معاني الشعبوية متضاربةٌ، تتراوح بين الرومانسية الثورية والدُّونِيّة السياسية، لكن ما يجمع معظم دُعاة الشعبوية: مقاربتهم التبسيطية في استخدامهم لمفردة "الشعب"، وادعاؤهم أنهم صوت وصدى وضمير هذا "الشعب"، فضلاً عن احتكارهم لتمثيله من دون مراعاة مفاهيم التفويض والتعاقد السليم، وتركيزهم على خطابٍ عاطفيٍّ يفتقر للرؤى الواضحة.

يذهب موقع ويكيبيديا الى تعريف الخطاب الشعبوي بكونه (خطابٌ مُبْهَمٌ وعاطفي، لا يعتمد الأفكار والرؤى، بل يميل إلى إثارة الحماس وإلهاب المشاعر، ليتماشى تماماً أو يتطابق مع المزاج السائد أو يختاره صُنّاع الخطاب ليبدو على أنه سائد، من دون أن يفيد، من ناحيةٍ أخرى، في التعامل الجدّي والمسؤول مع المشاكل الواقعية) ويُكْثِرُ الخطاب الشعبوي من التركيز على وردية الحلم وتبسيط الأمور في شكلٍ مسرحيٍّ كرنفاليٍّ، مع الإحالة إلى التاريخ الذي يتم استحضاره واستخدامه كوسيلةٍ إيديولوجيةٍ ذات عمقٍ انفعالي.

وينقل هذا الموقع عن الباحث الفرنسي بيير أندريه تاغييف أنه من الخطأ مساواة الشعبوية مع الديماغوجية. فالديماغوجي يهدف إلى تضليل الآخرين بينما الشعبوي يبدأ بتضليل نفسه. ويقول الباحث بأن للشعبوية عددا من الخصائص الأولية. أولها أنها تمثل ثورة ضد النخبة. وهي تزعم أن السياسة هي شيء سهل ويمكن إدراكها بالنسبة للجميع وأن اعتبارها معقدة يعود إلى مكيدة وضعها النخبويين لإبقاء المواطنين العاديين خارج عملية صنع القرار.

ويرى تاغييف أن معظم جمهور الخطاب الشعبوي من الأميين والفقراء خصوصا في المناطق الحضرية، وهي الشريحة التي وصفها كارل ماركس بنبرته النخبوية المترفعة بـ "البروليتاريا الرثة" أو بقاع المجتمع.

أي مقارنة بين الخاطب الانتخابي في عراق ما بعد 2003 حتى الانتخابات المقبلة لا يبدو خارج اطار( الشعبوية) فبدلا من منح الجمهور الانتخابي ثقافة السلوك الانتخابي لتحديد من ذا الذي يتطلب منهم الاقتراع اليه امام صندوق الانتخابات، يتصارع المواطن /الناخب في فوضى التسويق (الشعبوي) الذي يغيب صوت النخبة الحقيقية، ففي الوقت الذي اعتبر الدستور العراقي ان الانتخاب  حقا وليس واجبا، كما هو في بريطانيا، حيث تمارس النخب هذا الحق لانتخاب افضل مجلس برلماني لتمثيل المصالح البريطانية العليا، يختلف الوضع في الامعان بتجهيل الناخب العراقي بالخطاب الشعبوي فانتهى الوضع الى تكرار الكتل والتحالفات البرلمانية استنهاض همم الناخبين بالخطاب الشعبوي، والذي مع الاسف انغمس فيه  الكثير ممن يطلقون على انفسهم  وصف "النخب" فانتهى الى  تكرار مأساة مفاسد المحاصصة وعدم انتاج أي  تطور في التنمية المستدامة من خلال  ظهور مجلس نواب يمثل مصالح العراق الجديد  وليس  اجندات امراء الطوائف المذهبية والقومية.

مع الاسف، على الرغم من تغيير قانون الانتخابات الى الدوائر الفردية، ما زالت ذات الكتل تستخدم الخطاب الشعبوي مقابل عدد محدود من المرشحين المستقلين الذين غادروا هذا الخطاب الى خطاب بناء الدولة في عراق جديد وطن الجميع، هذا الضوء المنتظر في نهاية نفق مفاسد المحاصصة، ما زال يواجه جاهلية معرفية متجددة تحتاج الى:

اولا: نفاذ القانون في عدم استخدام المال السياسي والسلاح المنفلت لترويج الخطاب الشعبوي.

 ثانيا: عدم التزام مفوضية الانتخابات بما ورد في قانون الاحزاب بعدم ترشيح أي جهة سياسية تمتلك اجنحة مسلحة، بل ان قيادات هذه الاجنحة لهم عشرات المرشحين في مختلف القوائم بل والانكى من ذلك ان هناك من يجد هذه الفصائل التي لا تنتمي الى تنظيم حكومي بكونهم حماة العملية السياسية!

ثالثا: الكثير ممن يوصفون بكونهم " النخب والكفاءات" انغمسوا في هذا الخطاب الشعبوي وغادروا الخطاب الوطني العام والشامل لعراق واحد وطن الجميع.

رابعا: فشل منظومة المراقبة الدولية لاسيما لجنة المساعدة في الامم المتحدة في مواجهة اصول هذا الخطاب وتأثيراته المجتمعية، وانتهت الانتخابات الى مجرد تدوير لممثلي الشعبوية السياسية في كل دورة انتخابية.

خامسا: هناك حاجة ملحة لمراكز التفكير العراقية كبيوت للخبرة في اعادة تشخيص انماط واساليب هذا الخطاب والعمل على الحد من تأثيراته في تكرار فشل العملية السياسية مما سيجعل تظاهرات ساحات التحرير تعاد من جديد ما بعد اعلان نتائج الانتخابات وهي ترفع شعارها #نريد وطن... ويبقى من القول لله في خلقه شؤون!

.............................................................................................

* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق