تراكم الازمات الداخلية في العراق ضاعف مجددا حركات هجرة العراقيين صوب الدول الاوربية بحثا عن جنتها فأصبحوا معتقلين، ففي السنوات الماضية ارتفعت هذه الوتيرة حتى أصبحت ظاهرة بين شريحة الشباب اليائس من الحياة في بلد مغطى بالخيرات، فعلى الحدود الليتوانية يتراكم العراقيين القادمين من بلاروسيا بانتظار السماح لهم بالدخول هربا من الموت البطيء.

نعم العراق بلد قابع تحت التراكمات والخراب وصنف من البلدان التي يصعب العيش فيها بكرامة، لكن هذا لا يعني ان افراده يقدمون على هذه المجازفة التي هددت حياتهم، فمشهد الشباب الذين يرتجفون خوفا وبردا، من المفترض ان تقوم له الدنيا ولا تقعد، وفي هذا الإطار هناك تحركات حكومية عراقية للخروج من الازمة وإعادة هؤلاء الشباب الى اهاليهم.

فعبور الشباب بشكل غير قانوني لليتوانيا عبر بلاروسيا حول قضيتهم الى خلاف سياسي حاد ومتشابك بين الدول الاوربية ذات العلاقة، لاسيما وأنها متوترة في الأساس، اذ اعتبر الاتحاد الأوربي هذا العبور عبر مدينة مينسك تواطؤ بلاروسي ويجب التعامل معه بجدية ووقفه للحيلولة دون تدفق اعداد كبيرة من المهاجرين غير الشرعيين.

وعلى هذا النحو طالب الاتحاد الأوربي العراق بان يمنع السفر عبر مطار بغداد الدولي لكيلا تقع مثل هذه الحالات، المصنفة خارج الإطار القانوني ومخالفة للعرف الدولي، لكن الصورة غير واضحة بالنسبة للاتحاد الأوربي، فأن سفر هؤلاء عبر المطار الرسمي للعراق يتم بشكل قانوني سليم، لأغراض السياحة، وبعد ذلك يحدث التمرد من قبل الافراد الذين ينخدعون بالمناظر الخلابة وكأنهم دخلوا الفردوس الأعلى وسيخلدون فيه.

وكأجراء مؤقت عملت الحكومة العراقية على إيقاف الرحلات الجوية عبر مطار بغداد الى بلاروسيا لمدة أسبوع، لم نعرف متى تنتهي صلاحية هذا العلاج ومساهمته في تقليل عملية تدفق المواطنين العراقيين لأغراض الهجرة غير الشرعية والتي تسبب للحكومة احراجات كثيرة وعلى مختلف المستويات.

المئة وواحد وسبعون الذين تم القاء القبض عليهم من قبل حرس الحدود الليتواني كانوا يحلمون بحياة خالية من المنغصات، الا انهم صدموا بمعاملتهم وكأنهم مجرمين، فهم لم يقترفوا شيئا فقط انهم باحثين عن وطن يحملهم، ويشعرهم بمكانتهم الإنسانية ويعيد إليهم كرامتهم المهدورة.

ولا نضع اللوم وننسب النتائج جميعها الى خطأ الفعل الحكومي، فبعض الافراد أكد انه دفع خمسة عشر ألف دولار، وهو مبلغ يكفي لفتح مشروعا تجاريا بسيط، يوفر لقمة العيش بكرامة دون الاضطرار لخوض هذه الرحلة المميتة والمذلة من البداية وحتى النهاية، فلا يوجد أفضل من الوطن لاحتضان ابناءه، فهم في ليتوانيا يعيشون ظروف أصعب مما مر بهم في العراق، مكدسين بأماكن اشبه بالمعتقلات، تبخرت احلامهم وتدمر مستقبلهم الذي يحلمون به.

فلا يعقل ان يدفع الفرد مبالغ طائلة للذهاب بنفسه لمكان الحبس والاعتقال او يصبح كورقة لتصفية الحسابات بين بيلاروسيا وبلدان الاتحاد الأوروبي، سيما ليتوانيا المجاورة لها، فكبش الفداء هنا هم العراقيين، وسيدفعون الضرائب دون غيرهم من شعوب العالم، التي تعيش الاستقرار النسبي والرفاهية بجميع المجالات.

تصرفات الافراد العراقيين المغرورين بحياة الغرب بما تحمله من علاّت ستنعكس بالسلب على البقية، فبعد ان خرج الفرد العراقي من دائرة الانغلاق والانعزال عن العالم، عقب عام 2003، فمن الممكن العودة الى المحاصرة من قبل المجتمع الدولي، فأصبح شخص غير مرحب به في جميع البلدان، والسبب بذلك يعود لعدم احترام القلة لقوانين السياحة الدولية، مما قد يؤدي الى حرمانه من الدخول لكثير من الدول.

وهذا الحال يجعل الحكومة العراقية في موقع الحرج امام المجتمع الدولي وتحديدا البلدان السياحية، فلا يحق لها وفق قانون حقوق الانسان ان تمنع مواطنيها من السفر خارج حدودها، إذا كان السفر يتم بصورة شرعية وقانونية، وبالنتيجة يصعب عليها التمييز بين من يحمل هذه النوايا بداخله ويتخذ السفر مع المجموعة، (الكروب)، وسيلة للوصول لأحدى الدول الاوربية.

وفي نفس الوقت لا يمكن ان يكون هذا التصرف سببا لمنع الرحلات الجوية بصورة دائمية، اذ يترتب على هذا تبعات اقتصادية وإرباك في العلاقات الدولية القائمة، في الوقت الذي يسعى فيه العراق للانفتاح على المحيط الإقليمي والدولي، كجزء من سياسية استعادة دوره المؤثر في المنطقة والعالم.

المضحك المبكي ان العراقيين يقعون ضحية سوء الأوضاع وترديها في بلادهم، وحتى عندما يحاولون الهرب من الجحيم الذي يلحق بهم، يقعون في أتون صراع آخر لا ناقة لهم فيه ولا جمل، ويبقى مسلسل الاحداث والمعاناة في تواصل مستمر، تتعدد فصوله والممثل والضحية هو الفرد الذي لا يجد من ينهي معاناته ويخفف من همومه.

اضف تعليق