الشعوب التي عاشت كوارث الحروب، ثم خرجت منها وقفت أمام مفترق طرق للتعامل مع آثار الدمار النفسي والمادي، إما اليأس المطبق من التغيير، أو إطلاق مشاعر الأمل والتفاؤل بلا حدود لرسم صور ذهنية عن واقع مغاير ملؤه الرفاهية والسعادة، أو اتخاذ سبيل آخر ينتهج الموضوعية ويحتكم الى المنطق والعقل، وإن كلف الأمر تجاوز بعض العقبات والتحديات، فالأمر يستحق العناء.

وتشتدّ الحاجة لتحديد المسار عندما يكون الدمار نفسياً يستهدف منظومة القيم الاخلاقية والانسانية، فنلاحظ تسيّد لغة القوة والسلاح على القانون والأخلاق والآداب في حل النزاعات، وتغليب لغة المال والربح السريع على قيمة العدل والمساواة. كل هذه وغيرها مما يفرز ظواهر سيئة، كالتي يشهدها العراق حالياً –على سبيل المثال- على الصعيدين الاجتماعي والسياسي، لا نجد حاجة لعدّها لانتشارها في حياة الناس.

اليأس المفروض

عندما نتحدث عن الحروب والنازعات السياسية فهذا يعني أن المسبب هم الحكام والاحزاب والجماعات باستبدادها الفكري وتطرفها في كل شيء، وإلا فان الناس ميالة دائماً الى الاستقرار والهدوء والنظام الذي تسحقه مصالح الاحزاب الحاكمة، او شخص الحاكم، كما يحصل في بعض الطرقات من مخالفات صريحة لقانون المرور من سيارات بلوحات حكومية ومظللة يعرف الناس أنها تعود لهذا النائب أو ذاك الوزير، او تغلّب بعض الاحكام العشائرية على القانون في حل النزاعات بما يتسبب في ضياع الحقوق ويجعل الخاطئين في موقع قوة بالمجتمع، وكذا الحال بالنسبة للوضع الاقتصادي وحركة السوق وما ينعكس على الحالة المعيشية وتحديداً على لقمة عيش الناس.

فاذا فهمنا و ادركنا الحالة الميؤس منها عند الحكام بشكل عام، فان هذا اليأس لا يجب أن يجد مكاناً عند المحكومين (الجماهير)، لأن ببساطة كل ما ذكر من افرازات سلبية للحروب والديكتاتورية لا ينتفع منها الناس مثلما يحصل مع أهل السلطة والحكم -بمعظمهم-، اذا ما قلنا بالعمل على تكريس المشاعر السلبية، وجعلهم يعيشون النكد والتشاؤم من كل شيء، ومن ثمّ يستقرون تحت يأس مطبق من تغيير هذا النظام، الامر الذي يتطلب استحضار كل القيم والفضائل التي عصفت بها المصالح السياسية، منها؛ الصدق، والتسامح، والتكافل، واحترام الآخر في الشارع والحي السكني، وفي ميدان العمل، وفي كل مكان، مما يقلل نسبة المشاكل والنزاعات، كما يسهل عملية حلّها ايضاً.

إن ترديد مقولات: "دولة ضائعة"، او "خربانة"، أو "ما تصير لها جاره"–حسب اللهجة العراقية- تمثل خدمة رائعة للفاسدين ومن نتحدث يومياً بأنهم يسرقون المليارات ويفعلون كذا... وكذا... فاليأس المطبق من تغيير الواقع السياسي والاجتماعي يعني القبول بشكل غير مباشر بشطب كل القيم الاخلاقية والانسانية، وعندما يتنحّى الصلاح، من المؤكد يتقدم الفساد في المجتمع، ومن ثمّ يتسيّد في الدولة والحكم، بشكل مستساغ لا يعترض عليه أحد.

الأمل استجابة للواقع

في خضم هذا الواقع المرير نلاحظ اتجاهاً يدعو للتغيير الفردي في محاولة للالتفاف على مساوئ المجتمع، وانعكاساته على نمط الحكم وطريقته، وذلك من خلال أدوات ذات صلة بنفس الانسان وطبيعته المتوثبة دائماً للتغيير والتجديد، منها؛ الأمل، والمضي قدماً في طريق النجاح، وهذا يتحقق من خلال نشاط فردي –على الأغلب- فالشاب والشابة، او الرجل والمرأة، هما من يجب ان يتأملا وضعهما الخاص، ثم يفكرا بتحقيق النجاح، وتطوير المهارات، ومواجهة التحديات، بدعوى اختزال الوقت والجهد قبل التفكير بتغيير المجتمع برمته، بل حتى العائلة الصغيرة.

وربما يكون تحفيز مشاعر الأمل بنفس الشدّة التي يكون عليها مشاعر اليأس المطبق في المجتمع، بما يمكن عدّه نوعاً من رد الفعل تجعل من صاحبها ينطلق في رحاب الآمال والأمنيات بحثاً عما يغير حاله بأسرع وقت، لاسيما ما يتعلق بالدراسة وفرص العمل، بيد أن هذا الانطلاق غير المحسوب له نتائجه غير الحميدة في الحال الحاضر وفي المستقبل، لاسباب أبرزها؛ اصطدام الفرد بما تعيشه الجماعة، فهو يفكر بايجابية وسط ركام السلبيات، ثم يدّعي أنه غير معني بما يجري حوله، ومن يسأله عما يفعل عليه ان يجرب ما يعمل، والنتيجة حصول تقاطعات في انماط التفكير والمنهج التربوي، وايضاً التوجه الثقافي السائد.

وبنفس القدر الذي يكون فيه الأمل بتحقيق السعادة والنجاح قريباً من الواقع الاجتماعي، يضمن مصداقيته اكثر، ويخرجه من الحالة المثالية، او حالة رد الفعل من أقصى اليأس والتشاؤم، الى أقصى الأمل والايجابية، وقد بينت الروايات عن المعصومين عملية تنظيم الأمل بما يحقق أفضل النتائج، وحذرت من "طول الأمل"، او الأمل المفتوح الى ما لا نهاية، فمما جاء عن أمير المؤمنين، عليه السلام: "الكيّس من قصّر آماله"، وفي حديث آخر له: "أطول الناس أملاً أسوؤهم عملاً"، علماً أن الأمل في حد ذاته مفهوم ايجابي، وقد حثّ عليه الاسلام في مسيرة تطور وتقدم الانسان، ومما جاء عن رسول الله، صلى الله عليه وآله، أن "الأمل رحمة لأمتي، ولولا الأمل ما رضعت والدة ولدها، ولا غرس غارس شجراً".

حديث النبي الأكرم نتلمّس منه تنظيم دقيق للأمل المنقذ من ظلام اليأس، فالأم تأمل من خلال جهدها وتضحياتها لرؤية طفلها الصغير وقد تحول شاباً صالحاً منتجاً، فالأمل هنا في هذا الاطار وحسب، كذا الحال بالنسبة في المزارع الذي يحرث ويصلح الأرض ثم ينثر البذور، ويسقي، ويحمي من الآفات وغيرها من مراحل الزراعة، فان أمله يتجه في هذا المسار، ثم يستريح الى النتائج الطيبة عندما يحصد ثماره ويشكر الله على عطاياه، بينما النهي الوارد عنهم، عليهم السلام، من طول الأمل، هو ذاك الذي ينسي الآخرة، كما ينسي القيم والمبادئ السامية التي تحكم وتنظم حياة الناس، عندما يكون الأمل نظرة طويلة لا تنتهي تقعد صاحبها عن العمل والتفكير الصحيح في حاضره ومستقبله.

اضف تعليق