خلال شدة جائحة كورونا منتصف عام ٢٠٢٠ ذهبت إلى إحدى العيادات الخاصة في قضاء طويريج، عرفت أن الطبيبة تبيع الكفوف بسعر أعلى من السعر الرسمي بـ٢٠ ضعفًا تقريباً، فقد كانت الحكومة تفرض لبس الكمامة والكفوف في العيادات، والطبيبة لا توفرها بسعر الجملة كما يفترض لأن بيع الكمامات ليس من وظيفتها وليس من عملها التربح ببيع الكمامات، لكنها فعلت وقامت بييعها بسعر أعلى حتى من الصيدليات المتخصصة، مستغلة القرار الحكومي.

أنا لم ادخل للعيادة، ولم أعرف في البداية لأن المريض أجبر على شراء الكفوف الرديئة وباسعارها المضاعفة، لكن المريض الذي اخذته ومنعت من الدخول معه تحدث عن سعر الكفوف بشكل عرضي في اليوم التالي لزيارتنا العيادة.

أكدت عليه لأعرف أنه لم يخطئ السعر، فقال وهل أكذب جيبي؟ ويقصد الأموال التي دفعها في العيادة مجبراً.

ولم أكن استطيع الذهاب للعيادة مجددًا لأبلغهم بأن فعلهم هذا خاطئ ويتنافى مع القواعد الاخلاقية والقوانين النافذة التي تمنع الاستغلال وزيادة الأسعار، لأن الحكومة كانت قد فرضت حظرًا للتجوال ولا تسمح إلا للمرضى والحالات الخاصة.

كتبت منشورً قصير على الفيس بوك، وذكرت العيادة والطبيبة بالاسم، وقلت أن هذا العمل غير إنساني ويعبر عن حالة من عدم التضامن، بل ويؤكد جشع الطبيبة، لأن الكفوف التي كانت تبيعها بأضعاف سعرها لا تساوي شيئًا وهي مثل الكيس الذي نأخذه مجانًا من البقال عند شراء الفواكه والخضروات، فلا قيمة تذكر لهذه الاكياس.

بعد ساعة من نشر المقال انهالت الرسائل الخاصة، "دكتور ارجوك احذف المنشور فقد تسجن بسببه"، قلت لهم إنني صحفي وعملي كشف أساليب الاستغلال ومواطن الفساد.

أحدهم كان محاميًا درسنا معًا في الثانوية، قال لي أخشى عليك السجن، أرجوك إما أن تحذف المنشور أو تعدله وحذف اسم العيادة والطبيبة، قال لأن ذكر الأسم يدينك بتهمة التشهير.

لم أقتنع بكلامه، راجعت قانون العقوبات، فانتابني الخوف، لأن كلامه كان دقيقًا ويمكن أن أسجن لأنني ذكرت الاسم وهذا يعد تشهيرًا، لكنني اتصلت باستاذ في القانون، عرضت عليه القضية فخفف من مخاوفي لكنه أكد أنني على حافة الخطر وإذا كانت الطبيبة متشددة معك، واستخدم القاضي حدود القانون فستجد نفسك بالسجن، وطلب مني حذف المنشور لأن القانون مع الطبيبة ضدي رغم كل الأدلة والشواهد التي تثبت جشعها واستغلالها للمرضى.

اضطررت لحذف المنشور فالقانون قد يحاسبني على بعض الكلمات خلال كتاتبي عن استغلال في جزء صغير من مفاصل الدولة العراقية.

القوانين العراقية وعلى رأسها قانون العقوبات مليئة بالمواد المعرقلة لكشف الفساد، والحجة دائمًا هي الحفاظ على الخصوصية، إلا أن حقيقة هذه القوانين انتجها الحكم الديكتاتوري الذي لا يؤمن بالرقابة الشعبية والاعلامية، ويحمي المسؤولين والموظفين الحكوميين المنفذين لسياسة النظام الحاكم.

واستمرت هذه القوانين حتى يوم الناس هذا، قوانين وجدت لحماية النظام وكبت الرقابة الشعبية والإعلامية، ولا أكاد أبالغ إذا قلت أن النظام الحالي الذي جاء بعد عام ٢٠٠٣ تقصد عدم تعديل أو الغاء تلك القوانين، لأنها تحميه من المحاسبة وتضع جدارًا سميكًا بين عملية الافساد وعملية الكشف والمحاسبة.

هذا الجدار القانوني هو الذي يجبر هيأة النزاهة على عدم كشف اسماء الفاسدين رغم إدانتهم قضائًيًا، وتكتفي الهيأة بذكر صفة المدان، (مدير عام أو محافظ سابق).

فإذا كان الشخص مدانًا ولم يعلن اسمه أمام الرأي العام، فقد تجري صفقة سرية لتبرئته، لا سيما وأن الشعب لم يعرف من هو المحافظ أو المدير العام السابق.

جدار الخصوصية للمجرم مثل دودة الارضة تدمر البناء دون أن يشعر بها أحد، وهذه القوانين وغيرها هي التي شجعت الفاسدين على فسادهم والأحزاب على محاصصتهم، والنتيجة بلد يحترق، ومواطن يذهب للتدواي من المرض فيحترق في مستشفى ابن الخطيب في بغداد أو مستشفى الإمام الحسين عليه السلام في الناصرية.

فلا اختلاف بين القانون والمستشفى، القانون في شكله الخارجي وجد لمعاقبة المجرمين والفاسدين، وفي حقيقته يحميهم بطرق شتى، والمستشفى وجد لمعالجة المرضى، وفي حقيقته مكان لممارسة الفاسدين أعمالهم السيئة فيتمادون مستغلين الحماية القانونية لينتهي الحال إلى احتراق المرضى من شدة الفساد وشدة الحماية القانونية للفاسدين.

اضف تعليق