الاخبار الأمنية تعد من ادسم الاخبار التي تذيعها وسائل الإعلام وتتسابق للحصول على السبق الصحفي فيها، حتى انها تحتل المراكز الأولى في النشرة وتتصدر الصفحات الأولى ايضا في الصحف نظرا لأهميتها وارتباطها بحياة الافراد بصورة عامة ولا يكاد يوم تخلو النشرة من ذكر خبر يتعلق بقضية امنية او خرق حدث هنا او هناك على الرغم من زيادة عدد القوات الأمنية العراقية الذي فاق المليون عنصرا.

وهذا الرقم من المفترض ان ينعكس بصورة واضحة على استقرار الحالة الأمنية، ولكن ومن الغريب ان الأوضاع غير مستقرة، ولا نزال نعاني الى اللحظة من خروقات متكررة، فما حدث في منطقة الطارمية ببغداد دليل لا يقبل المناقشة على الضعف الأمني الذي تتحلى به المنظومة الأمنية بصورة عامة.

ففي العراق لا يوجد توازن ابدا بين ما تم انفاقه على الأجهزة الأمنية وبين النتائج الواضحة على ارض الواقع، فعندما تطلع على حجم الأموال المصروفة على القوات الأمنية بكافة تشكيلاتها، تلمح وجود خلل كبير وتقصير واضح في أداء تلك القوات لمهامها رغم الاهتمام الحكومي الكبير في الجانب الأمني منذ تغير النظام قبل ثمان عشر عام والى الآن.

ومن مظاهر الاهتمام بهذا الملف هو ارتفاع اعداد قوات الأمن التابعة لوزارة الداخلية، فقد شهدت الوزارة نموا كبيرا في اعداد عناصرها بعد دخول القوات الأمريكية للبلاد عام 2003، ففي الوقت الذي لم يكن يتجاوز عدد المنتسبين للوزارة 40 ألف بحسب إحصاءات ما قبل الغزو، أشار المتحدث السابق باسم وزارة الداخلية عبد الكريم خلف إلى أن أعداد المنتسبين للوزارة عام 2018 وصل إلى 650 ألف منتسب، يشمل ذلك المتطوعين في الوزارة العسكريين منهم والمدنيين.

وبحسب البيانات التي اعتمدت في موازنة العراق لعام 2021 فان الرقم الكلي للقوات الأمنية تجاوز المليون وربع منتسب، وإذا ما قورنت هذه الأرقام مع تعداد سكان العراق الذي وصل إلى 40 مليون نسمة وفق آخر إحصاءات الجهاز المركزي للإحصاء التابع لوزارة التخطيط العراقية، فإن كل 40 مواطن يتولى مسؤوليتهم الأمنية رجل امن واحد.

وذكرت دراسات امنية ان الشعب العراقي يحظى بأعلى نسبة من قوات الأمن في العالم، وهذا ما قد يعطي انطباعا أن العراق يعد من أكثر دول العالم أمانا وفقا للأرقام، إلا أن الواقع يشي بخلاف ذلك، والكل يلمس ذلك، عبر الاغتيالات المتكررة في مناطق مختلفة من البلد.

الاعداد الضحمة لقوات الامن ارهقت الموازنات العامة للدولة العراقية، فقد انفقت الحكومة مليارات الدولارات على وزارتي الدفاع والداخلية فعلى سبيل المثال تم تخصيص 18.7 مليار دولار، الى جانب طلب قروض من جهات دولية لتسليح المؤسسات الأمنية العراقية، بمجموع قروض تبلغ قيمتها 600 مليون دولار، ليبلغ الإنفاق العسكري الكلي نحو 16.6% من الإنفاق العام للبلاد.

عدم قدرة هذا الكم الهائل من الأموال على النهوض بواقع المنظومة الأمنية يعود الى الفساد الذي يشوب عقود التسليح، فضلا عن المبالغة بأسعارها في الواقع، اذ يؤكد مختصين بالشأن العسكري ان صفقات كبيرة من الأسلحة تمت على أصناف خرجت عن الخدمة في بلدانها مما أدى الى عدم فاعليتها في المعارك التي دارت مع العناصر الإرهابية.

في الكثير من الدول لا يتم الاعتماد على الاعداد الكبيرة في الحفاظ على الامن المجتمعي، بل لجأت اغلبها الى تفعيل الجانب التكنولوجي بصورة كبيرة، حتى تكاد تخلو من العناصر الأمنية بالكامل، والاكتفاء بمنظومات المراقبة، ويمكن الاستفادة من التجربة الصينية، اذ يربو عدد سكان الصين على 1.4 مليار نسمة دون أن تكون لها نسبة كبيرة من القوات الأمنية كما في العراق.

اما في العراق فيتم الاعتماد على الجانبين التكنولوجي والميداني دون الوصول الى جذور الهشاشة الأمنية، وهنا يتساءل البعض عن السبب الحقيقي وراء الإخفاق الأمني المتكرر ما دامت تلك الإمكانات موجودة بالفعل، وقد يكون السبب المنطقي هو عدم ايمان العناصر الأمنية بقضيتهم، وبالتالي تكون المهمة مجرد قضاء وقت دون الاهتمام الحقيقي بحياة الافراد والسهر على راحتهم وحماية ممتلكاتهم من عبث العابثين.

وهذا يتطلب جهودا كبيرة من الجهات الحكومية التي تتصدى للملف الأمني، مع اجراء إصلاحات جوهرية في المنظومة المخترقة، ومن بين اهم الإصلاحات هو وضع الرجل المناسب في المكان المناسب، وإدخال العناصر الأمنية دورات تطويرية، للحفاظ على هيبة الدولة وفرض سلط القانون على الشارع المتمرد الذي لا يعترف بالقوانين ولا يحترمها بأي شكل من الاشكال.

وأخيرا تشريع او تعديل القوانين التي تضمن لرجال الامن تأدية واجباتهم دون الخوف من إنزال العقوبة بهم بعد إتمام مهامهم الأمنية، اذ يجنبهم ذلك الملاحقة العشائرية التي اعتبرت في الوقت الحالي من أكثر المعرقلات التي تقف امام القوات الأمنية ومنعها من محاسبة المقصرين او الأشخاص غير الملتزمين، وبالنتيجة نصل الى منظومة امنية متكاملة قادرة على تحقيق الانضباط المجتمعي ومنع الخروقات من الوقوع.

اضف تعليق