آراء وافكار - مقالات الكتاب

متى نتغير؟!

{الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ} (سورة الأعراف، الآية 157)

ربما يوحي العنوان دلالة استنكارية، بيد أنه يتطلع الى نتائج ايجابية لما نحن فيه، علماً أن المرجو من التغيير في ادبياتنا هو الوجهة الايجابية والخيّرة، في حين يحتمل التغيير الوجهة السلبية ايضاً، فربما يتغير الفرد أو المجتمع من الحالة الايجابية الى الحالة السلبية، كما شهدنا في بلاد عدّة بسبب ظروف معينة لسنا بوارد الخوض فيها، إنما نطمح لأن نكسب الخير لانفسنا ولشعبنا في ظروف حساسة، إذ لم يبق على موعد انطلاق الانتخابات وإدلاء الناخبين اصواتهم في صناديق الاقتراع سوى يوم من كتابة هذا المقال، وهي الانتخابات التي يعدها البعض بانها ربما تكون بداية مرحلة جديدة في مسار العملية الديمقراطية بالعراق، بينما يرى البعض الآخر، أنها لن تحقق تغييراً كبيراً سوى بعض التعديلات في التحالفات السياسية بعناوينها المعروفة منذ 2003، ويبقى التوازن السياسي سيد الموقف.

القدرة على الاستجابة للتغيير

هناك رؤيتان حول مسألة التغيير لدى الانسان الفرد والمجتمع وآثاره المباشرة على السياسة والاقتصاد؛ الاولى: أن الانسان يصنع واقعه بنفسه، فهو يتحرك ويسعى ويناضل ضمن المجموع من افراد المجتمع، هذه الرؤية ترفع الآية القرآنية شعاراً: {إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ}، بينما الرؤية الاخرى تعوّل على "أهل القمّة"، إن صحّ التعبير، او من يُسمَون بعِلية القوم، من علماء، او سياسيين، او شيوخ عشائر وقبائل، ومن في مرتبتهم، هؤلاء هم يمتلكون مفاتيح التغيير، وهم من يحددون كيف يكون الانسان صالحاً وفي أي وقت ومرحلة، ومتى عليه أن ينتفض على واقعه الفاسد ويغيره الى الأحسن، والحجة التي يسوقها هؤلاء لنظريتهم، أن الناس –في معظمهم- ليس لديهم الوقت الكافي للمطالعة ومراجعة الافكار الموجودة في الساحة والتخيّر في أحسنها، او حتى مناقشتها وإبداء الملاحظات على الآليات والاساليب.

التجارب تثبت القدرة التغييرية من داخل المجتمع، ومن القاعدة، وليس من أعلى القمة، بدليل –من جملة دلائل- وجود هامش لحرية الحركة التصحيحية في افكار الناس وقناعاتهم، وهذا متعذر الى حدٍ بعيد في "أهل القمّة" الذين يعدون أنفسهم مصدر الافكار والنظريات وكل الخير! وهذا من شأنه ان يضمن بدرجات كبيرة نجاح العملية التغييرية في المجالات كافة.

ومن المعروف أن المجتمع المأزوم أشبه ما يكون بالانسان المريض، فاذا كان مرضه نفسياً، من الصعب إقناعه بالحاجة لمراجعة الطبيب النفسي، مهما كانت الاهمية والآثار على شخصه وعلى المحيطين به، ومهما كانت الترغيبات والتطمينات من لدن علماء النفس، لذا فهو يجد نفسه دائماً في حالة جيدة، ولا بأس فيه، بينما المصاب في بدنه، كأن يتعرض لخلل في وظائف جزء حيوي بالجسم، مثل الكلية، او الجهاز التنفسي، او الكبد، او الجهاز المناعي وغيرها، فانه يهرع فوراً الى الطبيب وينفق الغالي والنفيس للتخلص من المرض خوفاً من الأسوء، وربما مفارقة الحياة.

وهنا يأتي دور التثقيف والتبليغ بالحاجة الى التغيير الايجابي بما يخدم صاحبه ومن يحيط به، ومن ثمّ المجتمع بأسره، وقد أشار المفكرون في سالف الزمان الى هذه المعضلة النفسية في الشعوب المأزومة، وكيف أن بعض الافراد تغيب عنهم الحاجة للتغيير، او قد يستسيغون الحال الذي هم فيه، وهم في بلادنا –لاسيما العراق- ينقسمون الى فريقين مختلفين، يلتقيان في النتيجة الواحدة: من هم في مرتبة لا يكويهم غلاء الاسعار، ولا مشكلة السكن، او السفر، او فرصة العمل المرموقة، والقسم الآخر؛ من هم دون هذه المرتبة، يعيشون الفقر والحرمان، ويطبق عليهم اليأس من أي تغيير حقيقي يخدمهم وينتشلهم من واقعهم المؤلم، كما هو لسان حال الكثير قبل أي حملة انتخابية، فهم لن يصدقوا أن الذين يفوزون في الانتخابات ويجلسون على كراسي مجلس النواب سينظرون الى الخلف و يوفون بوعودهم الى العاطلين عن العمل، وفاقدي السكن، والحياة الكريمة.

ان الاستسلام للواقع الفاسد، وصانعيه من أهل الحكم، يسبقه استسلام مريع لواقع فاسد آخر داخل الانسان ليس أمام قوة المرشحين وتسابقهم المحموم على نثر اكبر عدد من الوظائف والسيارات والامتيازات، وإنما أمام الرغبة الجامحة لاجتذاب هذه المغريات، فالذي يجد الوظيفة والراتب المغري، والسيارة الحديثة، والبيت الفخم، وغيرها، مفتاح سعادته من الصعب ان يكون جزءاً من التغيير الحقيقي الذي يتكلم عنه الجميع دون استثناء عندما يحمى الوطيس وتبلغ القلوب الحناجر بارتفاع سعر صرف الدولار –مثلاً- او حصول تقاطعات خطيرة في المصالح بين الجهات المتنفذة يسقط ضحيتها الاتباع الصغار.

الرغبات والنوازع النفسية هي التي تجعل من مفردات تنموية مثل؛ استثمار الطاقات الايجابية، والقدرة على النجاح، والأمل، والتفاؤل وغيرها، مجرد شعارات وأطر فارغة من المصداقية العملية على ارض الواقع، فهي ليست –لدى هؤلاء- صاحبة مفتاح التغيير الحقيقي الذي يأملوه لحياتهم.

البحث عن الانتماء وليس التغيير

إنها عملية صعبة وشاقة على الطامحين للحكم والمستعجلين في أمر الوصول الى قمم السلطة، ولا وقت لهم لانتظار هذا الفرد او ذاك ليغير ما بنفسه وأخلاقه وطريقة تفكيره، لذا فانهم يلجأون -في معظم الاحيان- الى خيار الانتماء السياسي ليكون رديفاً للانتماء الاجتماعي الموجود بالاساس في إطار عشائري، او مناطقي، او قومي، او طائفي، ولهذا الخيار فوائده الجمّة أهمها سرعة الحصول على أكبر مساحة في القاعدة الجماهيرية في وقت قياسي مقابل مغريات مادية مستغلين الواقع الفاسد الذي هم من صنعوه، فجميع اصحاب الانتماءات الاجتماعية يشتركون في محنة الفقر والحرمان.

وإن قلنا بصحّة الانتماء لجهات إصلاحية ترمي الى التغيير الحقيقي على أسس من القيم والمبادئ، فان الحذر مطلوب ايضاً من أن تتحول متطلبات الانتماء من الطاعة والاقتداء والامتثال الى حواجز تمنعهم من الانتماء الأساس الى تلك القيم والمبادئ، وقد شهدت الساحة الاسلامية في العقود الماضية تجارب مريرة للانتماء الى الفرع ونسيان الأصل، فعند حصول الاخطاء والانحرافات المتوقعة من أشخاص غير معصومين، نلاحظ الصدمة في وجوه الجميع، والخيبة في النفوس من ضياع سنوات من العمر، وجهود وتضحيات من أجل هذا او ذاك الذي تبين في نهاية المطاف حقيقة أمره وغاياته، والنتيجة؛ تكريس حالة اليأس المطبق بأي أمل في التغيير، بينما مراجعة بسيطة تكشف عن أخطاء سبقت أخطاء الكبار، وهي في التسليم المطلق واللامحدود تحت عناوين مختلفة ربما منها؛ الثقة، والايمان.

ولذا نجد التجارب الناجحة في هذا المجال ما يرويه لنا القرآن الكريم بتأكيد الانبياء والمرسلين لاقوامهم على طول الخط، بأنهم؛ رغم معاجزهم وقدراتهم الغيبية الخارقة، ليسوا سوى مرسلين من الله –تعالى-، وأن الطاعة والتسليم لا تكون إلا لصاحب القوة والقدرة اللامتناهية، كما حصل مع نبي الله عيسى، عليه السلام، ونبي الله موسى، وطالما نبّهوا بشدة الى أن كل ما يقدمونه من معاجز فإنه بإذن مباشر من الله –تعالى- مثل إحياء الأموات، وشفاء المرضى، على يد النبي عيسى، {أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنْ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ}، فيما يشير القرآن بشكل واضح ودقيق الى أن معجزة انفلاق البحر نصفين لبني اسرائيل، جاء بإرادة سماوية مباشرة، ولم تكن عصا موسى، عليه السلام، سوى أداة ظاهرية ضمن قانون السبب والمسبب، {وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمْ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ}.

في كل الاحوال بوصلة التغيير تبقى بيد الانسان لوحده، فهو الذي يمكّن القيود والاغلال النفسية من نفسه، وهو نفسه يمكّن ايضاً؛ العوامل الاخارجية (الاحزاب والفئات والانتماءات) من نفسه ايضاً فيتحول التغيير المطلوب حضارياً وانسانياً الى سراب.

اضف تعليق