ثمة آراء توحدت في طرح سؤال عن أهداف بدعوة بغداد لعقد مؤتمر دول (جوار العراق الإقليمي)، المزمع إجراؤه نهاية آب الحالي، هل هي محاولة عراقية بحتة، أم هي خطة أميركية لمحاولة منح العراق دورا رياديا بالمنطقة، ومعالجة وضعه الداخلي والخارجي، أم هي رغبة عراقية أميركية مشتركة لتهدئة الوضع المحتقن بالمنطقة، أم هي رغبة شاملة (أميركية، عراقية، إيرانية، عربية). لصناعة سلام بعد التغيير الرئاسي في البيت الأبيض، وفي طهران، وينتظر أن يحصل بالعراق بعد انتخابات تشرين أول المقبل؟

جملة سيناريوهات طرحت على بساط النقاش بعد ما أعلنت بغداد دعوتها لاستضافة المؤتمر في أعقاب زيارة رئيس الحكومة مصطفى الكاظمي لواشنطن واللقاء بالرئيس الأميركي جو بايدن قبل أسبوعين، والذي على أثره خفت عمليات القصف المدفعي ضد مقار السفارة الأميركية ببغداد والقواعد العسكرية التي يتواجد فيها الجنود الأميركيين، وبموازاة ذلك توقف القصف الجوي الأميركي ضد مواقع عسكرية بالعراق وسوريا، كانت أهدافا لطائراتها في الأشهر الماضية، فالنيران الملتهبة خفتت، والبيان الختامي بين الكاظمي وبايدن بواشنطن، دعا بشكل صريح الى تحويل القوات القتالية للتحالف الدولي بالعراق بزعامة الولايات المتحدة، الى قوات للتدريب وتقديم الاستشارات العسكرية، وأعقب ذلك خطوة حسن النية بسحب أول دفعة للقطعات القتالية الأميركية من العراق الى قواعد في الكويت كما جاء في بيانين أميركي/ عراقي، ذلك يجعلنا ننظر لطبيعة مفاوضات فيينا للاتفاق النووي نظرة فيها رأي.

على أية حال، وصلت الدعوات الى بلدان جوار العراق الإقليمي، كما وصلت لبلدان شقيقة وصديقة، وفي مقدمتها مصر والأردن كونهما أصدقاء العراق في مشروع (الشام الجديد)، وبلدان الخليج العربي، وإيران وتركيا وفرنسا التي سيمثلها بالقمة الرئيس إيمانول ماكرون ضمن مشاركة على ما يبدو فيها توصية أميركية لإضفاء البعد الدولي للقمة، ولتحقيق جانب من أحلام ماكرون الطامح في تحقيق موطئ قدم لبلاده بالمنطقة، مثل بقية البلدان الغربية الكبيرة.

وعود على بدء، فما هي أهداف المؤتمر الذي جاء في توقيت صعب لقرب موعد الانتخابات التشريعية بالعراق في 10 تشرين أول المقبل، وانشغال القوى السياسية بالدعاية الانتخابية؟ بالحقيقة أن بلدان الجوار الإقليمي، تتأثر بوضع العراق، مثلما تؤثر فيه أيضا، لكن حكومة الكاظمي واضح انها تخطط الى الاستعانة بالدور الاقليمي والدولي للتعاطي مع ملفات حساسة ومهمة تتعلق بالأمن والخدمات، فضلا عن مكافحة الفساد.

وبالتالي ليس بالضرورة ان تكون أجندة قمة بغداد هي ملفات سياسية لا غيرها كونها تبحث عن الانتقال لوضع جديد، الا انه بسبب تشابك الملفات المعقدة فأن بغداد قد لا تحرك ساكنا لولا أن الجانب الأميركي كانت له بصمة واضحة في رغبة بصناعة سلام بالمنطقة، وإدراكا إدارة جو بايدن، بدور العراق المحوري، فبغداد هي المرشحة للعب دور المضيف لبلدان مجاورة، وغير مجاورة لكنها مرتبطة بالوضع العراقي مهما ابتعدت جغرافيا عنها.

كما ينبغي النظر للقمة من زاوية أخرى، بما أن العراق تحول الى ساحة صراع دولي واقليمي، ومن ذلك فالصراع الأميركي الإيراني، والسعودي الإيراني، وعلاقات شبه جامدة بين بلدان عربية شقيقة، وأيضا بين بلدان إقليمية، فضلا عن موقع العراق الاستراتيجي كونه يتوسط منطقة ملتهبة منذ 2003 فهذه وغيرها تشكل عوامل ضاغطة من وجهة نظر جو بايدن دفعت واشنطن وبلدان عربية وإقليمية للبحث عن لقاء يكون في ملتقى الصراع، والبحث في حلول ناجعة لها من هنا يمكن ان نفهم لماذا اختيرت بغداد.

ومن المؤمل أن يحضر رؤساء وملوك وأمراء للقمة، لكن من المؤكد من بينهم من سيكلف من ينوب عنه للتمثيل في القمة، وهذه ستكون دلالة تؤشر مدى التفاعل مع قرارات القمة، من عدمه، لكن بالمحصلة أن الأهداف المباشرة للقمة تتمحور في تخفيف حدة التوتر بين الرياض وطهران، وبين واشنطن وطهران بالدرجة الأساس، ومن ثم محاولة تحميل جميع الأطراف المشاركة بالقمة مسؤولية مساندة العراق الذي يعاني أعباء الصراعات الخارجية كونه تحول الى ساحة لها، وأيضا وطأة الحروب والتشظي السياسي الداخلي الذي يرتبط بولاءات وانتماءات خارجية، ومواجهته لحرب الإرهاب التي استنزفت كل مقدراته وأصبح عاجزا، وبحاجة لمن يفهم وضعه الداخلي، فإن لم يسانده على الأقل يكف الأذى عنه.

وهذا البلد بظروفه المعقدة ليس ببعيد عن وضع لبنان الذي أفلس ماليا جراء سياسة الولاءات المتعددة والتدخلات الخارجية، وهذا أحد العوامل المشجعة لتأكيد الرئيس ماكرون بالمشاركة في مؤتمر بلدان جوار العراق الإقليمي، وعليه سننتظر مزيدا من التفاصيل، كلما اقتربنا من موعد انعقاد القمة، وحتى ظهور القرارات التي ستصدر عنها، لكي نميز الأطراف الداعية للقمة والداعمة لحكومة بغداد، لكن أبرز استنتاج ظهر أن العراق يختلف تماما من حيث الاهتمام الأميركي به عن افغانستان.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق