النسق الأول: النسق القانوني

الأنساق لثقافة اللاّعنف ينبغي أن تُكرَّس قانوناً أي "حكم القانون" Rule of law وهو الذي يضفي المشروعيّة الدستوريّة القانونيّة على أي حكم.

المشروعيّة الدستوريّة والقانونيّة تختلف عن الشرعيّة السياسيّة. الشرعيّة السياسيّة تقوم على رضا الناس، كأن تُحقق للناس منجزات اجتماعية، اقتصادية الخ... ولكن قد لا تستطيع أن تحقق لهم مشروعيّة قانونيّة، حيث تبقى هناك هوّة بين رضا الناس وحكم القانون حتى لو تحققت الشرعيّة السياسيّة، أما المشروعيّة القانونيّة فيمكن تحقيقها عبر حكم القانون. وإذا ما اتّحدت المشروعيّة القانونيّة أو الدستوريّة مع الشرعيّة السياسيّة سنكون قد وصلنا إلى القمّة. فلا بدّ إذن من حكم القانون في تعميم ثقافة اللاّعنف، وحسب مونتسكيو يقول "القانون مثل الموت ينبغي أن ينطبق على الجميع دون استثناء". أي أنه لا يستثني أحداً.

النسق الثاني: وهو النسق السياسي

طبيعة النظام السياسي، هل هو نظام ديمقراطي، استبدادي، أوليغارشي، برلماني، ديكتاتوري، ملكي، جمهوري الخ...؟ هناك نسق معيّن يأخذ مدى علاقة الحاكم بالمحكوم في إطار القوانين والأنظمة السائدة والمرعيّة، ويحتاج إلى إرادة سياسية وتوافق سياسي ومجتمعي.

النسق الثالث وهو النسق الإجتماعي

كل نظام سياسي يستند إلى خلفية إجتماعية. فإلى أي مدى يمكن تحقيق تكافؤ الفرص وتقديم الخدمات لعموم الناس، لا سيّما الخدمات الصحيّة والبلديّة والتعليميّة، فضلاً عن العمل. وإذا ما حدثت أي اختلالات على هذا الصعيد، أي في النسق الاجتماعي سيتولد العنف ويتراكم ويسبب ردود فعل قد تسبّب عنف مضاد عشائري، قبلي، قومي، إثني، ديني...، خصوصاً في ظل أنظمة تمتاز بالتمييز.

النسق الرابع وهو النسق الثقافي

أي العلاقة بين الهويّات. هناك هويّة عامّة جامعة وهناك هويّات فرعيّة. هل ستحترم الهويّة العامة الجامعة الهويّات الفرعيّة أو كيف تتعامل الهويّة الكبرى مع الهويّات الصغرى؟ وبأيّ نسقٍ ستكون هذه العلاقة؟

الروائي اللبناني أمين معلوف تحدّث عن "الهويّات القاتلة"، خصوصاً في ظلّ غياب العقلانيّة والنسبيّة والإنسانية. كل شيء في الحياة نسبي حسب علم الفيزياء. والهويّة الجامعة بقدر استيعابها للهويّات الفرعيّة وتنميتها يمكن أن تتجنّب الانزلاق إلى الإقصاء والتهميش والعنف لاحقاً.

النسق الخامس وهو النسق التربوي

وهو مهم جداً خصوصاً وأن التربية المدرسية هي الأساس. هل هناك تمييز بين الأديان؟ بين القوميات؟ هل هناك استعلاء قوموي؟ هل هناك تسيّد من فئة على حساب أخرى؟ تارة بحجّة الأغلبية، أو بحجّة المظلومية، أو بحجة الأفضليات، أو بحجة امتلاك الحقيقة؟ هذه كلها إذا سادت في النسق التربوي ستؤدي إلى العنف وهنا لا بدّ من إحداث تغيير في النسق التربوي لكي ننتقل إلى الأنساق الاخرى.

النسق السادس والأخير هو النسق الإعلامي

الإعلام يمكن أن يلعب دواً مهمّاً، وهو سلاح ذو حدّين كما يُقال، فهو مدفعية ثقيلة خطيرة. إذا لم نُحسن استخدامه، سيؤدي إلى كوارث ويُحدِث تصدّعات من الصعب معالجتها أحياناً، كما يؤدي إلى خلق فِتَن وحساسيّات تتعلّق بالكرامة والوجود والمساواة.

اصبح الإعلام يصنع الرأي العام. وإذا كان سابقاً يساهم في صناعة الرأي العام، فهو الآن أصبح يصنع الحروب ويجري تغييرات في أنظمة ودول وبلدان ومصارف وبنوك وأموال وأعمال عنف وارهاب. داعش والقاعدة وجبهة النصرة لم تُخلق هكذا مرّة واحدة، وساهم الإعلام بطريقة أو أخرى في خلقها أيضاً.

هل يصبح اللاّعنف بعد هذا الحديث مستحيلاً، أم أنه ممكن؟ وهل التغيير ممكن باللاّعنف؟ نقول نعم ممكن التغيير باللاّعنف إنّما بتوفر شروطه.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق