تابعنا ما حصل ويحصل في أفغانستان عقب سيطرة حركة طالبان على جميع مفاصل البلد، حيث اجتاحت عناصر الحركة كل الولايات الأفغانية التي اخذت بالتهاوي تدريجيا امام عناصرها دون مقاومة من الحركات الشعبية او الجيش الرسمي الذي يفوق قوامه اعداد الحركة بضعفين او أكثر.

خبر اعلان الرئيس الأمريكي جو بايدن قبل شهور بان القوات الامريكية ستنهي تواجدها بالكامل على الأراضي الأفغانية، بعث الامل لدى قيادات الحركة بعودة السيطرة على البلاد بعد فقدانها لأكثر من عشرين عام، اذ سرع من تحقيق الحلم الطالباني هو تسارع الانسحاب الأمريكي خلال الأيام القليلة الماضية، واقتصار الوجود الأمريكي في مطار كابل لتأمين عملية المغادرة التامة.

بعد هذا الانسحاب السريع غادر الرئيس الافغاني أشرف غني الى طاجكستان مخلفا وراءه حالة من الفوضى، وشروع الآلاف من المواطنين الى الهروب على متن الطائرة الامريكية دون جدوى، فالأمريكان لا يقفون بجانب صديق، ولا يهمهم سوى مصالحهم وينتهي دعمهم له بانتفاء الحاجة اليه.

هذه الفوضى وحالة الترقب التي عاشها العالم وبضمنها العراقيين الذين يتساءلون عن إمكانية تكرر المشهد في بلادهم بعد قرار الانسحاب الأمريكي من العراق في غضون العام الجاري، هنالك من يتكهن بحصولها في العراق، معللا ذلك بان المحتل واحد وهو نفسه المنسحب، ويمكن ان تكون هنالك مقاربة بين التجربتين العراقية والافغانية.

لا يمكن ان يكون نوع من التقارب في النتائج بين البلدين في هذا الخصوص تحديدا فالعراق يختلف تماما عن الحالة الأفغانية، على الرغم من التشابه الكبير بدواعي الاحتلال، فدخول أفغانستان كان على خلفية اعتداءات برج التجارة العالمي في أيلول من العام 2001، وبعد هذه الحادثة شن الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش حربه لمحاربة الإرهاب كما وصفه.

اما العراق فكانت ذريعة دخوله وجود أسلحة الدمار الشامل وفي حقيقة الامر اتضح فيما بعد ان جميع الحجج التي تقدمت بها الولايات المتحدة لم تكن واقعية، بل مجرد إقناع للمجتمع الدولي او تبرير تدميرها واحد من اقوى دول المنطقة، ذلك لأنها لم تحظى بقاعدة او نفوذ فيه، لذا اختلقت الاعذار وشنت حرب الدمار التي قضت على مقدرات البلد وارجعته الى الوراء عقود.

تخطئ جميع التكهنات التي تقول ان العراق سيمر بنفس ما مرت به أفغانستان بعد الخروج الأمريكي من الولايات البالغ عددها 34 ولاية، وهنالك جملة من الأسباب تجعل صعوبة تكرار المشهد في الداخل العراقي، ومن أهمها هو كثرة الأحزاب التي حكمت البلد منذ تغيير النظام لغاية الآن، وهذه الأحزاب بالتأكيد ستقدم ما لديها من قوة ونفوذ في سبيل إبقاء الاستقرار وعدم انهيار الوضع القائم.

يمكن ان يحدث خلل بالتوازن الداخلي بعد الاحتلال، لكن ليس بالصورة المتوقعة، فهذا التنوع بمسؤولية القيادة سيكون الدرع الواقي لتكرار التجربة الأفغانية، ولا يمكن ان تتفق جميع أطياف الشعب العراقي على استمرار الفوضى مع استحالة حصولها خصوصا في الوضع الذي يعيشه العراق، من تعدد لقوى الامن وكذلك وجود الفصائل المسلحة التي تمارس دورا في الملف الأمني.

ومن بين الأسباب يوجد تأثير لقوى إقليمية في الملفات السياسية والأمنية والاقتصادية في العراق، واي خلل في مسير الأوضاع سيأثر على مصالح هذه القوى، ودليل ذلك هو المساهمة الفعّالة في الحرب على داعش، فكل دولة تدخلت بما يحمي نفوذها في العراق، وبالتأكيد لا تسمح هذه الارادات بحدوث إرباك للوضع القائم وستسعى مقاتلة للذود عن مساحات نفوذها غير الشرعي.

أضف الى ذلك ان أمريكا تتعامل مع جميع البلدان التي تدخلها حسب مقاييس المصالح والحسابات الاقتصادية، فالاقتصاد هو المحرك الأساس للسياسات الامريكية، ومتى تشعر بان وجودها سيلحق بها ضرر أكثر من حجم الفائدة، فإنها تفضل الرحيل، ولا يهمها الى ماذا ستنتهي الأمور بالبلد الحليف او الذي أصبح محطة من محطات التزود الاقتصادي، ومنفذ من منافذ البيع المباشر للأسلحة والخبرة الامريكية في مجال الحروب.

ولا يمكن ان نصدق ان تُقدم الولايات المتحدة على ترك العراق امام النفوذ الدولي الآخر، فهي تمتلك ترسانة عسكرية كبيرة في منطقة الخليج، ومن الجنون ان تُهدي إيران مثل هذه الهدية الثمينة، التي كلفتها ملايين الدولارات على مر أعوام من دخولها الى العراق، ويبقى إعلان الانسحاب الأمريكي القتالي من العراق نهاية العام الجاري، لا يعني بالضرورة انسحاب عسكري تام في ظل الخشية من شغل الفراغ إيرانيا وهنا يكمن الاختلاف وجوهر الصراع بين البلدين.

ما قام به الجيش الافغاني وهو تسليم الولايات واحدة بعد الأخرى دون ان يطلق إطلاقة واحدة، يصعب تفسيره في الوقت الحالي، على الرغم من وجود دلائل تؤكد امتلاكه أسلحة مختلفة ومتطورة، استولت عليها عناصر حركة طالبان، مما أدى الى السيطرة على البلاد في غضون ساعات، لكن لن يتكرر هذا ابدا مع الجيش العراقي، وقوى الامن الأخرى التي خاضت أشرس الحروب مع تنظيم الدولة وانتهت لصالحها بعد تضحيات كبيرة.

فقد أسهمت تجربة قتال داعش بتعزيز مكانة القوات الأمنية العراقية بمختلف صنوفها، كون القوات هي من استعادت المدن التي سيطر عليها عناصر التنظيم، بمساعدة الغطاء الجوي من قبل طيران التحالف الدولي، ومن المستحيل ان يقع العراق في الخطأ مرة أخرى ويعيد نفس المأساة التي مر بها اثناء حرب طرد العصبات الإرهابية.

وبعد كل هذا تبقى جميع الاحتمالات التي استبعدناها واردة، فلا ثوابت في الأوضاع القائمة وكل يوم هو في شأن، فما نعده اليوم مصدر قوة ومركز الاعتماد، (قوى الامن)، يمكن ان يكون غدا نقطة ضعف او ثغرة تتسلل من خلالها العناصر الاجرامية، وتعيث بالبلد فسادا مثلما عاثت عند دخولها عام 2014.

اضف تعليق