناولون ما نطبخه فيمضغونه محولين الصالح منه إلى كيانهم الغربي.. أما الشرقيون في الوقت الحاضر فيتناولون ما يطبخه الغربيون ويبتلعونه ولكنه لا يتحول إلى كيانهم بل يحولهم إلى شبه غربيين وهي حالة تبين لي الشرق تارة كعجوز فقد أضراسه وطور كطفل بدون أضراس "..

من هنا فإننا ندعو إلى الانفتاح على الغرب والاستفادة من معارفه وعلومه لا التقليد له والأخذ بنمط الحياة لديهم.. والفرق الجوهري بين الانفتاح والتقليد، أن الأول ينطلق من أرضية ثابتة واضحة تجاه قيمه ومبادئه، وينظر إلى الآخر الحضاري بمنظار القيم والمبادئ التي يعتقد بها.. عكس التقليد الذي يعني الانتقال من البيئة (بالمعنى العام) المحلية، الانطلاق من ذات التربة المغايرة.. مما يفقد المرء هويته الحضارية.. والأنكى من ذلك أنه لن يتمكن أن يكون غربيا (بالمعنى الحضاري) وذلك لعنصرية الغرب، ومنعه أسرار المعرفة والعلوم عن جميع الشعوب الأخرى..

وجماع القول: إن الأصالة مطلب حضاري، بوصفها هي الإطار المرجعي والروحي والأخلاقي والمعرفي للعالم العربي والإسلامي، وأنها لا تعني تقليد الماضي بل هي تعبير عن الحاجة إلى التعريف بالذات، وتحديد العلاقة مع الآخر الحضاري.. إنها مقاومة ذاتية للهيمنة والتحلل والسلبية، وهي عامل توازن يمنع المجتمع من التحول إلى ورقة في مهب الريح.. فالأصالة نمط ثابت للتفاعل المستمر مع الواقع والعصر.. وأن التقدم والتطور لا يأتيان من فراغ، وإنما يعتمد على قيم وتاريخ وينطلق بهذه القيم والنماذج من أجل التقدم والتطور كما فعل الراهب (روجر بيكون) الذي كان له الفضل في الثورة العلمية والصناعية في أوروبا..

فالأصالة ليست رصيداً تاريخياً وحسب، وإنما هي الإرادة والقدرة الذاتية على الإبداع.

اضف تعليق