حضر الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون في مؤتمر بغداد للحوار الذي جمع الجوار العراقي مع دول عربية وخليجية فاعلة، فيما كان حضور ماكرون لافتيا لكونه رئيس الدولة العظمى والعضو الدائم في مجلس الامن.

فلماذا تشارك دولة عظمى مثل فرنسا منفردة في مؤتمر إقليمي صغير لم يحضره جميع زعماء المنطقة؟ وما هي اهداف زيارة ماكرون للموصل واربيل فضلا عن زيارته مواقع دينية مهمة مثل الامامين الجوادين في الكاظمية.

لا جديد من حيث الشكل العام للزيارة، لكن هذه ليست المرة الأولى التي يزور فيها الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون الشرق الأوسط، وإظهار نفسه كزعيم أوروبي يمثل القيم الغربية التي اهتزت في السنوات الأخيرة لاسباب عديدة ابرزها عدم وفاء الولايات المتحدة الأميركية بالتزاماتها تجاه دول المنطقة، سواء على مستوى الشعوب او الحكومات.

بعد انفجار مرفأ بيروت ظهر ماكرون بقميصه الأبيض وخطابه الرنان في مكان الانفجار وكأنه الاب التاريخي للبنانيين والزعيم الأوروبي الراعي لمصالح الشعوب الشرق اوسطية.

وقبل هذا التاريخ بدأت المسألة عندما شاهد الفرنسيون والاوروبيون ليس التخبط الأميركي فسحب، انما تخبط حلفاء اميركا في المنطقة، لا سيما بعد اعتقال السعودية رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري واجباره على تقديم استقالته أواخر عام 2017 ما اضطر فرنسا للتدخل بقوة للافراج عنه، ومن ثم زيارته باريس وعودته الى بيروت ثم عدوله عن استقالته.

وما عزز المسار الجديد للسياسة الفرنسية والأوروبية هي تهديدات الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب بالانفصال عن حلف شمال الأطلسي، واتخاذه قرارات بدون اخذ مصالح الأوروبيين بنظر الاعتبار فضلا عن تهديداته المستمرة بفرض عقوبات على دول حليفة لبلاده، وهو ما اثار حفيظة الاتحاد الأوروبي، وجعله يعيد حساباته الاستراتيجية.

مسار جديد

فالحضور الفرنسي في بغداد لا يخرج عن كونه استعراضاً للقوة هدفه الاساس تثبيت اقدامها في الشرق الاوسط في ظل الفوضى الكبيرة التي تشهدها المنطقة.

فالفرنسيون ومعظم اوروبا لا يريدون الاعتماد على الولايات المتحدة الاميركية كقوة حامية لمصالح الغرب في العالم، وهم يريدون الان اخذ زمام المبادرة بأيديهم وبطريقة شبه مستقلة عن الادارة الاميركية لا سيما بعدما شاهدوا من سوء ادارتها لملفات الشرق الاوسط وما تسببت من اضرار ستؤثر عليهم مستقبليا.

والحديث عن هذه المسألة لا يدور في أوساط الكتاب والمحللين فقط، انما يصدر بشكل متكرر عن مسؤولين في اعلى المستويات في الاتحاد الأوروبي، لأن الولايات المتحدة باتت تتخذ القرارات بمفردها، ما يستلزم اتخاذ خطوات جدية لحماية المصالح الأوروبية.

وفي السادس من أيار مايو الماضي ناقش وزراء دفاع دول الاتحاد الأوروبي مسألة تشكيل قوة عسكرية للتدخل السريع في مناطق الأزمات.

وبعد الانسحاب الأميركي السريع والمباغت من أفغانستان تعززت فكرة تشكيل القوة الأوروبية، اذ اعتبر مسؤول السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل، في تصريح له الأربعاء (1 أيلول 2021) أن حكومات الاتحاد يجب أن تمضي قدما بتشكيل قوة رد سريع لتعزز استعداداتها لمواجهة أزمات مستقبلية مثل ما حدث بأفغانستان.

ضبط بؤر التوتر

الفرنسيون ومعهم اوروبا معنيون باستقرار لبنان والعراق والدول الاخرى، لأن اي اضطراب في المنطقة سوف يصل مداه الى الاتحاد الاوروبي، كما حدث في سوريا التي تسببت بموجة هجرة كبيرة.

ومن اجل ضبط بؤر التوتر التي خلفتها الولايات المتحدة الأميركية فان تعزيز التواجد الفرنسي في المنطقة يزيد من فرصها في فرض الشروط التي تخدم مصالحها، ومن بينها منع الهجرة الى دول الاتحاد الأوروبي.

كما لا ننسى اننا بانتظار موعد نهاية السنة الحالية لسحب القوة القتالية الأميركية من العراق، لأن فرنسا تعتقد بضرورة التواجد الغربي لمحاربة داعش، وهو ما اكده ماكرون في مؤتمر صحفي عقده في العراق عندما قال ان بلاده "ستبقي وجودا لها في العراق لمكافحة الإرهاب، طالما أراد العراق ذلك أيا كان خيار الأميركيين".

بمعنى ان المسار الفرنسي سيكون مستقلا عن المسار الأميركي، لكن هذه السياسة الجديدة لو تم تطبيقا بشكل كامل ستضيف متابع مالية وعسكرية كبيرة قد لا يتحملها الفرنسيون ولا دول الاتحاد الأوروبي مجتمعة.

نعم ستبقى أوروبا بحاجة الى المساندة الأميركية لكنها على الأقل عرفت مخاطر اعتبادها على واشنطن في القرارات المصيرية، لان المصالح قد تختلف بين الطرفين.

اضف تعليق