كل سؤال بحاجة الى جواب، ولكن يتعين قبل السؤال وجود كلمات تفسر الرغبة في المعرفة التي تدفع الذهن الى البحث، والتي إذا نطق بها صورت فورا حاجته ونقلته الى موضع الحصول على الإجابة، ولهذا عندما قرأت لكثير من الزملاء الكتاب بحثهم وتحليلهم لمصطلحي الدولة واللادولة، أردت أن أدلو بدلوي بينهم ولكن من وجهة نظر أخرى لم يطرق إليها أحدٌ منهم.

ماذا يعني مصطلح الدولة وما يقابله من مصطلح اللادولة؟

قلت سأبحث الموضوع من وجهة نظر اجتماعية، فكيف ينظر المجتمع للدولة؟ الدولة في رأي المجتمع وبكل بساطة: هي المؤسسات التي وجدت لتنظيم حياته ومساعدته للحصول على حقوقه كمواطن، وفق الدستور والقوانين المتفق عليها، وقد تولد مؤسسات جديدة أو تموت وحسب متطلبات المكان والزمان، كذلك وأن الفرد يعتقد أنه عنصر فاعل في هذه المؤسسات ومن مسؤوليته الحفاظ عليها وتطويرها، لأن ذلك يضمن له العيش الكريم له ولأقرانه، فهو بذلك يحب مؤسسات الدولة ويدافع عنها.

من هذه النظرة البسيطة للمواطن وعلاقته بالدولة، فهو يشعر بالأمن والأمان كلما انحسرت المشاكل في هذه المؤسسات، والعكس بالعكس، ولذلك فان المواطن الصالح لا يعمد الى تخريب الدولة ابدا، لكنه قد يعمد الى تغيير من يدير الدولة وهي (الحكومة)، لذا تراه في نقد وتصادم مع الحكومة لا مع الدولة.

فهو يرى (المواطن الصالح) أن كل معترض على سياسة الحكومة وطريقة اداءها وادارتها للدولة، أنه معارض ومناضل ووطني، لكنه بالمقابل يرى كل مشاغب ومخرب لمؤسسات الدولة بأنه فاسد ومنافق وانتهازي وغير وطني لأن الدولة ملك الجميع، والتخريب الذي يطالها هو اعتداء على جميع اقراد المجتمع، وكما يعبرون (غير مبرئ (مشكول) الذمة الى يوم الدين كل من اعتدى على المال العام).

والآن لنأخذ فاصل ونورد حدث تاريخي مهم لعنا نجد فيه غايتنا في بيان من هم أهل الدولة حقاً ومن هم الذين يمثلون اللادولة:

يحكى أن القائد المغولي "جنكيز خان" عندما هاجم مدينة "بخارى" ولما عجز عن اقتحامها، كتب الى أهل المدينة: أن من وقف في صفنا فهو آمن.

فأنشق أهل المدينة الى صفين اثنين:

الصف الأول رفض.... وأصر على المواجهة والدفاع عن المدينة وشعبها إلى آخر رجل

أما الصف الثاني فوافق على الرضوخ والاستسلام خوفا من بطش المغول

فكتب "جنكيز خان" لمن وافق على الرضوخ:

"إن أعنتمونا على قتال من رفض منكم، نولكم أمر بلدكم، ونمكنكم من الحكم والسلطة"

فتجند العملاء والخونة والجبناء والاغبياء ونزلوا لأمره، فدارت رحى الحرب بين أبناء الشعب الواحد...

أما جنكيز خان وجيوشه فوقفوا للفرجة والضحك عليهم!

في النهاية انتصر طرف العمالة، لكن الصدمة الكبرى والدرس الذي لا ينسى كان: حين قام التتر بسحب سلاح العملاء والخونة وأمروا بذبحهم جميعا، فقال جنكيز خان مقولته: لو كان يؤمن جانبهم ما غدروا بإخوانهم من اجلنا ونحن الغرباء.

بقي شيء...

أصبح من الواضح لدينا أن جميع من يعمد الى تخريب دوائر الدولة، فهو ليس منا ويجب محاربته، لأنه يمثل اللادولة بمفهومها المجتمعي الصحيح، ولن يجد له العون الا من شاكلته من المجرمين والمنحطين والفاسدين، الذين قال عنهم الله تعالى في كتابه المجيد "هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ (الحشر: 2)" يخربون بيوتهم بأيدهم! لا حول ولا قوة إلا بالله، أنظر الوصف المذل والمرعب والدال على الجهل، ثم يقول: فاعتبروا يا اولي الابصار، فهل يعتبرون؟

نعم إن ما نراه اليوم من تخريب ظاهرا او باطنا، مكشوفا او مستورا، انما هو من المخربين الفاسدين ومرتزقتهم الضالين، ممن يدعون بأنهم مسلمين! فأين الإسلام من ذلك؟ ونحنُ نعيش أيام الامام الحسين عليه السلام، هل خرب الامام المدينة المنورة عندما امتنع عن بيعة يزيد؟ هل خرب مكة والحج عندما وصل اليها والكل كان تحت طوع امره؟ اقرأوا مسير الحسين وسيرته وتعلموا منه، لا ترفعوه شعاراً لكم وأنتم أشد الناس جهلا به وبثورته. والسلام.

اضف تعليق