ملفات - عاشوراء

عاشوراء وفلسفة الحدث الحسيني

قومة عادلة ونهضة تحررية من أجل الإنسان. . كل الإنسان!

في أي إطار لفلسفة التاريخ يجب قراءة الحدث الحسيني؟

تعرض على تاريخ البشر أمور كثيرة وحوادث لا تحصى. بعضها راسخ في الزمان وبعضها عارض زائل تذروه رياح النسيان. وبعضها يكاد يغطي على باقي الأحداث حتى يكاد يحسب من جنس الراسخ في الزمان، لكن سرعان ما ينسى وتندثر آثاره من لوح التاريخ وتطوى صفحته ولم يعد يمثل في وجدان الناس ما قد تحدثه وقائع أخرى تتميز بخصائص، بعضها واضح وبعضها الآخر خفي، يجعلها أحداثا تعيد إنتاج نفسها ضمن عناوين لا يبليها تقلب الأزمان وتحول العمران.

لعل الفارق الأساسي بين واقعتين من هذا القبيل، هو عرضية الأولى والطابع الجوهري للثانية. ففي مسيرة التاريخ هناك ما هو حادث بالذات وهناك ما هو حادث بالعرض. وكما هو شأن العضوية الحية هناك حقائق تظل راسخة وتغدي التاريخ وتصبح جزءا من معناه وفلسفته، وهناك أحداث هي عبارة عن فضلات الصيرورة وعوارضها لا يحفل بها التاريخ، ولا تمثل إلا ما يمثله الغبار الذي تثيره العواصف الهوجاء أو النقع الذي تثيره حوافر الأفراس في عدوها نحو أهدافها. فحول كل حدث جوهري هناك تداعيات وهناك آثار وأصوات وضجيج أو لنقل، هناك غبار وقع الأحداث. فهي بذلك لا تصلح إلا علامات وإشارات لما هو أبعد وأهم وليست هي جوهر الحدث التاريخي.

والتاريخ وحده يستطيع، حينما يصبح فلسفة قائمة، أن يميز بين ما كان بالذات وبين ما كان بالعرض من جملة ما يحدث على صفحات الزمان. وحده التاريخ وفلسفته يستطيعان أن يميزا بين وقائع وجدت لتشكل جزءا من بنية الزمان التاريخي وأخرى وجدت كتوابع وكعلامات وكفضلات لوقائع مرت من هاهنا، لتخلد بمعناها وتصبح جزءا من حركة التاريخ. والحق يقال أن الأحداث التي من جنس ما بالذات هي وحدها فقط التي تعتبر أحداثا تاريخية. وما عداها مهما بلغ صيته وعلا ضجيجه وتغلب على غيره من الأحداث، لا يعتبر أحداثا تاريخية. إن علم التاريخ هو علم بأحوال الماضي، أي بما مضى من حوادث. هذا التعريف لا يفي بالغرض بل هو موضوع إشكالية نقد الخطاب التاريخي اليوم. إذا كان المؤرخ لا يستطيع التمييز بين أحداث حقيقية وأخرى عارضة فهو كمن يحشي أخبارا من دون تحقيق وتمحيص سواء بسواء.

ليست مشكلة التاريخ تكمن في الإخبار الكاذب فحسب، فتلك إشكالية غدت جزءا من ماضي هذا العلم. بل الحديث هنا عن عجز المؤرخ عن التمييز بين الأحداث الجوهرية والأحداث الثانوية والعارضة، وهو ما يؤسس في الغالب للمغالطة التاريخية ويجعل من التاريخ أيديولوجيا زائفة وليس علما موضوعيا. ليس بالضرورة أن يكون المؤرخ كاذبا حتى ينحرف التأريخ بل قد يحدث ذلك مع صدق نوايا المؤرخين، حينما يفتقرون إلى ما به يميزون بين جنسين من الأحداث. وعليه كان لا بد من قيام منطق للتأريخ، أو شكل من الميتا ـ تاريخ، لتمييز صحيح الإخبار من عليله.

ذلك لأن صورة الحدث المعلوم عند المؤرخ قد تأتي أكبر من واقعها وقد تهول بعض الشيء أو تهون بعض الشيء، في الوقت الذي يطلب من المؤرخ الكثير من الدقة حتى تكون صورة الحدث مساوية لواقعه في الخارج. في سياق كلامنا استعملنا عبارة بنية الزمان التاريخي. ولا يجب على الإطلاق أن نتعاطى مع ألفاظنا وعباراتنا خارج سيطرة المفاهيم. فالحديث هنا واعي بمفرداته ومقدماته ومفاهيمه. وإذا كان غيرنا ومنذ أصبح مستحيلا الربط بين ما هو تاريخي موضوعه الصيرورة وبين ما هو بنيوي موضوعه الثابت، لا يستطيع أن يقرأ الحدث التاريخي ويستبصر مكنون بنيته في صلب هذه الصيرورة، بمعنى آخر لا يستطيع أن يقرأ ثابته في عين الحركة وحركته في ضوء انحفاظ الثابت منه، فإننا لا نرى ذلك ونعلن مصالحة حقيقية بين التاريخ والبنية. وفي ضوء هذه المصالحة نقرأ الحوادث التاريخية ونستطيع التمييز بينها وبين ما ليس تاريخيا منها. إن تاريخ فرعون هو حدث تاريخي، ولذلك خلد في سجل التاريخ وفي نفس الوقت يتصرف بعناوين شتى ويتمظهر في مستويات مختلفة من الطغيان البشري تتعاصر مع كل الحقب وتخلق نموذجها التاريخي دون أن تفقد مكنون بنية الطغيان في صلب هذه الصيرورة.

يقول الإمام الصادق(ع): "كلنا أخفى ما أظهره فرعون". وهذا معناه أن فرعون النوعي يوجد كحالة في البنية السيكولوجية للخلق. فهو خالد بنوعه في صيرورة التاريخ. كل اجتماع إنساني إلا وله نصيبه من نموذج فرعون. وكل زمان مرشح لأن تظهر فيه ثقافة فرعون. ففرعون الشخص الذي نجاه الله ببدنه في حادثة الغرق، هو مستمر بنوعه في بنية الثقافات الإنسانية. لذا كان فرعون حدث تاريخي بامتياز. ومن هنا حينما نتحدث عن السلم والتآخي الإنساني، فإنما ندعو لبعث الجانب الخير من الإنسان وتغليبه للسيطرة على الجانب السلبي التدميري وتوجيهه في اتجاه البناء. ليس بالإمكان أن ننتزع فرعون من نفوسنا، بل المطلوب إخفاؤه وتصريفه في البناء الصحيح. فإذا كان فرعون قد بنى أهرامات فوق جماجم البشر، أمكننا بناء أهرامات بجهاد بشري حر يفتح أفقا لمعانقة جمالية المشهد بوصفه عمرانا. فوراء الأهرامات يكمن بؤس الإنسان وملامح العبودية وشرارة الطغيان. لكن هذا لا ينفي وجود علامات الجلال في مشهد الأهرامات وعظمة النزعة العمرانية.

وحينما نتحدث عن حوار الثقافات والحضارات، سوف نخطئ لا محالة لما نعتبر أن بعض الثقافات هي خزان طبيعي للعنف دون أخرى. بينما العنف ثاو في بنية الثقافات، لأن جوهر الثقافة هو إنساني، والتعصب والفرعنة هي جزء من هذه البنية المركبة. فلنقل حينئذ أن بعض الثقافات المتسامحة تخفي ما أظهرته بعض الثقافات المتعصبة. ومن الناحية الأخرى، يكون موسى حدث تاريخي بالمعنى الذي يمثل فيه موسى النوعي، المعنى المتجدد للإيمان والسلام والمظلومية وما شابه، ضمن صيرورة صراع الحق والباطل كما كان قبل موسى وكما كان بعد موسى. ولذا كان القرآن الكريم يحدثنا عن حوادث التدافع بين الحق والباطل، بين الإيمان والكفر في شريط يكاد يكون واحدا. كأنها أحداث متعاصرة في الزمان.

هذا في حين أنه يفصل بينها فاصل زماني يعد بمئات السنين بل وآلاف السنين. فالقرآن الكريم يدرس هذه الأحداث كظواهر يرصدها في طبيعة الخلق. أي يقف على الجوهر الثابت في صيرورة التشكل وإعادة التشكل للظاهرة التاريخية. يستطيع المؤرخ الإخباري المعني برصد الحوادث أن يؤرخ لهذه الحوادث كما لو كانت حوادث مختلفة. لكنها في نظر القرآن الذي يقف على فلسفة التاريخ التي توقف الناظر على ما هو مركوز في صلب الحدث، هي الغواية نفسها تحتفظ بوحدتها وراء هذا التنويع التاريخي. لذا قيل وسيقال دوما أن التاريخ يعيد نفسه. وهي عبارة فيها الكثير من التجوز، حيث التاريخ والصيرورة لا تعودان ولكن الثابت في صلب هذا الحراك هو الذي يكشف بالتناظر عن أنه هو نفسه في حالة تمظهر مجدد وإن كان بدرجات تتفاوت شدة وتضعفا. الذي يعود هو صورة الحدث المعلوم مجردا، وفلسفته ووظيفته وصيرورته.

حينما تدخل البشر في صياغة الحدث الوحياني كما حصل في الكتب السماوية السابقة، مع تضمنها لمضامين رسالية وأخلاقية ودينية وحينما تدخل الكتبة في صياغتها بعد وفات أصحاب الدعوة نفسها، ظهرت إشكالية الفارق الكبير بين القرآن وغيره من الكتب المقدسة عند أممها. فبينما كانت ثمرة التدخل البشري في الصياغة تستحضر النكات والزوائد وما كان من جنس العوارض، كان القرآن يقتصد في رصد الحدث ويركز على جوهره وقل أن تجد غلوا في التفاصيل وسرد الحوادث. لو كانت هذه وحدها لكفت دليلا على أن ثمة تدخلا بشريا في صياغة الكتب المقدسة المذكورة بخلاف القرآن الذي اهتم بالحوادث التاريخية وترك الزوائد وتجاوز ما أسميناه بالغبار الذي تركته الأحداث التاريخية وراءها.

ومن هنا كان القرآن يتعاطى فلسفة التاريخ لا التاريخ. وكان يقف على الثابت في صلب الصيرورة لا على التمظهرات المتنوعة على أنها حوادث جديدة. لذا قد تجد في الكتب الأخرى تاريخا وتجد في القرآن فلسفة تاريخ. وقد تجد في الأولى ملامح تشير إلى جوانب من فلسفة التاريخ، لكنها غارقة في التفاصيل والزوائد، وذلك مصداق لقوله تعالى: "ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا". فالعبرة التي هي غاية الكتاب تتحقق بفلسفة الحدث، لا في تفاصيل الحدث وزوائده.

عاشوراء الحسين، آية!

لن أكون مبالغا إن قلت أن هذا الزمان، هو حسيني بامتياز. صدق أو لا تصدق؛ فلقد شاءت حكمة الله تعالى أن يصبح الزمان في خدمة القضية الحسينية، وأن تكون إمكانات العصر خير خادم لهذا الحدث. إذا كان الحسين هو ملهم العبرة ـ بكسر العين ـ ومسيل العبرة ـ بفتح العين ـ، فإن العصر شاهد على أن المشهد الحسين وحده الذي مثل خروج العدل كله ضد الظلم كله. وهو المشهد الوحيد في عالمنا الذي أسال كل هذا القدر من العبرات. فالأمة التي عاشت قرونا لا تكاد تدرك من هذا الحدث إلا كما تسمع عن كل حادثة بعيدة لا تتصل بماضيها ولا بحاضرها ومستقبلها، أكدت على أنها أمة عاشت على جهل بتاريخها فضلا عن كونها لم تنجز فلسفة للتاريخ من خلال ما امتلكته من مقومات رسالية ورغم أنها تسلطت على الزمان حضاريا لقرون من الزمان. فالتاريخ لا يزال لديها حكيا وإخبارا، لا عبرة وفلسفة. إنها أمة تاريخية لكنها خارج منطق التاريخ. هي أمة مارست الكتابة التاريخية، لكنها جهلت تاريخها.

تلك هي مفارقة أمة أحصت المبتدأ والخبر، لكنها لم تدرك المبتدأ ولا أدركت الخبر. فلا غرابة أن تجد من الأمة من يحفظ غرائب القصص ويستحضر بتأمل ومنتهى الشوق والشغف ما فاض به أغاني أبي الفرج أو عقد بن عبد ربه أو حيوان الجاحظ من قصص الخيال ويتدبر في يقظات وهجعات مجنون ليلى، ولا يقف متأملا ولا مندهشا من مذبحة كربلاء. . ومنهم من كتب عن الطاغية الحجاج والشهيد الذبيح ابن جبير ولم يكتب عن أبي عبد الله الحسين شيئا، بل غاضه أن نهول من أمر استشهاد الحسين، مع أن الشيعة لم تفعل بذكر الحسين أبعد مما ذكره الشيخ القرضاوي في مسرحية الطاغية التي روى فيها حدث مقتل المحدث سعيد بن جبير على يد الحجاج بن يوسف الثقفي.

إن شأن الحوادث التاريخية أن تكون موجودة وواضحة، لكنها قل ما يلتفت إليها. وكثيرا ما تصبح ضحية غفلة البشر وآفة نسيانهم. لكن الآية هي ما يظهر عند كل لحظة تاريخية حرجة، وعند كل بلاء محدق وعند كل انسداد عظيم. إن عاشوراء التي كان بنوا أمية وبنوا العباس ومن سلك مسلكهم يمنعون من سماع ذكراها عند العاشر من كل محرم، هي اليوم حدث وطقس يسمع في كل الدنيا ويدخل كل بيت في الشرق وفي الغرب. فالحسين لم يعد ذلك المظلوم الذي حاول عمر بن سعد وعبيد الله ابن زياد ويزيد بن معاوية أن يوقفوه ويقتلوه بالعراء ويعملوا فيه وعائلته وأصحابه السيف حتى لا يسمع بهم أحد، فتضيع قضيتهم في صمت الصحراء، ويطوي سجله التضليل والنسيان.

بل هو اليوم الحسين الذي يعرفه كل بيت في الدنيا و الذي تتذكره القارات الخمس، حتى من لا يهمه أمر الحسين يسمع ويرى ويعرف أن ثمة حدث ما وقع في كربلاء وأن حفيدا للنبي تعرض للظلم وعمل في ما تبقى من نسله السيف، وأن ثمة قضية إنسانية حملها الحسين وهي التي يعبر عنها محبوه وأنصاره في كل جيل بصور وكيفيات مختلفة، كل يعبر بطريقته، فالمضمون الواحد قابل لأن يقرأ بطرق مختلفة. تعددت الوسائل والطرق والكيفيات لكن القضية واحدة. فلا نقرأ المعنى في مظاهر الطقس بل علينا أن نقرأها في طياته.

من هنا أردنا أن نتوقف عند عبارة لابن خلدون قالها في مقدمته، وأحسبه قرأها في إطار رؤيته الضيقة للعصبية والغلب دون أن يفسح الظاهرة التاريخية والعمرانية لأكثر من مقاربة. ليس ثمة معراة في فلسفة التاريخ الخلدونية فقط، بل ثمة معراة في السوسيولوجيا الخلدونية أيضا لا يحجبها ذلك التألق في فلسفة العمران كما برع فيها هذا الأخير، وليته حررها من تأثير التزامه الكلامي والمذهبي والفقهي الخاص، إذن لأتى بما هو أدق وأوفى. لذا يتحدث عن غلط الإمام الحسين في ثورته على يزيد، بوصفها مغامرة، نظرا للفرق الهائل بين ما يملكه الإمام الحسين من عصبية الهواشم التي كانت في طريق الانقراض والضعف كما حكى ابن خلدون، وبين عصبية يزيد الأموية التي كانت في أوجها. كان الحق مع الحسين لكن العصبية كانت مع يزيد. إن تغليط الحسين ليس ذو مدلول عقائدي صريح هنا، بل تغليط في تقدير العصبية. وإذا أدركنا أن الغلط في تقدير العصبية في المنظور التداولي البراغماتي لفيلسوف العمران هو أخطر وأكبر من الغلط السلوكي والأخلاقي والعقائدي من حيث تأثيره على العمران، ندرك أن ابن خلدون أراد أن يخرج الموقف الحسيني من الوعي التاريخي ويجعله خارج منطق العمران.

والمسألة هنا فضلا عن أنها تدخل في إطار إشكال عقائدي ليس هاهنا مجال للنقاش فيه، إلا أن الحديث عن الغلط حتى مع افتراض صدق المحتوى الرسالي لدعوة الحسين وثورته التي لم ينكرها ابن خلدون، لم يصح حتى بالمنظور الخلدون كما تكذبه صيرورة الزمان. فالحسين استطاع أن يهيمن بفضل ثورته على الزمان: على الماضي والمستقبل. ولولا أن الحسين خلد كرمز تاريخي لما ذكر يزيد وأمثال يزيد. لقد تغلب الحسين ليس فقط على ملك يزيد بل الحسين تغلب على التاريخ والعصبية وعلى العمران الفاسد كله، ليخلد ويصبح هو مصدر سلطة وغلب عبر التاريخ الإسلامي. إن الحدث الحسيني اليوم فضلا عن أنه أصبح عنوانا لآية، فهو الحدث الذي كذب فلسفة العمران الخلدونية وجعلها قاصرة ومحصورة وغير قادرة على استشراف الزمان. فمن رآه ابن خلدون منزوع العصبية أصبح مالكا لعصبية الإنسانية كلها، لأنه أصبح عنوان كل القيم الإنسانية النبيلة التي قامت عليها حضارة الإنسان في أكبر ثورة تحررية في العالم الحديث. ومن خطأه ابن خلدون على الخروج ثبت أنه سعى للانتصار على الطغيان الرمزي لا على يزيد وعصابته فحسب، بل على كل طغيان قريب أو بعيد.

لقد تسلط يزيد على أمة محصورة في الزمان والمكان بينما سلطان الحسين الرمزي تعدى الزمان والمكان فصار حدثا كونيا. إن الحسين فجر ثورة أكبر من أن تستوعبها فلسفة العمران الخلدونية. والدليل على ذلك أن تاريخ ابن خلدون أصبح تقليديا بينما ثورة الحسين أصبحت راهنية وحيوية، بل غدت عنوان فلسفة وثقافة للمستقبل تجاوزت زمانها وتجاوزت مكانها، لذا هي حدث حضاري بامتياز.

وبينما كانت ثورة الحسين حدث في العاشر من شهر محرم مضى وفي كربلاء في نظر ابن خلدون، تحولت لتجعل من كل أرض كربلاء ومن كل يوم عاشوراء. هل نستطيع من خلال النهضة الحسينية أن نغير فلسفة التاريخ الخلدونية طالما أن ابن خلدون طبق نظريته في العصبية على هذه الثورة فلم يوفق؟

فلسفة أخرى للعمران ومفهوم آخر للعصبية

لا حاجة للباحث أن يستند إلى مقاربة تاريخية أخرى ولا إلى فلسفة مغايرة لكي يدحض هذا الموقف الخلدوني الغارق في مقاربة واحدية الاتجاه، من شأنها أن تبرر الطغيان، ومن شأنها أن تجعل التاريخ خلوا من آثار الإرادة والحوادث التي تؤجل معقوليتها ومعناها فيما تستشرفه من آفاق لا يبصرها المؤرخ ولا يرى لها أثر. ولهذا السبب تحديدا تحدثنا عن ثورة الحسين بوصفها آية. لأن من خصائص الآية أنها راسخة في الزمان والمكان. ومن خصائصها أنها محط غفلة الناس، لأن من فرط رسوخها تحول دون استبصارها الغفلات ويحجبها النسيان. ومن خصائصها أنها تكذب كل الحسابات وتعيد إنتاج نفسها في اللحظات التاريخية الحرجة. ونهضة الحسين هي وحدها كفيلة بأن توقفنا على رؤية لفلسفة التاريخ وللعمران ولمفهوم العصبية هي أوسع وأبعد مدى مما جاء في مقدمة ابن خلدون.

لا نريد أن نتحدث عن موقف عقائدي مسبق من ثورة كربلاء، وإن كان ذلك حاضر بشكل ضمير في المقاربة الخلدونية لحادثة كربلاء. ولكن هذا التغليط للحسين يكشف عن أن ابن خلدون يريد أن يؤكد على أن نظرية العمران ومفهوم العصبية كما استبصرها فيلسوف العمران لا توجد عند الحسين الذي بدا مجازفا في طلب شيء لا يتم إلا بالعصبية التي افتقدها بينما امتلكها خصمه. فضلا عن هذا التغليط الذي يؤكد على أن المؤرخ الأشعري الذي لا يجد غضاضة في تخطئة إمام من أئمة أهل البيت(ع)، أسندت لهم من المهام ما لا يخفى على عالم بالأخبار، فإنه يصادر على معنيين للخلافة والعصبية، إحداهما كان جهله لها بموجب إسقاط مذهبي لا يصلح دليلا قطعيا على أن الحسين رأى إلى حركته مجرد طلبا للسلطة والحكم، والثاني كان جهله لها نتيجة الرؤية السائدة للعصبية والسلطة في زمانه فتبناها تغليبا وهي لا تصلح معيارا في مقاربة حركة الحسين التي أعلنت عن أهدافها وعن مقاصدها التي لم تستدعها المقاربة الخلدونية واكتفت بما يجود به الفهم العقائدي المذهبي وليس التاريخي وفلسفته كما يجب أن تكون عليه فلسفة العمران عند ابن خلدون. إن أدنى تأمل وقراءة للأحداث التي انتهت إلى حادثة كربلاء تدل على أن الأمر يتعلق بتمرد الحسين عن بيعة شاء لها أصحابها أن تذل المسلمين وتؤخذ عنوة وبالقهر.

إن عظمة المقاصد التي ميزت حركة الحسين (ع) يجب أن تتناسب مع خطورة الموقف الذي ميز عملية الانقلاب الجذري الذي حدث غداة توريث معاوية الخلافة ليزيد. وأيضا في خطورة الموقف الذي تجلى أول ما ملك يزيد الأمر وشرع في إعطاء جرعة قمعية وإرهابية شديدة لجبر الناس على القبول بالأمر الواقع. وهو ما أدى إلى استباحة المدينة ومطاردة الصحابة وتخيير الحسين بين بيعة وذلة وبين موت وقتل. من هنا كان الشعار الخالد: هيهات منا الذلة!

حركة الحسين إذن هي حركة تحررية ونضال يهدف حماية ما تبقى من قيم وموازين بها يقوم العمران الصحيح ومن دونها يحل الخراب. فحركة الحسين من بدايتها إلى نهايتها، ومن خلال شعاراتها كانت ثورة تحررية وليست طلبا للملك، لأن الحسين سبق وذكر بأنه لم يخرج أشرا ولا بطرا وإنما خرج طلبا لإصلاح أمة جده يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. فالمسألة منذ البداية تؤكد على أن القراءة الخلدونية في المقام هي محاولة لتحليل قضية بلا موضوع، لأن الحسين لم يكن طالب سلطة بل كان آمرا بالمعروف وناهيا عن المنكر. ولعل الخطأ الكبير الذي وقع فيه ابن خلدون، وهو هنا يحمل منظورا خاطئا عن معنى الإمامة، التي هي أوسع دلالة من مفهوم الخلافة الزمنية، بل هو أليق بمفهوم الخلافة بمدلولها وحقيقتها الشرعية الأولى التي عبر عنها القرآن:" إني جاعل في الأرض خليفة". ولم يكن ثمة اجتماع يوم كان آدم خليفة في الأرض، ولم يكن الأمر يتعلق بسياسة مجتمع بل بالقيام بما يقتضيه نهج العبودية لله في الأرض وحمل تعاليمها الأولى للنوع. فإذا كانت الخلافة الزمنية غير ممكنة حينئذ بالنسبة للحسين، فهذا لا يمنع من أن يؤدي وظائفها الأخرى عند الاقتضاء، فالحسين كأخيه إمامان قاما أو قعدا.

لقد أدرك الحسين أن يزيد يستغل عصبيته في هذا الزمان وهذا المكان، لذا لما لم يكن من مفر بعد أن ركز يزيد الدعي كما وصفه الحسين، ما بين الذلة والسلة، أراد الحسين أن يمنع عصبية يزيد الأموية من أن تمتد إلى باقي الأرض وباقي الزمان ـ أو لتمتد ولا تمتد إلا في الضمائر الفاسدة ـ، فكانت ثورته للمستقبل ونقطة ضوء تهتدي بها الأمة لما تخبوا عصبية بني أمية؛ وهذا الذي حدث بالفعل. ثم ما كان ابن خلدون ليدرك بأن العصبية أمر ليس قارا، بل هي متحولة متغيرة. والتحول الوحيد الذي اعترف به ابن خلدون في المقام هو انتقال العصبية من فئة إلى أخرى في ظل ظروف كثيرا ما كانت غامضة في التحليل الخلدوني. ولم يدرك ابن خلدون بأن للعصبية مبتدأ وخبرا، وهو صاحب كتاب المبتدأ والخبر.

فكل عصبية تنشأ وتشتد وتضعف. فلا بد للعصبية من بداية ترتكز عليها. وقد كان الحسين في وارد إنشاء مبتدئ لعصبية عبر ثورة، سوف تجعل حادثة كربلاء نفسها ملهما حيويا لثورات تترى. وكانت هي المنعطف الذي جعل عصبية بني العباس نفسها تشهد أوجها تحت شعار الرضا من آل محمد. وجب على المؤرخ أن يحصي كم عدد الثورات التي جاءت على إثر استشهاد الإمام الحسين، كلها تحمل شعار: يا لثارات الحسين. إن نظرية ابن خلدون لا تغلط فقط ثورة الحسين بل هي نظرية تغلط كل أشكال الثورة. إلا أن تكون مرتكزة على عصبية متفوقة. ولكنه لا يتحدث عن صيرورة العصبية، وقد كان تاريخ البشر مسرحا لهذا النوع من الصيرورات، حيث لا بد من ثورة ملهمة لنشوء عصبيات، كما علمتنا ثورة الحسين.

لقد استبعد ابن خلدون مكانة الحسين في قومه والرمزية التي يتمتع بها وهي نفسها منشأ العصبية الجديدة التي طالبت بدم الحسين وتحققت بموجبها ثورات عظمى، أولها قضى على الدولة الأموية قضاء مبرما. وهذه المكانة الرمزية هي الرأسمال الرمزي الذي ظل للحسين وهو منشأ العصبية للحسين كما مر معنا. ثم إن ابن خلدون جعل العصبية التي هي التعبير الآخر عن السلطة والنفوذ في العشيرة وحدها، ولم يتمكن من تصور مستوى آخر للعصبية متأخر عن زمانه، حيث يمكن أن يكون منشأ العصبية هو الدين أو الموقف أو المصلحة، بمعنى آخر إن مفهوم العصبية كما نفهمه اليوم هو علاقة ومصلحة، قد تلعب فيها الأيديولوجيات دورا كبيرا لا توقفه أي عصبية من النوع المذكور. وقد تراءى لابن خلدون أن العصبية الدينية لم يعد لها فعالية تذكر على صعيد الغلب والملك كما كانت في عهد صاحب الدعوة ومع الأنبياء. وهذا حكم غير تاريخي وغير معلل، لأن التاريخ يشهد بروز عصبيات ترتكز على الدين وعلى المصالح دون أن يجمع بينها عرق نقي أو أصول موحدة. وما قدمه الحسين يملك أن يستثير عصبيات معاصرة ليس بالضرورة أن تكون عشائرية، بل إنسانية بالجملة.

في رحاب الإمام الحسين ـ ع ـ

كلما أدرك الإنسان حقيقة الشخص وحجم ما يحمله من قيم، ظهر له هول التراجيديا والمصاب الجلل. فقبل أربعة عشر قرنا من الزمان شهدت كربلاء أبشع مجزرة انبرى فيها الطهر كله إلى الشر كله. حيث لا شر يعلو على من صمم عنوة على قتل أبناء النبي ـ ص ـ صبرا. ولا طهر يشمخ فوق طهر تلك الفئة التي ما فعل بها ذلك إلا لأنها قالت "هيهات منا الذلة". وهي آخر ما تبقى من موكب الأطهار اللذين خاطبهم الله تعالى في محكم التنزيل:" إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا". بقايا من رأى الرب تقلبهم في الساجدين فكانوا أنوارا في الأصلاب الشامخة.

ولعله من مستكبر الظلم أن مصاب العترة الطاهرة في هذا العراء المقفر، ما بين النواويس وكربلاء، لا يزال موضع ريبة ونسيان، لم تعلن الأمة منه براءتها الجماعية في تواضع رضي كما كان شأن التوابين طليعة سليمان بن صرد الخزاعي رضوان الله عليه، ولم تقف منه موقف درس واعتبار. لا وجود لقتلة الحسين بيننا. لكن هناك من لم يأخذ واقعة كربلاء مأخذ الجد. بل وهناك من يريد إنساءنا هذه الذكرى. ليس بيننا قاتل للحسين ولكن بيننا من قتل كل الأهداف والمعاني النبيلة التي ناضل من أجلها الحسين. أجل، ليس بيننا قاتل للحسين ولكن بيننا من لا يعني له مقتل الحسين أكثر مما يعنيه أي مقتل آخر. ليس بيننا قاتل للحسين ولكن بيننا ليس فقط من سمع بذلك فرضي به، بل بيننا من سمع بذلك فترضى على قاتليه. ليس بيننا قاتل الحسين، لأنه ببساطة ليس بيننا الحسين الشخص، ولكنهم يقتلون الحسين المعنى والحسين النوعي؛ باختصار هناك بيننا من يقتل من أحب حسينا. وما يدرينا لو كان الحسين حيا، أن يقتل شر قتلة تنسينا يزيد. يزيد قتل الحسين حيا لكنهم اليوم يدمرون قبر الحسين ولا يراعون له حرمة. . فلنمتحن أنفسنا أكثر، هل حقا لا يوجد بيننا قاتل الحسين؟!

كان الحسين رمزا من رموز الإسلام النبوي، شامخا بدوره الرسالي الذي أكد طليعية أهل بيت النبوة، حيث متى أصبح مصير الإسلام في خطر إلا وكانوا هم في طليعة الحماة عن بيضته. ليس المقياس فيما يقدمه غيرهم متى كانت التضحية من الواجب الكفائي أو أن يكون المصاب غير جلل. بل تدرك قيمة أقمار بني هاشم في لحظة انقطاع الأسباب عما يقيم هذا الدين ويدافع عن حماه. ففي كر بلاء، انبرى الكفر كله للإيمان كله. فقاتلي الأئمة والأولياء كقاتلي الأنبياء، هم شر البرية.

كان الحسين ذخرا للأمة الاسلامية، فهو شخصية مكرمة محببة عند المسلمين، يتشيعون له بمستويات من الحب متفاوتة. من سمع عن الحسين ومن قرأ عن الحسين لا يمكنه إلا أن يحب حسينا. بل إن من لم تحركهم مصيبة الحسين ولم يذرفوا عليه دمعا، مشكوك في نبل مشاعرهم وفي إيمانهم وإنسانيتهم. ولقد صادفت من هؤلاء نماذج، ما حركت نفوسهم مصارع العترة ولا أثار مشاعرهم فحش التقتيل والتمثيل بالحسين وآل الحسين وأصحابه. فإن باتوا يفتعلون الحوار الصريح اليوم فنحن أصرح.

حينما تحدث القرآن مستنكرا على بني إسرائيل قتلهم الأنبياء، فهو يوجه أنظار المسلمين حتى لا تتكرر المصيبة التي استحق بها بنو إسرائيل العذاب. وبما أن الأمر الآن يتعلق بأئمة وأولياء في زمن انقطاع النبوة، فإن قتل الأولياء هو قتل للأنبياء لا فرق، بلحاظ الوظيفة والمكانة التي يشغلونها في الوجود.

إن كل ما نشاهده اليوم هو من بركات الحسين والثورة الحسينية. لقد كبر الحسين ليستوعب التاريخ كله، والعالم كله. فكل الأصوات خفتت، وبقي الحسين وطيف ملحمته في القلوب يداعب مسامع الناس بالليل والنهار بعد أن ظن الظانون بالله السوء أن قضية الحسين اندفنت معه.

لقد فعل صدام حسين المستحيل لمحو ذكر أبى عبد الله الحسين. . وقد صوب حسين كاملا مدفعيته الشمرية للنيل من القبة الشريفة قائلا: أنا حسين وأنت حسين فلنر من يهزم الآخر. ويا لها من حماقة، فلقد أدى حسين ثمن رعونته وجرأته غاليا، يوم ردم جلاوزة صدام بيته فوق رأسه، فانطفأ ذكره كقصة عابرة، كما نسي ذكر صدام، ومسخ في صورة الشمر يوم عثروا عليه مقرفصا في جحره كجرذ مذعور قبل أن يحال على المشنقة، فترضى عليه قوم مثلما ترضوا على قاتلي الحسين. . وبدا لهم مغفور له كما بدا لهم يزيد. . وقد صدقت الصديقة زينب الطاهرة لما قالت ليزيد:" كد كيدك واسع سعيك وناصب جهدك فوالله لن تمحو ذكرنا". .

هاهو صوت الحسين يعود إلى كربلاء، وها هو العراق يعود إلى علويته خالصة سائغة للشاربين من بين رفت الاحتلال ودم الاستبداد. . وها هم مجرمو العراق يرون المعجزة الحسينية تكتب تاريخهم الأسود. . انمحى صدام وتلاشى طغاة العراق. . وبقي الحسين شامخا يعيد كتابة تاريخ العراق بعد أكثر من 35 سنة من فعل التزوير والتعسف. وها نحن نشهد اليوم محاولات مكثفة وضغوط نفسية تحاول أن تفرض وجهة نظرها على شيعة أبي عبد الله (ع)، لكي لا يحيوا هذه الذكرى، ولا تكون حرجا لمن لم يمنح الذكرى ما تستحقه من احتفال. إذا لم تكونوا قاتلي الحسين فماذا يضيركم أن أن يحيي أنصاره ذكراه ويتعرضوا لقاتليه في هذا اليوم المشهود ؟!

ماذا لو لم يقتل الحسين ولم يسمح بذلك القاصي والداني

لقد جسدت الملحمة الحسينية أكبر مشهد دراماتيكي، كما دلت على ذلك الفلسفة الدينية التي حركت الحسين و أهله وأتباعه، كما دلت عليها مشاهد ومصارع الصغير والكبير. عظمة المشهد يعكسها الحسين نفسه، من حيث هو إمام ابن إمام بن صديقة ابن نبي. ويعكسها كونه آخر ما تبقى من موكب الطهر ممن تقلبوا في الأصلاب الشامخة. ويعكسها أن مصير الإسلام نفسه أصبح بيد أغيلمة من بني أمية يعبثون به ويتجاسرون على اعتلاء منبر رسول الله ـ ص ـ. وتعكسه كمية الشعارات والمبادئ التي رفعت في تلك المذبحة. ويعكسه حجم الفارق بين معسكرين من حيث العدة العسكرية والعددية. وتعكسه قوة التحدي الذي ميز معسكر الحسين. .

فكربلاء بهذا المعنى شكلت مدرسة وفلسفة كاملة يمكن قراءتها من خلال المبادئ والمواقف والخطب والمشاعر والبطولات والآداب والأخلاق التي نطق بها هذا المعسكر. كل هذا تفتقت عنه قريحة صانعي الملحمة الحسينية التي استطاع بطلها أن يستدرج الشر والكفر ويعزله عن الأمة ويفضحه بعد أن ظل متسترا داخلا في أوصالها. . لقد حاصرهم الحسين وليسوا هم من حاصر حسينا. . فالحسين ضحى لكن هيهات أن يقال أن الحسين انهزم أو قتل. فالذي قتل حسينا ليس هو الشخص بل هي لحظة تاريخية سوداء من تاريخنا. لا يوجد من يملك قدرة على قتل حسين. لقد طلب الحسين السيوف لتقتله كي يحيي أمر رسالة كانت مهددة بالمحو. فعل ذلك وهو يقول قولة الأبطال الذين قل لهم نظير في ملاحم البشر:

إن كان دين محمد لن يستقيم إلا. . . . . . . . . . . . . . بموتي فيا سيوف خذيني

من التحيز بالحسين إلى التحيز إلى الحسين

لا شك في أن مدار التحيز إلى الحسين هو التحيز للقيم التي ناضل من أجلها. وحيث إن القيم المذكورة كانت هي أمثل تعبير عن جوهر الإسلام وجوهر الإنسانية، بات مؤكدا أن التحيز إلى الحسين لا يمكن إلا أن يكون تحيزا للقيم الإسلامية والإنسانية باعتبارها تترتب طوليا. ومثل هذا التحيز يأبى على صاحبه التحيز بالحسين في الدائرة الأضيق. من هنا لا تشيع للحسين إن لم يكن قد استدمج تحيزا للإنسانية والإسلام، ليصبح التشيع برسم التحيز الحسيني طليعة الإسلام وقمة الإنسانية. إن التحيز بالحسين في الدائرة المذهبية الضيقة بالمعنى الطائفي للعبارة هو ما كان حاربه الحسين الذي قدم نفسه في سياق الرحمة المهداة التي مثلتها رسالة وشخص جده الأكرم. وإنما فكرة التحيز بالحسين كانت من اختراع أعدائه تضييقا للمدى الذي كانت تتطلع إليه رسالته التي رفضت التقيد بعوارض الصراع السياسي بمعناه الأضيق إلى مديات الثورة الحضارية والإنسانية التي مثلتها دعوة التحرر بمعناها الأوسع. فكل شعارات الحسين وكل مطالبه كانت إنسانية وإسلامية لا تتحيز بقدر ما تنكر التحيز على دعوتها.

لم يكن من النافل وصف الثورة الحسينية بالإنسانية. فلقد مثلت كبرى النهضات الإنسانية التي احتفظ بها التاريخ مرغما، وإن كان التاريخ والمؤرخ تواطآ معا لطمس معالمها الكبرى. لقد أنكرها التاريخ الخاص لكن حفظها التاريخ العام، تاريخ الإنسانية بما رأى فيها من معاني عظمة القيم وحجمها الذي قل ما يحضر في ملحمة محدودة في الزمان والمكان. لقد كبرت عاشوراء واتسعت كربلاء بحجم القيم ومداها الذي وسم كل خطاب وكل حركة شهدها معسكر الحسين. إن أي رسالة لا تكون إنسانية حتى تشتمل على مطلب الحرية والكرامة. ولقد استطاعت الملحمة الحسينية بكل فصولها البطولية تكريس ثقافة التحرر والحرية في النفوس.

ولم يكتف الإمام الحسين بتذكير أصحابه بهذه القيمة، ولا حتى بإثارة الإحساس بالحرية في نفوس أعداءه، بل إن الحركة التحسيسية التي رافقت تفاصيل الملحمة تثبت بأن الحسين لما أدرك أن المؤرخ العربي لم يكن يومها في مستوى الكفاية لكتابة تاريخ التحرر، كان بصدد كتابة تاريخه الخاص بصورة استباقية، حتى يصبح تاريخ الحسين هو تاريخ مستقبل لا تاريخ ماضي منصرم يقرأ للتسلية. من هنا كان حقا على من اطلع على فصول الملحمة وأدرك فلسفتها، بأن يرى بعد الحسين كل يوم عاشوراء وكل أرض كربلاء. لقد أدرك الحسين أن مشكلة أعدائه تكمن في كونهم ليسوا أحرارا. وبأن مشكلة الإنسان بشكل عام هي مشكلة غياب الإحساس بالحرية. ومن هنا نفهم مقولته الشهيرة: "إن كنتم لا تخافون الله ولا تؤمنون بالمعاد فكونوا أحرارا في دنياكم إن كنتم عربا كما تزعمون".

لقد تحرر معسكر الحسين (ع) من كل القيود المانعة إياه من طلب منتهى الشهادة في سبيل أنبل القيم الإنسانية التي هي الحرية. وهي استجابة لفلسفة كان قد سطرها أبوه قبل ذلك، علي بن أبي طالب (ع): "لا تكن عبدا لغيرك وقد خلقك الله حرا".

إن الإنسان هو المسؤول عن حريته. وإن الملحمة الحسينية بنفحتها العلوية تعلم الإنسان بالحكمة والفعل بأن لا أحد يملك انتزاع الإحساس بالحرية من ضمير الإنسان الحر. لقد تأثر الحر بن يزيد الرياحي بالخطاب التحرري للإمام الحسين، فانتصر على عبودية المواقف الخاطئة، كما انتصر على كل القيود التي جاءت به أول مرة لمحاصرة الإمام الحسين في نينوى. لكن بمجرد أن استقر هذا الإحساس التحرري في وجدان الحر بن يزيد حتى ثار على نفسه وعلى معسكره فكان أول مبارز ينقلب ضد المعسكر الأموي. قال له الإمام الحسين بعد مصرعه:" ما كذبت أمك يوم سمتك حرا، أنت الحر في الدنيا والآخرة". إننا نفهم من الحسين أن يكون الحر حرا في الدنيا فكيف يكون حرا في الآخرة.

لقد دعى القوم قبل ذلك بأن يكونوا أحرارا إن لم يكونوا يخافون الله أو يؤمنون بالمعاد. وبهذا أكد على أن الحرية قيمة إنسانية لا يمكن التفريط فيها. فهي واجبة في حق الإنسان مع الإيمان وعدمه. على أن غاية الإيمان نفسها تحرير الإنسان من الأسر والأغلال التي كانت عليه. وبهذا تصبح مساحة الحرية أوسع. لكن ما معنى أن يكون الحر بن يزيد حرا في الآخرة أيضا؟ إننا نفهم من كلام كهذا أن الحرية قيمة لا تعدم في الآخرة. بل هي عنوان فخر حتى فيما بعد الدنيا وسمة يتبوأ فيها الأحرار منزلة بها يعرفهم الأغيار وعليها يغبطونهم. لقد ميز أبوه قبل ذلك بين ثلاث صور للعبودية: قوم عبدوا الله طمعا في جنته، فتلك عبادة التجار، وقوم عبدوا الله خوفا من ناره فتلك عبادة العبيد وقوم وجدوا الله أهلا للعبادة، فعبدوه لا خوفا من ناره ولا طمعا في جنته فتلك عبادة الأحرار.

لقد تأكد بذلك أن لعبادة الأحرار منزلة خاصة. فإذا كان من عبد الله خوفا من ناره، نجاه الرب الرحيم منها، وإن كان من عبد الله طمعا في جنته أسكنه الله ما طلب في جنات عرضها السماوات والأرض، فأي جنة سيسكنها الأحرار، إن كانت عبوديتهم لله قائمة على العرفان الحق؟ إنها بلا شك جنة خاصة، حيث يقول عنها الرب جل وعلا: "فادخلي في عبادي وادخلي جنتي". إنها جنة منسوبة إلى الله بخلاف التعبيرات الأخرى التي وسمت الجنان بجنات وجنان على النحو العام والمطلق. فمتى كان الإنسان، وجبت الحرية في حقه، ومتى بعث بعثت معه. إن الحرية واجبة في حق الإنسان في الدنيا وزينته في الآخرة. وبذلك كان الحر حرا في الدنيا والآخرة.

الحسين شيعيا وسنيا

للإسلام مقامات ومنازل. وشاء الله أن يجعل طليعة المنازل سفينة النجاة والثقل الأصغر. فلا يكون حب الحسين ونصرته إلا تعبيرا شيعيا سواء أعبر عنه أتباع مدرسة أهل البيت أم المذاهب السنة. فكل تعبير سني عن المحبة والولاء للحسين هو تعبير عن شيعية التسنن، وعلى هذا ملتقى المسلمين. إن التشيع للحسين لا خلاف عليه بين المسلمين، وهو بهذا المعنى عنوان وحدتهم. ولا يملك الشيعي أن يحاسب السني إلا من خلال شيعية السني نفسها التي يمثلها الوجه الآخر لتراث أهل السنة الذي يفيض بمعاني الولاء والمحبة للحسين بن علي.

على الرغم من الحضور المكثف لذكرى الإمام الحسين في المناسبات والطقوس الشيعية، إلا أن للحسين مكانة تفرض نفسها على المذاهب الإسلامية الأخرى، حضورا وإن لم يكن بارزا وظاهرا، فهو حضور يتمتع باحترام وتعظيم خاص يمكن الوقوف عليه متى شاء الباحث وصمم على البحث، في أكثر المتون المعتبرة عند القوم. ويبقى الفارق كما لا يخفى بين شكلين من الحضور، هو أن الحسين يحضر في الوجدان الشيعي ولا يحضر إلا في كتب الغير. . كما أن الحسين في الموروث الشيعي يتمتع بحضور شامل، في التعبير العلمي والتعبير الطقسي. . أي الحسين بوصفه قيمة وتجربة وموقف، في حين لا يحضر إلا كشخص في الموروث الآخر.

الاستشهادية الحسينية درس ضد الإرهاب

وبما أننا نعيش عصرا سادت فيه الفوضى، حيث طغى ذهان الموت الرخيص بلا معنى. وهو زمان الإرهاب الذي بات يحصد كل شيء باسم الاستشهادية المهربة والجهادية المخورجة والمقاومة المميعة. وحيث أصبح العراق المحتل اليوم مسرحا لهذا الجنون الذي يحصد الأرواح البريئة ويقتل النفوس المحترمة، في بؤرة شهد التاريخ أنها عرفت أكبر درس للاستشهادية في مداها الحضاري والإنساني، التي سطرت على صفحات الفرات كل معاني الكرامة والحرية، كان لا بد من أن تشرئب كربلاء من جديد، بعبق القيم الإنسانية التي أكسبتها استشهادية الحسين قيمة مضافة، خلافا لحمام الدم الذي حولته الثقافة الزرقاوية المجرمة إلى حالة لمصاصي الدماء والهدر للكرامة الإنسانية، والمحاولة العبثية للحرب الطائفية البغيضة على الحسين وأبنائه في بلاد الرافدين. أي مقارنة ظالمة بين الاستشهادية الحسينية التي بعثت الحياة في نفوس الأحرار فذرفت لها دموع عبر الزمان والمكان. استوعبت كل المعاني النبيلة والأخلاق الرفيعة التي أفسدتها ثقافة القتل الرخيص على الهوية هذه الأيام.

إن الثقافة الحسينية لا تسترخص الدم، بل تمنحه حرمة أبكت العالم بلا انقطاع، وحركت التوابين في عملية تأنيب الضمير لإعادة الاعتبار للنصرة والثأر للدم المهدور سدى. إن الحسين هذا البطل شديد المراس لم يستدبر عدوه ولا أخفى ملامحه وراء الأقنعة كلصوص الليل، بل واجه أعداءه بصدر عاري وحاربهم بكل ما لديه، لم يتراجع قط. هذه الثقافة الحسينية التي حاول أن يقرصن استشهاديتها قطاع الطرق من محترفي الذبح الرخيص، دون أن يرقوا إلى معناها الإنساني السمح، هي ثقافة الإنسان وثقافة الحرية والعدالة. فالذي لديه قضية حقيقية يدافع عنها بوجه مكشوف وصدر عاري وصوت رفيع. لم تقتل الاستشهادية الحسينية أبرياء، بل هي نفسها كانت موضوعا للذبح والتقتيل والفتك.

لقد فضحت الاستشهادية الحسينية جرم العدو وتعطشه للدماء. وشتان بينها وبين الثقافة التكفيرية الطائفية البهلوانية المجرمة، حيث باتت وبالا على كل القيم الاسلامية البريئة، بعد أن جسدت مثال معسكر الشمر بن ذي الجوشن قاطع رأس الحسين، وكل الذين كانوا معه، يقتلون بلا هوادة ويقتلون على الهوية.

حينما نغرق في المعنى ننسى الشكل. وحينما نتنكر للمعنى يصبح أي شكل معيب في نظر المغرض المهجوس بالطائفية. هذه قضية الحسين لنعبر عنها بمنتهى ما أمكن أن تجود به أي ثقافة. فكن حكيما أو مجنونا في طريق الحسين، لا يهم، ولكن لا بد أن تكون حسينيا فهذا هو الأهم. ورأيي أننا لسنا مخيرين في هذا. فبعد كربلاء، إما أن نكون حسينيين أو لا نكون. فالإسلام حسيني البقاء. ففي الحسين يستوي المعقول واللامعقول، طالما أن من مؤرخينا كابن خلدون من غلط الحسين نفسه في الخروج، فكان بهذا الوصف مجنونا. وماذا يضيرهم إن كان للحسين مجنونه كمجنون ليلى الذي بلغوا بذكره عنان السماء. . فهو مشهد العدالة والحرية الحسينية نراها في كل شيء حد العشق فما المانع يا معجبين بمجنون بني عامر؟! وجنون مجنون ليلى الذي نفاه عن نفسه لا يخدش في جمالية الحب، فلا يخدش جنون مجنون الحسين في جمالية الحب والتحرر والكرامة. . وإذا كان الحسين رمزا جديرا بأن يوحد مشاعر الأمة لأنها معنية برسالة الحسين، فلا يسعنا إلا أن نشرك الحسين كل مسلم وكل إنسان ونقاسمه هذا العشق كل بقدر وكل بحسبه. فيا شيعة لا تجعلوا الحسين رمزا لكم وحدكم ويا سنة اجعلوه رمزكم أيضا. وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.

لا للاقتصاد في الرمزية الحسينية. فلنصنع منها ما نشاء ولنقل فيها ما نشاء إلا أن نشرك، فهيهات منا ذلك، ولا للاقتصاد في الرؤية المتعددة والغنية للحسين، ولنتوسع ما شاء لنا التأمل ولنستطرد ما شاء لنا التعبير ولنقرأ فيها طولا وعرضا إلا أن نشط طائفيا فهيهات منا ذلك. فلننح منحى قراءة تعادلية بالمعنى التواسطي ففي استحضار المستبعد واللامفكر فيه في الحدث الحسيني، ما يمكن من تجديد القول في الحسين دوما وما يفيد الأنام طرا.

* مقال نشر في شبكة النبأ المعلوماتية 1428

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1