بعد أن فقدت الحرب جدواها أي معنى بقي للحرب؟

مهما بدت الحرب كأكثر الممارسات التقليدية تشبثاً بوحشيتها وبدائيتها التي تعتبر جزءاً من وظيفتها وسيمائيتها، فإن التحولات التي طرأت على مجالها لا تقل أهمية عن كل التحولات التي تشهدها ميادين النشاط البشري من الفكر حتى السياسات. وهو التحول الذي يفرضه واقع التطور التقني نفسه وكذا السياسات التي تصنع الحرب أو تلك التي تبعثها الحرب نفسها.

إن السياسة هي الغاية الأسمى للحرب وإلَّا غدت حرباً بلا هدف؛ وهو وحده الشرط الذي يجعلنا منطقيين حينما نسميها حرباً عقلانية. فالحرب مهما بلغت شراستها لا بد لها من هدف سياسي. وعلينا ألَّا ننسى أنْ لا شيء يستغني عن السياسة حتى الحرب. هذه الأخيرة ليست بديلاً عن السياسة، بل هي -حسب المقولة الشهيرة لكلاوزفيتس-: استمرار للسياسة بأسلوب آخر.

إن التحولات التي يشهدها الاجتماع البشري حتمت عليه أن يحدث هذا التحول حتى في أشرس الممارسات وأكثرها بدائية. هناك تحولات تصيب مفهوم الحرب ومعناها. وهو التحول الذي بدا لكثير من المراقبين أشبه باللامعنى أو وهم الحرب؛ نظراً لكونها -أي الحرب- لم تعد هي الحرب في تصورنا التقليدي.

يقارب بورديار مفهوم الحرب الجديدة نقديًّا حينما يفكك معناها الذي يبدو أكثر وهماً وتزييفاً حتى بدا له نوعاً من «تعويض الحرب بعلامات الحرب». ومثاله على ذلك حرب الخليج التي خاضها الأمريكيون بديلاً عن حرب عالمية ثالثة وعن حرب نووية بلا أسلحة نووية؛ من حيث تمثلها للآثار نفسها للحرب النووية.

ففي نظره هي نفسها الحرب النووية في شدة مفعولها وفوريتها وشلّ الخصم عن القدرة على المواجهة. ففي هذه الحرب «تكون الضربة الأولى هي الأخيرة». وحيث لم يكن بإمكان أي كان أن يفجر هذه الحرب لاستحالتها أو عدم الإيمان بجدواها لم تكن إذن حرباً عسكرية حقيقية. إنها حرب مضللة «حرب بهدف التضليل». وهي أيضا حرب على الرأي العام عبر وسائل الإعلام.

ويدل على هذا التضليل كونها -أي الحرب- تنتهي بحالة من الفتور لا يوجد معه أي إحساس بالابتهاج وإن انتهت بالانتصار. وكونها لا تنتهي بنتيجةٍ هذا لا يعني أنها لا تنتهي بآثار تخلفها وراءها.

ومن هنا كتب بودريار عن حرب الخليج بعنوان معبر: «حرب الخليج لم تقع». هذا القدر من التعاطي النقدي مع مفهوم الحرب الجديدة وغموض مفهومها أو التباس معناها له معنى آخر عندما يتعلق الأمر بالمنظور العسكري المحترف. فالأمر ليس من بنيات فكر مراقبين متفلسفين يهمهم البحث على هامش المعنى المعطى. بل إن هذه القناعة أصبحت واضحة عند منظري الحرب وجنرالاتها. ووحدها تلك الرؤية تجعلنا ندرك مدى تطوح كل التدخلات العسكرية الكبرى التي باتت اليوم تدرك إلى أي حدٍّ جازفت في سياساتها التدخلية، والمثال الأبرز هنا: العراق وأفغانستان والصومال ولبنان وغزة... إن الحرب فقدت جدواها ولا بد من أن تجد السياسة بديلاً عن الحرب الكلاسيكية. وهذا هو التحدي الذي يواجه العالم ويجعله يعيش اليوم فترة انتقالية على أمل القبض على معنى جديد عن حربٍ لن تضطره إلى خوضها داخل التجمعات الإنسانية.

ولتوضيح ما آل إليه وضع الحرب ومفهومها اليوم، لن نجد أفضل شهادة مهنية من صاحب «جدوى القوة»، الجنرال البريطاني، روبرت سميث. هذا الأخير هو مسؤول عسكري قال عنه جون كيغان من ديلي تلغراف: «جندي بريطانيا وواضع استراتيجيتها الحربية البارز في هذا العصر». وقد كان شاهداً على الغزو الأمريكي للمنطقة كما كان شاهداً على معارك الاستنزاف ضد قوات التحالف في العراق وأفغانستان. خبرته مضافة إلى استيعابه لكبرى نظريات الحرب من نابليون حتى كلاوزفيز تمنحه الكثير من المصداقية فيما يقول وإن كانت طبيعة الأشياء تحكم ببداهته.

قيمة هذا العمل في أنه معاصر جدًّا سواء في معطيات الحرب أو في المنظور الفلسفي لها. لقد استند إلى نظرية الثورات البنيوية كما يجسدها مفهوم الباراديغم عند فيلسوف العلم المعاصر نوماس كون. باختصار إن هناك تحولاً كبيراً في مفهوم الحرب، يعبر عنه روبرت سميث بالقول: «فالحرب كما يفهمها جمهور غير المحاربين هي معركة في الميدان بين الرجال والآليات، وحدث ضخم حاسم لصراع ما في الشؤون الدولية؛ هذه الحرب لم تعد موجودة».

بهذا يؤكد الخبير العسكري أن شيئاً ما لم يعد ممكناً ألا وهو الحرب الصناعية. أي أنه لم يعد اليوم مستساغاً اشتباك جيشين في ميدان قتال. ومثل هذا إن حدث لن يدوّن ولن يكون حاسماً. هناك إذن تحول باراديغمي في معنى الحرب. ففي المجتمع العلمي كما يشير روبرت سميث على نحو المقايسة، ما يمنع من التحولات العلمية نتيجة الاعتراضات الشديدة وكبت الافتراضات لاستمرار النموذج القائم. وتحدث الثورة بتدخل عامل خارجي يضطر إلى إعادة وضع الافتراضات الجديدة وتصحيح القديمة.

وعلى هذا الأساس يؤكد الجنرال أن إدخال السلاح النووي هو الذي جعل الحرب الصناعية مستحيلة. استمر هذا منذ 1945م؛ أي طيلة الحرب الباردة التي اعتبرها ليست حرباً بقدر ما هي مواجهة ممتدة. لن توجد ساحة لمواجهة بين جيشين، بل هناك فقط شيء يسميه روبرت: الحرب وسط الناس. هي إذن حرب استنزاف تحيّد كل عناصر القوة لدى الجيوش النظامية الكبرى. حرب في الأزقة والشوارع وبين الناس. بقدر ما تستنزف قوة العدو فهي تحرجه سياسيًّا. وقد تنجح العملية العسكرية لكنها لن تحقق الأهداف المرجوة. ذلك مادام للحرب بين الناس شروط وقواعد مختلفة تماماً. والمشكلة أن الكثير من الدول لا تزال تفكر في الحرب على الطراز القديم والنموذج الذي لم يعد ممكناً مهما استقوت وتقوت.

الحرب بمعناها القديم لم تعد ممكنة لأنها لا يمكنها أن تحقق أهدافها. هي إذن قوة بلا جدوى. كما أن الإعداد والتخطيط مهما بلغ فهو لا يحسم في المعركة، لأن العدو ليس هدفاً سهلاً أو خاملاً بل هو عدو مناوئ ومناور وقابل للتحدي والاستجابة والتكيف مع ظروف الحرب. مفهوم الحرب الجديد يظهر أن إسرائيل لا زالت محافظة على هذا النمط لأنها لا تتقن سواه. وهذا ممكن ملاحظته لو طبقنا فكرة روبرت سميت في موضوع الإعداد للحرب. أي إن المسألة لا ترتهن لهذا التخطيط، بل المعركة هي في نهاية المطاف «يوماً بيوم، فاليوم معركة وغداً معركة أخرى في ظروف مختلفة وإن في المكان نفسه وبالقوات نفسها تماماً».

لم يُهمل روبرت سميث واقع الحرب مع إسرائيل كمثال حي عن التحول في مفهوم الحرب. فوفق هذا المنظور الجديد لا يمكننا اعتبار إسرائيل قد انتصرت انتصاراً استراتيجيًّا في الحرب ليس فقط على المقاومة بل حتى على النظم العربية. فعلى الرغم من نجاح إسرائيل في عملياتها العسكرية ضد الجيوش العربية وقدرتها على ردها عن حدودها، كانت مصر قد دخلت إلى غزة كما دخلت الأردن إلى الضفة الغربية. لكن «بالرغم من النصر العملياتي لإسرائيل، لم يحقق أي من الطرفين حسماً استراتيجيًّا، وعاد الوضع إلى حالة المواجهة الاستراتيجية».

وحتى حرب السويس -في نظر روبرت سميث- لم تكن حرباً بقدر ما كانت عمليتين عسكريتين شنتهما إسرائيل بمساندة فرنسية وبريطانية. ويعتقد روبرت سميث أن بريطانيا وفرنسا لم تهزما مصر حينها لأنهما لم يستعملا القوة في السياق المناسب. لقد فشلا في تغيير أهداف عبد الناصر ونظامه وشخصه. بل حتى في حرب 1973م ورغم الدعم الأمريكي وتمكن إسرائيل من بلوغ مشارف دمشق ومحاصرة الجيش الثالث المصري، إلا أن هذا النجاح في ميدان القتال لم يحجب الفشل الدبلوماسي والعسكري الكبير لإسرائيل التي فقدت 2.700 جندي في حين تمكنت مصر وسوريا من اعتبار ذلك نصراً بعد أن تعرضت القوات الجوية الإسرائيلية إلى خسائر فادحة.

بهذا المعنى لم تحقق إسرائيل يوماً سوى نجاحات تكتيكية فيما ظلت الحرب الاستراتيجية مفتوحة. وفي ضوء هذا التقريب الجديد لمفهوم الحرب عند روبرت يمكننا فهم السياق الذي يمكن للمقاومة استعمال قوتها فيه أيضاً. فمع حديثنا عن الهزيمة العربية في حروبها مع إسرائيل لا يمكننا الحديث عن انتصار استراتيجي لإسرائيل. انتظرت إسرائيل أزيد من ستين سنة وهي صامدة استراتيجيًّا لكنها لم تحقق حسمها النهائي. وما تبقى في عمر الحروب يجعلها غير قادرة على اعتماد التفوق الاستراتيجي في القوة، لسبب بسيط جدًّا، هو أن كل شيء تغير: مفهوم الحرب وكذا جدوى القوة وسياقاتها.

ستون (60) سنة إذن من المواجهة غير الحاسمة، لم تكن في صالح إسرائيل. بل هي اليوم، ووفق هذا المنظور الجديد للحرب، في صالح العرب. لأن مفهوم القوة ومفهوم الاستراتيجيا يعرف تحوّلاً جذريًّا. ذلك -وحسب روبرت سميت- أن إسرائيل أصبحت في مواجهة ناس وليس في مواجهة دول. فحتى الآن، «كان الفوز باختبار القوة مفيداً جدًّا حتى هذه المرحلة، لكن من الآن فصاعداً، بالمواجهة الجديدة مع الشعب الفلسطيني، يجب أن يصبح الفوز بصراع الإرادات الهدف الأسمى».

ليست إسرائيل وحدها بل كل القوات الأوروبية قوات حلف الناتو وغيرها تكدس الأسلحة وتحقق حضوراً لافتاً في مناطق التوتر وتذهب إلى ما وراء البحار بقصد خوض حرب صناعية بينما تجد نفسها في حرب وسط الناس. بل هناك ما هو أسوأ -حسب روبرت- حينما تساهم بهذا الاستعمال المفرط للقوة، في خدمة جهود العدو. في الحرب الجديدة، أي الحرب وسط الناس، لم يعد العدو واضحاً ولا الأهداف واضحة. وحيث لم يعد في إمكان الدول حسم المعارك فالتدخل سواء في البلقان وأفغانستان والعراق لم يكن بغرض الحسم ولكن بغرض «إقامة حالة» تستتبعها أعمال الإغاثة الإنسانية وفتح المجال للتفاوض السياسي.

ويعتبر مفهوم «إقامة الحالة» بديلاً في الحرب المعاصرة عن مفهوم الحسم الاستراتيجي في الحرب الكلاسيكية. وحيث لم يعد ممكناً تحقيق الحسم الاستراتيجي، أي ما دامنا لم نعد قادرين على تحقيق أهداف استراتيجية صلبة وإنما مجرد أهداف مرنة ومعقدة كان أولى أن نتحدث عن مفهوم جديد للأهداف: أهداف دون استراتيجية (sub-strategic).

يتساءل روبيرت سميث: ما العمل؟ وهو السؤال الذي أوحت به إحدى كراريس لينين «ما العمل؟» من هذا المنطلق يؤكد روبرت أهمية إحداث ثورة في تفكيرنا. أي التفكير في بديل عن الحرب وسط الناس. ينصح الجنرال السياسيين والديبلوماسيين بألَّا يتوقعوا من العسكريين أن يحلوا مشكلاتهم بالقوة خارج السياق السياسي. إن المسألة -في نظر روبرت- أننا إذا أصررنا على النظر إلى الحرب بوصفها صناعية محض، فإن القوة العسكرية لا محالة ستفقد جدواها.

* نشر في مجلة الكلمة، العدد (66) السنة السابعة عشر، شتاء 2010، 1431
http://kalema.net

اضف تعليق