بينما كانت تونس تستعد للاحتفال باتمامها إحدى عشرة سنة على انطلاق شرارة الربيع العربي، استولى الرئيس قيس سعيد على السلطة بمساعدة عسكرية وتفاهم دولي، قام سعيد بتجميد عمل البرلمان لمدة ثلاثين يوماً وإعفاء رئيس الوزراء هشام المشيشي من منصبه.

ردود الافعال العربية كانت متباينة بحسب قربها أو بعدها من الأخوان المسلمين الذين يسيطرون على مساحة واسعة من تفكير الشارع التونسي، لكن أن يكون معيار المواقف نابع من علاقة عدائية أو صداقة مع الأخوان فهذا يعبر عن مشكلة متأصلة لدى الشعوب والحكومات العربية.

من يقف في خط الأخوان يعتبر ما حدث انقلابًا، لأنهم يملكون الشارع، واستطاعوا تحقيق نجاحات سياسية أوصلتهم إلى قصور الحكم في مصر _وانقلب عليهم الجيش_ وتونس التي يتمتعون فيها بنفوذ واسع وهم على حافة الهاوية وربما في قلبها.

ومن حيث المنطق فإن الحزب الذي يلتف حوله الشعب يملك شرعية تمثيله ولا يحق لأحد انتزاع السلطة منه، لأنها في الأصل سلطة الشعب التي منحها للحزب عبر الانتخابات.

لكن هذا الفريق يتجاهل كيفية سيطرة الأخوان وغيرهم عبر استغلال الدين لدفع الناس للتصويت لصالحهم، وهذا يتناقض مع قواعد الديمقراطية.

وبالنسبة للحجة الثانية (استغلال الدين) فتلك حجة يسوقها أصحاب الرأي المعارض للأخوان المسلمين، لأنهم في الحقيقة يستغلون الدين لتحشيد الناس، ويستغلون الديمقراطية للاستيلاء على السلطة، بينما هم لا يلتزمون فيها إلا بما يحقق مكاسبهم على حساب خصومهم.

في المختصر يملك الأخوان الجماهير عبر الشعارات الدينية وتسويق فكرة الحكم الإسلامي، بينما يملك خصومهم الجيش ودعم الدول الكبرى التي لا تهتم بالقواعد الديمقراطية _رغم رفع شعاراتها_ بقدر اهتمامهم بتولي السلطة من قبل حلفائهم ديكتاتوريين كانوا أو غير ذلك.

خذ على سبيل المثال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وحكام الخليج الذين لا يمارسون الديمقراطية في اي شيء وميزتهم الوحيدة تحقيق مصالح الدول الكبرى، وهذا يعطيهم زخمًا قويا للاستيلاء على السلطة بغض النظر عن القواعد الديمقراطية.

بعد هذا الاستعراض يمكن القول أن الصراع الجاري في تونس ليس على استمرار النظام الديمقراطي من عدمه، بل استمرار حلفاء كل طرف وتمسكهم في السلطة بأي طريقة كانت.

والحال ليس حكرًا على تونس التي تعد الأكثر تطورًا من الدول العربية الأخرى كما يشاع، إنما هذه هي حالة الدول العربية، فمشكلتنا لا تتمحور حول تعزيز قواعد الديمقراطية، نحن ندعي الالتزام بها والدفاع عنها، وفي التطبيقات نمارس أسوأ ما يدمر البناء الديمقراطي.

والأسباب التي تشرح فشلنا الديمقراطي عديدة أبرزها:

أولًا: غياب محورية التأصيل الديمقراطي وشيوع الديمقراطية الشكلية أما إرضاًء للرأي العام الداخلي والخارجي، أو من أجل استخدامها مطيًة للاستيلاء على السلطة، ولذا قلما تجد انتخابات تنافسية نزيهة.

ثانيًا: تغييب حرية التعبير من قبل السلطة بحجج واهية، وعدم تعود الشعب على ممارسة هذه الحرية والدفاع عنها بتجرد كحق أصيل لكل المواطنين.

بمعنى أن المواطن لا ينظر لحرية التعبير كحق عام وأصل وطني متاح للجميع ممارسته، بل ينظر إليها بمنظار القرب أو البعد الأيدلوجي، فلو كنت من جماعة إسلامية وشاهدت السلطة تقوم بالتضييق على حريات جماعات غير إسلامية، نادرًا ما نجدك كإسلامي تدافع عن حريات هؤلاء غير الإسلاميين، والعكس صحيح تمامًا.

ثالثًا: تغليب الروابط الدينية والعشائرية على حساب الروابط الوطنية العامة، فعندما تتعارض هذه الروابط (الدينية والعشائرية) مع الدستور والقوانين النافذة التي تمثل الرابطة الأكثر عمومية في البلد تجد المواطن العربي يدافع بشراسة عن العلاقات الأولية (الدين والعشيرة) على حساب علاقات قوانين الدولة.

رابعًا: دعم الغرب للحكام الديكتاتوريين على حساب تعزيز قواعد الديمقراطية بحجة الحفاظ على استقرار الوضع القائم، ولست بحاجة إلى شواهد لأثبت كلامي فكل الديكتاتوريات العربية مدعوم من الدول الغربية.

وبجانب هذه الاسباب التي تقتل الديمقراطية العربية في كل مرة نحاول أو يحاول غيرنا زراعتها على أراضينا هناك مشكلة "البحث عن رئيس قوي"، وهي ليست مشكلة عربية خالصة، إلا اننا أكثر من غيرنا بحثًا عن زعيم قوي يحكم البلاد، وقد لا أخطيء إذا قلت أن سبب البحث عن هذا الزعيم القوي يعود للتناقضات آنفة الذكر التي يعجز المواطن عن إيجاد مخرج منها إلا عبر إسناد المسؤولية إلى زعيم حديدي.

أي اننا لا نكاد نزرع الديمقراطية حتى نصاب بالذعر من المشكلات التي ترافقها، فنعود صاغرين بحثًا عن الديكتاتورية والحكام العسكريين الذين يستمدون سلطتهم من الإكثار في القتل وتقديم التنازلات المستمرة للدول الكبرى.

تلك مشكلتنا في العالم العربي، وتونس قد تكون متقدمة نوعًا ما في تعاطيها مع القواعد الديمقراطية، لكنها في النهاية دولة عربية لا تريد الخروج التام عن القطيع.

اضف تعليق