من يحصل على منصب في إحدى مؤسسات الدولة؛ التنفيذية منها، او التشريعية، او القضائية، لاسيما في المراتب العليا، كأن يكون وزيراً، او مديراً عاماً، او نائباً في البرلمان، او قاضياً في المحكمة، يغمره شعور عارم بأنه حصل على مكسب، ربما هو أكبر ما يحصل عليه في حياته، لذا يعده ملكاً شخصياً الى جانب السيارة، والبيت، وسائر الممتلكات الشخصية.

وعندما يجد أن هذا المكسب يتطلب منه احتكاكاً مع المجتمع وافراد الشعب فانه يضطر لتأطير هذه العلاقة بأشكال مختلفة يتعكّز خلالها على مفاهيم سياسية مثل "الديمقراطية"، وأن بينه وبين الشعب "عقد اجتماعي"، و احياناً تأخذه المذاهب بعيداً الى حيث الإيحاء للناس بالفضل والمنّة عليهم بما قدمه من أفكار ونظريات يدّعي أنها زعزعت الارض من تحت أقدام حكام طغاة أطاح بهم، وشيّد صرح نظام حكم جديد يتطلع الى تحقيق مطالب الجماهير، ولعل هذا النوع من الحكام يكونوا أشد ادعاءً بأحقية تملّك الحكم من الطغاة والديكتاتوريين "بشكل رسمي"، فهم يمتلكون في يد، الشرعية السياسية "الديمقراطية"، وفي اليد الأخرى الشرعية الجماهيرية "الثورية".

في القرآن الكريم ثمة آية تقول: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً}، وفيها إشارة صادمة لمن يهمه الأمر الى وجود نمط خاص بالحكم غير معهود يدعو الى توخي الحيطة والحذر من التصرف بالمنصب الحكومي، وأن يفكر "المسؤول" بان منصبه هذا أمانة في عنقه، عليه المحافظة عليها من أي تصدع او تلوث بفساد في العمل، او انحراف في المنهج، او ان يكون سبباً في إلحاق الضرر بالناس، وفي الوقت المحدد يسلّم هذه الأمانة (المنصب) الى من يليه في أجواء سلمية وطبيعية وفق نمط النظام الديمقراطي المعمول به في العالم.

مصالح الناس أمانة

عرف الإنسان الأمانة كقيمة أخلاقية وانسانية من خلال رسالات السماء، ثم كرستها في سلوك وثقافة البشرية بمصاديق عملية في نواحي مختلفة من الحياة، وقد أكد الاسلام على هذه القيمة، وحذر من مغبة السقوط في نقيضها (الخيانة)، كما أبعدت عنها النوعية والكمية؛ من أبسط شيء الى أكبر شيء، وايضاً؛ هوية المؤتمِن، كأن يكون غير مسلم، ولتكون الأمانة جزءاً اساس في التعامل ضمن النظام الاسلامي؛ الاجتماعي منه والسياسي، والاقتصادي.

وبما أن مسائل الحكم تعني حق التصرف بمصالح الملايين من البشر، وتقرر مصيرهم، فان الامانة تأخذ بعداً خاصاً يسلط الضوء عليه سماحة آية الله السيد مرتضى الشيرازي في مؤلفه القيّم: "ملامح العلاقة بين الدولة والشعب"، ويؤكد أن "الحكم أعظم أمانة، فانه الدائرة العظمى الشاملة للملايين او المليارات او الترليونات من مفردات الأمانة ومصاديقها، فهي أمانة كبيرة استثنائية تقع على عاتق الحاكم والحاكمين، والمسؤول والمسؤولين، وهذا يدعو الانسان أن لا يُفرط في امانته مهما كان نوع هذه الامانة".

وحتى نصل بالسادة المسؤولين في العراق، او في أي بلد مسلم آخر للإجابة على السؤال الذي عنونا به هذا المقال، يجدر بنا تحديد المصاديق الأبرز للأمانة في الحكم، وأين تكون؟

سماحة آية الله الشيرازي يبين بشكل رائع ثلاث ميادين أساس؛ السياسة، والمال، والأمن (الأسرار)، فالحاكم رئيساً كان أو مديراً، اوزيراً، هو "أمين على اقتصاد البلد، وعلى سياسة الوطن، وعلى التحالفات، وهو أمين على السياسة الداخلية، والخارجية، كما هو أمين على المناهج التعليمية والتربوية، وعلى الأمن الوطني، وأن لا يترك الوطن حاضنة للإرهاب ومنتجاً له". وهو أمين ايضاً على أموال الناس التي تُجبى كضرائب ورسوم فيما يسمى بخزينة الدولة، علماً أن فكرة الضريبة بالاساس محرمة في رأي الكثير من مراجع الدين، مع ذلك فان ما يتكدس من أموال في الحسابات المصرفية التابعة للدولة او لوزارة المالية تحديداً، فأنها "أمانة بيد الحاكم ويجب أن تصرف في مصالح الناس".

ويعزو سماحته اسباب ودوافع الثورات والانتفاضات في البلاد الاسلامية، كما هو واضح ومسلّم لدى الجميع، الى سوء التصرف بهذه الاموال والعبث بها في موارد بعيدة جداً عن مصالح الشعب، ولصيقة بالمصالح الخاصة لهذا الوزير وذاك المدير، بما يؤكد لدى جماهير الشعب تحقق الخيانة في أموالهم وحقوقهم.

ومن المصاديق المهمة في الأمانة؛ أسرار البلاد من أرقام واحصائيات عن مسائل حيوية واستراتيجية تتعلق بقدرات البلد والشعب، وهذا يشمل المسائل العسكرية، كما يشمل عدد العلماء في الفيزياء النووية –مثلاً- او هندسة النفط، او مجالات عقدة في الطب والأحياء المجهرية وغيرها من العلوم، وايضاً معلومات عن حجم الثروات المعدنية والقدرة على الانتاج الزراعي وغيرها مما تغلق معظم بلدان العالم الابواب دون هذه المعلومات وبإحكام شديد، ويشير سماحته الى وجود خيانات سافرة في هذا الجانب من حكامنا في العراق ومصر والخليج حيث "ان كثيراً من الاسرار الاقتصادية والعسكرية والاجتماعية، تتسرب من داخل الوزارات ومؤسسات الدولة وتقع بأيدي أجنبية".

مبدأ الثواب والعقاب

هنالك أعمال يقوم بها الانسان في حياتية اليومية من منطلق الإرادة وحرية الاختيار ترتبط به ذاتياً، ولم يأمر الشرع ويوصي بها كما هو الحال مع الإنفاق والإحسان والعفو، فربما يمارس الانسان تمارين رياضية يومية لتنمية عضلات بدنه، او يختار لنفسه نوعاً من الملابس والاطعمة وسائر المقتنيات، بينما هنالك أعمال تندرج ضمن قانون الثواب والعقاب ومنها الآية الكريمة التي يبحثها سماحة آية الله الشيرازي بمحورية الأمانة، فهو لا يرى في هذه العبارة: {إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ} ما يدل على الإرشاد والنصح، كما ينصح الطبيب مريضه بتناول الدواء، وإنما القضية "مولوية"، لأن "الموعظة لا تتنافى مع الأمر المولوي، فهما يجتمعان، لأن المولى اذا كان حكيما، وكانت أوامره صادرة ونابعة من مصالح ومفاسد في المعتلقات لكانت فيها فائدة دنيوية وأخروية"، كما هو الحال في الصلاة والصيام، فيهما فوائد دنيوية وأخروية ايضاً.

وبالمقدار الذي يؤدي الانسان هذه الفرائض ويلتزم بالقيم السماوية مثل العدل والإحسان والإنفاق، فانه يكسب رضا الله –تعالى- بالمقابل تكون بانتظاره العقوبة الأخروية في حال التنكّر لهذه القيم، وهذا يكون الى جانب العقوبة والإدانة في الحياة الدنيا لكل خائن وظالم، وهو ما يحكم به الوجدان قبل العقل.

وفي ملف الحكم والسلطة فان التنكّر لأحكام الله وقيمه وتعاليمه يضعنا في خطوة متقدمة من التصدّي لهذا الحاكم الظالم والخائن والخارج عن شرع الله، قبل التفكير بمعارضته وتقويم طريقته في الحكم، فالذي لا يخاف الله –تعالى- لن يخاف الناس ولا ملايين الشعب، عندما يعد نفسه مالكاً للثروات والقدرات، وانه صاحب فضل على الناس في توزيع الرواتب عليهم، ومنحهم حرية البناء والسفر والعمل ضمن قوانين وضوابط محددة، ولا يرى لأحد حقاً في الاعتراض على أي قانون مهما كان ظالماً او مجحفاً وغير معقول، بل يرى لنفسه الحق في ان يكون هو المعاقب للعاصين والمعارضين، كما يكون المُثيب للمصفقين والمؤيدين!

اضف تعليق