باتت فوضى حمل السلاح في الولايات المتحدة الأمريكية ثقافة راسخة، حيث تشهد كل يوم تقريباً حوادث إطلاق نار دموية وسقوط المزيد من الضحايا، والتي كان آخرها حادثة مقتل 4 أشخاص وإصابة 4 آخرين، الثلاثاء 15/06/2021، في حادث إطلاق نار جماعي في حي انغلوود بشيكاغو. يذكر أن هذا هو ثاني إطلاق نار جماعي تشهده شيكاغو في الأيام الأربعة الماضية، بعد أن قتلت امرأة تبلغ من العمر 29 عاما وأم لثلاثة أطفال في إطلاق نار أسفر عن إصابة تسعة آخرين صباح السبت الماضي.

الأخبار التي تتداولها وسائل الإعلام عن وقوع حوادث إطلاق نار في الولايات المتحدة لا تعتبر مستغربة أو جديدة، فهي تعتبر من أحد السمات البارزة للمجتمع الأمريكي باعتبار حق حيازة السلاح حرية فردية وميزة للديمقراطية الأمريكية، إلا أن تواتر وقوع مثل هذه الحوادث التي يستفيق عليها الأمريكيون بشكل شبه يومي تسارع منذ العام الماضي، وفق ما كشفته بيانات رسمية إذ تجاوزت وفيات إطلاق النار في عام 2020 أعلى معدل لها، إذ فاقت المعدل الأعلى الذي كانت قد سجلته عام 2017، بأكثر من 3 آلاف و600 حالة وفاة، ويترافق هذا الارتفاع مع ظواهر خطيرة أخرى، إذ شهدت الولايات المتحدة، العام الماضي، أعلى زيادة في جرائم القتل خلال عام واحد منذ بدأت بالاحتفاظ بالسجلات، فعرفت أكبر مدن البلاد ارتفاعاً بنسبة 30 في المائة في هذه الجرائم، كما ارتفع عدد الإصابات الناجمة عن إطلاق النار بشكل كبير، ليلامس 40 ألف إصابة أي أكثر بـ8 آلاف مقارنة بالعام 2017.

في الحقيقة تكفينا، ودون الغوص في تفاصيل مضامين تلك التشكيلة الواسعة والمتنوعة من المنتجات والسلع الفكرية والحضارية الأمريكية الممزقة والمستعملة والمهترئة جداً، والتي تفوح منها رائحة الموت والخراب، تكفينا المقاربة من زاوية بالغة الوضوح والدلالة والأهمية وسعة الرؤيا، وهي زاوية الإحصاءات والأرقام التي تصدر عن وسائل الإعلام والمؤسسات الحكومية الغربية والأممية، حتى نتبين حجم الكارثة على مجتمعاتنا... في أمريكا التي يسيل لعابها وهي تلهث وراء السيطرة على العالم واحتلال معظم دوله وراء ستارة نشر مفاهيم الحضارة والحرية والديمقراطية، أكدت وكالة (بلومبيرغ)، وهي وكالة أنباء أمريكية مقرها نيويورك، في تقرير لها في السادس من آذار 2021 أن الإحصائيات المتعلقة بجرائم العنف، بينت ارتفاع معدلات جرائم القتل في الولايات المتحدة بشكل مقلق، لكن الأخطر في التقرير هو إشارته إلى أن الشيء الثابت في تلك الجرائم، هو أن معظمها يكون داخل الأسرة، وهنا تتجسد الدلالات والأبعاد والآثار الحقيقية لمفاهيم الحضارة الأمريكية التي تدعو إلى نسف كل القيم الإنسانية والأخلاقية على قاعدة تحرر الفرد من كل القيود والضوابط الأخلاقية والإنسانية. بدورها صحيفة "نيويورك تايمز" قالت في تقرير لها في الحادي عشر من آب 2020 إن هناك تصاعداً مقلقاً بجرائم القتل والعنف في الولايات المتحدة وفي معظم المدن الأمريكية وبنسبة ارتفاع 37 في المائة.

نغوص عميقاً في الإحصاءات، فنكاد نختنق من تلك الأرقام الصادمة التي هي نتيجة وسبب لثقافة الانحلال والانفلات الأخلاقي التي لا يزال يروج لها الغرب تحت مسميات وعناوين مختلفة، منها على سبيل المثال لا الحصر (الليبرالية الحديثة) التي تعد الأخطر في أهدافها ومفاهيمها وغاياتها التخريبية. فهل يعلم أولئك الذين يصفقون لتلك المفاهيم الأمريكية الغريبة عن مجتمعاتنا تحت عنوان (التحضر والحضارة) أن هناك واحدة من أصل ثلاث نساء في أمريكا وحدها تعاني العنف الجسدي أو الجنسي، وأن ثلاث نساء تقتل يومياً بسبب العنف المنزلي وأن هناك (24) مليون امرأة تمارس البغاء، وأن هناك (8) جرائم قتل كل (19) دقيقة، و(2) جرائم اغتصاب كل (7) دقائق، و(3) حالات سطو مسلح كل (59) ثانية، وهناك (257) ألف طفل يتم إجهاضهم، وهناك (21) مليون طفل يولدون بشكل غير شرعي أي لا يعرفون آباءهم، وكل ما سبق يجري تحت رعاية الأيدلوجيات الغربية التي يصدرونها إلى مجتمعاتنا رغماً عنا. وهناك (32) ولاية أمريكية من أصل خمسين ولاية تعترف قانونياً بزواج المثليين جنسياً، ووفق وزير العدل إريك هولدر فإن المثليين يحصلون على الحقوق القانونية كاملة التي يتمتع بها الأزواج المغايرون جنسياً، حيث تضاعفت أعداد المثليين لتصل إلى (33 في المائة) من أفراد المجتمع بعد تبني النموذج النيوليبرالي. مسؤولة الأمن القومي السابقة بوزارة العدل الأميركية ماري ماكورد، صرحت في آب 2019 أن ما تشهده الولايات المتحدة من عنف مسلح يمثل "مشكلة أخلاقية".

وللأسف، فالعلاقة الفريدة التي تجمع الولايات المتحدة بحيازة الأسلحة، سخرها الدستور الأمريكي ذاته حيث انتشرت ثقافة حق الفرد في حيازة سلاح ناري برعاية القانون كإحدى مفرزات الليبرالية الحديثة التي تعطي الفرد حرية منفلتة من أي ضوابط والتي تهدد المجتمع الأمريكي والأسرة ولا سيما في ظل انتشار أعمال العنف والانتحار وجرائم القتل الجماعي. في الولايات المتحدة يمتلك الأمريكيون بين 300 و350 مليون قطعة سلاح فردي للدفاع عن النفس، وهذا ما يجعل من الولايات المتحدة إحدى أكثر دول العالم خطورة من حيث انتشار الجرائم وأعمال العنف المختلفة، وانتشار المخدرات وتبلغ معدلات جرائم القتل باستخدام الأسلحة النارية في الولايات المتحدة أعلى بنحو 25 مرة منها في سائر البلدان مرتفعة الدخل مجتمعة. شركات تصنيع الأسلحة والذخائر التي تحولت إلى لوبيات حقيقية تخضع القوانين وصناع القرار في الولايات المتحدة لأوامرها تبقى المستفيد الأوحد فكلما أصر الأمريكيون على التمسك بما يعتبرونه حقاً مشروعا يكفله القانون بامتلاك السلاح زادت أرباح هذه الشركات ومن يقف وراءها على الرغم من الأضرار البالغة التي تسببها تلك الأسلحة بأيدي الأمريكيين بحق أنفسهم ومحيطهم في آن معاً.

ورغم وعود بايدن بتشديد قوانين حيازة السلاح، إلا أن كثيرين يعتبرون مهمته هذه شبه مستحيلة في بلد يمتلك أسلحة أكثر مما يمتلك من المواطنين، ومنذ توليه الحكم وقعت عدة حوادث قتل، وقد أعلن بايدن أسفه لحدوثها، معتبراً أن هذا القتل الجماعي وباء لا يقلّ خطورة عن مكافحة وباء الكورونا، وأنه ينتظر موافقة مجلس الشيوخ على ما وافق عليه مجلس النواب من قرارات خاصة بحظر الأسلحة وكشف سجل جنائي للشخص قبل حيازة السلاح، لأن هذه الأحداث -حسب وصفه- المتكررة هي ثقب في الروح الأمريكية ووصمة عار لشخصية أمريكا أمام العالم.

وبحسب مختصين في الشؤون الأمريكية لن تلقى الإجراءات التي يحاول بايدن اتخاذها التوافق بسهولة داخل الكونغرس، فأحد الأشياء الأساسية للجمهوريين ولليمين المعارض لبايدن هو ثاني تعديل في الدستور الأمريكي والذي يضمن حق المواطن في حمل السلاح، بحجة أنه إذا لم يسمح القانون للناس بحمل السلاح بسهولة فإن المخالفين للقانون هم فقط من سيحملون السلاح. ويرى العديد من الخبراء الدوليين في مجال حقوق الإنسان أن حق حيازة السلاح للأشخاص في القانون الأمريكي "حرية أمريكية قاتلة" حيث تعد عمليات القتل الجماعي التي يستفيق عليها الأمريكيون ما بين الفينة والأخرى سمة بارزة للمجتمع الأمريكي.

خلاصة الكلام: دورة العنف المتصاعد في الولايات المتحدة، والتي يتبادل فيها المجتمع والسلطة الأدوار في ارتكاب الجرائم، تذكر مجدداً بالحالة التي تعيشها الولايات المتحدة في ظل أوهام "الليبرالية الحديثة"، ققد بات واضحاً وجلياً تلك الهوة الشاسعة بين الواقع السيئ الموجود والمستفحل داخل المجتمع الأمريكي، وبين ما تحاول تسويقه وتصديره إلينا أمريكا، على أنه حضارة وحرية وتطور يساهم في إعطاء مساحات وفُسح جديدة للحريات والحقوق، فيما الواقع من الداخل يكشف ويؤكد عكس ذلك تماماً...!

ما سبق هو أنموذج واحد لما يعرف بالليبرالية الجديدة وثقافتها ومنهجها وهو النموذج الأمريكي الذي يبدو أكثر انكشافاً ودلالة ووضوحاً، وسوف نأتي لاحقاً على نماذج غربية أخرى تعري الأهداف الحقيقية لكل ما يصدِّره إلينا الغرب الاستعماري تحت شعارات وعناوين خادعة وزائفة باتت غاياتها وأهدافها مكشوفة وواضحة...

* كاتب صحافي من المغرب

اضف تعليق