انسحبت الولايات المتحدة الأمريكية من أفغانستان بشكل نهائي شهر أغسطس المنصرم، وكانت أحد دوافعه التفرغ للخطر الصيني، وعدم الانشغال بصراعات ثانوية تنهك القوة الأمريكية أكثر مما تنفعها، وأيضًا يستثمر منافسيها ذلك من أجل إشغالها في صراعات ثانوية تنهك قواها وتستنزفها، وقد ذكر ذلك صراحة الرئيس الأمريكي بايدن في أحد تصريحاته بعد بدء انسحاب قوات بلاده من الأراضي الأفغانية.

لهذا جاء الاتفاق الثلاثي الأمني الجديد (أوكوس) سريعًا بعدا الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، وهو بين الولايات المتحدة الأمريكية، وبريطانيا، وأستراليا، وهو يحمل بتصوري دلالات ثقافية على اعتبار أن الدول الثلاثة تحمل ذات الثقافة الإنجليزية على الأقل من الناحية اللغوية، ويوضح حجم الدور البريطاني في ذلك، على اعتبار أن أستراليا تقع ضمن الكومنولث التابعة للتاج البريطاني، والذي على إثره -اتفاق اوكوس- ألغت أستراليا إتفاقًا مع فرنسا كان يقضي بشراء عدة غواصة فرنسية من قبل الاستراليين قيمتها (90) مليار دولارًا، وهو مبلغ ضخم لا يمكن تجاهله، ما يعد ضربة اقتصادية وجيواستراتيجية كبيرة لفرنسا، وأكيد كانت هذه بدفع أمريكي واضح، إذ غيرت الحكومة الأسترالية وجهة التعاقد نحو أمريكا، أي أنها ستُزود بغواصات أمريكية تعمل بالطاقة النووية، بدلًا عن الفرنسية التي تعمل بالديزل والكهرباء، وهو ما عدته الحكومة الفرنسية طعنة في الظهر، واستدعت على إثر ذلك سفيريها لدى واشنطن وسيدني من أجل التشاور.

ويمكن القول أن الأبعاد الاستراتيجية لهذا الحدث الجديد تتمثل بالآتي:

• نشوء معضلة أمنية جديدة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ قد تؤدي إلى عملية سباق تسلح بين دول هاتين المنطقتين

• مواجهة الصين واحتوائها عبر سلسلة من الاتفاقيات من هذا القبيل ما يمثل عمليًا عودة لسياسات الحرب الباردة التي كانت تتبعها الولايات المتحدة الأمريكية حيال الاتحاد السوفيتي، وتنبهت بكين لهذا الأمر وحذرت واشنطن من العودة لمثل هكذا توجهات لا تصب في صالح الاستقرار الدولي والإقليمي.

• هنالك دور استراتيجي استرالي قادم، وستشكل مثلث استراتيجي بارز (فكرة المثلثات الاستراتيجية من بنات أفكار الدكتور كاظم هاشم نعمة) في الباسفيك مع اليابان وكوريا الجنوبية، وخلفهم الولايات المتحدة الأمريكية، التي ستتبع ما يطلق عليها (جون ميرشايمر) استراتيجية تمرير المسؤولية إلى الأخرين.

• اتباع الإدارة الأمريكية استراتيجية الاحتواء عبر عقد جملة من الاتفاقيات الأمنية مع محيط الصين.

• مواجهة الطموحات الفرنسية في قارة آسيا، والحد من طموحاتها في الشرق الأوسط.

• تراجع أهمية أوربا في سلم أولويات الولايات المتحدة الأمريكية، إذ لم يعد هنالك خطر سوفيتي يهدد المصالح الأمريكية هناك، ولا أوربا قادرة على امتلاك المبادرة، فقط فرنسا تحاول ولكن دون جدوى. باعتبار أنها حتى لم تطلع حلفائها الأوربيين على هذا الاتفاق وكان بمثابة مفاجئة كبرى.

• إلغاء إتفاق الغواصات يعد ضربة أمريكية بسبب عقد إتفاق شركة توتال الفرنسية مع الحكومة العراقية وقيمته (27) مليار دولارًا، ومحاولة ماكرون التقرب من العراق، الذي تعده الولايات المتحدة الأمريكية دائرة نفوذ أمريكية.

• ما حدث رسالة ردعية لفرنسا وحتى لبقية القوى الأوربية مفادها أنكم ما زلتم تحت المظلة الأمريكية.

السؤال هل لدى فرنسا الحيلة الكافية لمواجهة هذه الضربة؟، أعتقد أنها لا تمتلك الأوراق الكافية التي تؤهلها لتحدي الولايات المتحدة الأمريكية، إلا أن ذلك يحفزها على التفكير جديًا بأن على أوربا البحث عن دورها المناسب والمستقل عن الحليف الأمريكي، وهو موقف تكرره فرنسا في كل مناسبة إعمالًا وتأثرًا بالتوجهات الديغولية.

 ما يعزز ذلك أن حلفائهم الأمريكان وفي أكثر من مناسبة، لا يضعون أي اعتبار لحلفائه الأوربيين، إذ أن التوجهات الأمريكية ومنذ بداية هذا القرن تتقرر وتتفق وتنسحب كما حدث في الآونة الأخيرة في أفغانستان، ضاربة عرض الحائط مصالح الأوربيين من دون أدنى تشاور معهم.

وعلى ما يبدو أن الصين ستكون مجبرة عاجلًا أو آجلًا، على الدخول فيما حاولت تجنبه قدر الإمكان وهو المواجهة الصريحة مع مثل هكذا تهديدات حقيقية لمصالحها وأمنها، وقد تأتي استراتيجية الإزاحة التي تتبعها الولايات المتحدة الأمريكية تجاهها بنتائج مهمة على اعتبار أنها تهدف إلى إشغال التنين الصيني بصراعات إقليمية تبعده عن أهدافه الاستراتيجية وعلى رأسها مبادرة طريق الحرير الجديد.

اضف تعليق