المشهد العراقي تختصره الطائرات التي هاجمت منزل رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي، يمكن توصيف الحادثة بانها طائرات سائبة لا يعلم احد من اطلقها وسيرها نحو بيت الكاظمي، سقطت على رئيس وزراء مسيّر لا يستطيع الخروج من مقررات الفاعلين السياسيين المحليين والاقيليميين والدوليين.

سوف نوضح صورة المشهد بزاوية تصوير ثنائية، ثم نضع اهم استنتاجاتنا.

المشهد الأول:

اغلب الشخصيات المحلية وقادة الأحزاب والفعاليات الشعبية استنكروا ما تعرض له منزل رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي فجر يوم الاحد، حيث هاجمته ثلاث طائرات مسيرة مفخخة، بحسب البيانات الحكومية.

لكن اول شخصية عراقية علقت على الحادث كان أبو علي العسكري القائد العسكري لكتائب حزب الله، فلم تبزغ شمس الاحد حتى نشر تغريدته التي قال فيها انه لا يوجد احد يريد خسائرة طائرة مسيرة على رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، لكونه اقل من هذا الشأن.

استصغر العسكري خصمه الكاظمي الى درجة كبيرة في تغريدته لكنه كان يريد إيصال رسالة مبكرة على ان العملية ليست من تنفيذ كتائب حزب الله، كما انه يريد تحقيق امرين أساسيين:

1- ابعاد التهمة عن كتائب حزب الله والفصائل المسلحة الأخرى، لان الاذهان سوف تذهب الى اسم الكتائب لمجرد سماع مثل هكذا خبر.

2- التأكيد على ان ما حدث هو فعل مدبر من قبل الحكومة، او بعض الأطراف المستفيدة من هذا الحادث، لا سيما مع عدم وجود أي فصيل مسلح يستطيع تنفيذ مثل هذا الامر غير الفصائل الحليفة لإيران.

وجاءت ادانة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي شمخاني بشكل يتسق مع تغريدة أبو علي العسكري، اذ وصفها شمخاني بـ"الفتنة الجديدة"، ونعرف من خلال الخطابات الإيرانية السابقة ما يقصده بالفتنة، فقد وصفوا جميع الاحداث التي تستهدف او تؤثر على المصالح الإيرانية في العراق بانها "فتنة"، ومن بينها تظاهرات تشرين عام 2019.

المتحدث باسم الخارجية الإيراني سعيد خطيب زادة، لم يخرج عن سياق الحديث بوجود فتنة او مؤامرة.

يقول زادة أن "طهران تدعو الجميع في العراق إلى الحذر من المؤامرات التي تستهدف أمن العراق وتنميته"، ويضيف أن "هذه الحوادث تأتي في مسار مصالح أطراف سعت للاعتداء على الأمن والاستقرار والسيادة العراقية في السنين 18 الماضية بتأسيس جماعات إرهابية للحصول على أغراض مشؤومة".

من هذه الأطراف التي سعت الى الاعتداء على الامن والاستقرار العراقي عبر تأسيس جماعات إرهابية؟

المقصود هنا الدول الخليجية التي كانت تتهم بشكل دائم بانها المؤسس والداعم للجماعات الإرهابية التي اجتاحت العراق حتى وقتنا الحاضر، وهي المتهمة بتزوير الانتخابات، وكذلك محاربتها للاستقرار في هذا البلد، بحسب الرواية الإيرانية.

لذلك لا تخرج الرواية الإيرانية ورؤية الفصائل الحليفة لها في العراق من كون مسألة استهداف منزل رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي حادث مدبر قام به الكاظمي نفسه، او هناك طرف اخر يستفيد من الصراع الجاري بين الفصائل من جهة، ومصطفى الكاظمي والتيار الصدري من جهة أخرى.

يستدل المعسكر الإيراني على روايته بالاتي:

1- عدم تشغيل منظومة سي رام، لوقف هجمات الدرون فهذا دليل واضح على اتفاق أميركي او تواطؤ لتحقيق نجاح الهجوم.

2- عدم تبني أي فصيل مسلح لهذا الهجوم.

3- عدم وجود أي تصوير يوثق عملية الهجوم لا سيما وان المنطقة مليئة بالكامرات.

4- قيام الإعلام السعودي والخليجي بنشر الخبر قبل غيره.

5- حجم الادانات المحلية والإقليمية والدولية والدعم السياسي الذي حصل عليه الكاظمي دليل على انه المستفيد الأول ومن ثم فهو المنفذ للهجوم.

6- التغطية على حادثة استشهاد واصابة عدد من المتظاهرين المعترضين على نتائج الانتخابات.

المشهد الثاني

كانت الادانات المحلية والدولية للهجوم تشير بشكل مبطن الى دور الفصائل المسلحة حليفة ايران بهذا الهجوم الأول من نوعه في العراق، في ظل الحكم الديمقراطي الجديد.

وصف زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر الهجوم على منزل السيد الكاظمي بالعمل الإرهابي، وقال انه "يستهدف "أمن العراق واستقراره وإرجاعه إلى حالة الفوضى لتسيطر عليه قوى اللادولة، ليعيش العراق تحت طائلة الشغب والعنف والإرهاب، فتعصف به الخاطر وتدخلات الخارج من هنا وهناك".

يعرف السيد الصدر جيداً وهو زعيم سياسي خبير بكلماته، ان توصيف قوى اللادولة يشير دائما الى الفصائل الحليفة لإيران، التي كان الصدر نفسه يصفها بالمليشيات الوقحة ثم تطور اسمها الى قوى اللادولة.

اشاراته هذه تزعج الفصائل الحليفة لإيران من جهة، وتؤكد ان هناك إشارات بشأن اتهامها بالهجوم على منزل رئيس الوزراء.

وفي ذات السياق استنكر رئيس الجمهورية برهم صالح الهجوم، مؤكدا رفضه الانقلاب على الدستور؟ فماذا يقصد بالانقلاب غير قوى اللادولة التي وصفها قبله السيد مقتدى الصدر.

ونحن هنا لا نريد تحميل كلام صالح اكثر مما يحمل، لكن مصطلحات الانقلاب على الدستور، وقوى اللادولة، وقوى الظلام، كلها تستخدم من قبل خصوم ايران وحلفائها وتوصيفات لسلوكيات الفصائل المسلحة.

المثير في الامر ان زعيم ائتلاف دولة القانون يتفق هذه المرة مع خطاب السيد الصدر، ويوجه إشارات واضحة على ان هناك جهات معينة تريد معالجة الازمة التي اندلعت بعد الانتخابات عبر طرق غير دستورية.

يقول المالكي ان "استهداف منزل رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي عمل مرفوض ومدان"، وكان ربط المالكي بين احداث قتل المعتصمين المعترضين على نتائج الانتخابات، والتوتر الأمني الجديد هو ما يثير التساؤلات ومدى علمه بوجود هجمات تقوم بها جماعات مسلحة من الفصائل او حتى منشقة عنها، كما اكد ان "واجب الجميع هو ابعاد اجواء التوتر الامني والالتزام بالأساليب الديمقراطية الدستورية".

لمن الطائرات؟

بهذا الخطاب المتضاد تماما، لا يمكن للطائرات الا ان تكون سائبة، طائرات لا يوجد لها راعٍ، الفاعل هنا تغيب عنه الشجاعة لتبني اطلاق الطائرات، والحكومة اصغر من ان تعلن عن الفاعل حتى وان شكلت لجان تحقيقية، لانها خاضعة للتوازنات السياسية والأمنية المحلية والإقليمية والدولية.

الهدف الأساسي للقائم بالهجوم هو التهرب من التهمة، فضلا عن الصاقه بخصومه حتى وان لم يكونوا هم، فافضل طريقة للدفاع هي الهجوم، ليس هجوم الطائرات بل هجوم الخطاب الإعلامي ضد الخصوم.

يعيدنا هذا التناقض الشديد في البلاد الى استحضار الحالة العراقية منذ 2003 وحتى الان، فهو خطاب لا سقف له، منطلق في اقصى سرعة ضد الخصوم، لا توجد فيه عوائق او حدود يفترض انها وطنية وجامعة للجميع ولا يمكن المساس بها مهما كانت الظروف.

مثلما كانت الطائرات سائبة، كانت حالة العراق سائبة وفاقدة للبوصلة والاستراتيجية للتعاطي مع الأوضاع المتازمة.

لا يملك رئيس الوزراء ولا أي طرف اخر عمل تحقيق شفاف وإعلان نتائجه بشكل كامل، لانها ممنوعة والقرار في هذه الازمات خارج إرادة رئيس الوزراء انما بيد الفاعلين المحليين والاقليميين والدوليين.

تبقى الطائرات سائبة، والعراق سائب، بينما رئيس الوزراء هو المسيّر بيد الفاعلين المحليين والاقليميين والدوليين، وهذه ازمة بحد ذاتها أكبر من الهجوم على منزل رئيس الوزراء.

اضف تعليق