في 28 حزيران 2004 تشكلت الحكومة العراقية المؤقتة لتحل بدلا عن مجلس الحكم وسلطة الائتلاف الموحدة تحت اشراف الولايات المتحدة الأمريكية ومن ثم حل محلها الحكومة العراقية الانتقالية في 3 أيار 2005.

هذه كانت بداية القوى السياسية الاسطورية "زحفا نحو بغداد". ومن ثم بدأ الصراع السياسي الذي خلف الطائفية والمحاصصة والفساد حتى سقوط أجزاء واسعة من الاراضي العراقي بيد تنظيم داعش.

بعد كل الانهيارات يمكن للقارئ أن يطالع ما جرى منذ عام 2003 وحتى كتابة هذه السطور من أحداث وتداعيات خطيرة.

لكن السؤال ماهو الشي الذي يخبرنا به مستقبلنا في ظل مسارات الصراع؟ بتصوري يمكن تلخيص ذلك بقول "إنهيار النظام الديمقراطي" فسلوك السلطة لم يوحي بأن الديمقراطية تم تعزيزها بل تم تعريضها للخطر، وأصبح لزوما علينا أن نخضع من في السلطة "لاختبار المحك" لتحديد من هو يؤمن بالانتقال السلمي للسلطة وداعم للديمقراطية عن غيره الذي يناهضها.

وعلى الرغم من أن السلطة لم تقدم دائما الأداء المقبول، لكننا لا يعني أن لا نرفض الأنظمة المتسلطة، كما نرفض المقايضة بين الديمقراطية والرخاء، فان القلق يسود مرحلة ما قبل الانتخابات والتي من المتوقع عدم ضمانها تحقق الوعود ومحاربة العنف والفساد وانقاذ الاقتصاد والحفاظ على الديمقراطية. كذلك لا تبشر القوى السياسية التي تهمين على السلطة بسيرورة مسار السلطة وفق منهج الديمقراطية الذي تم إقراره في الدستور.

بل يمكن أن يؤدي الانتقال الى عدم الاستقرار بما ينطوي على انقلاب على العملية السياسية، ما لم يكن هناك وعيا كافيا ورفضا شعبيا لأي قوى لم تثبت نيتها الصالحة حول إجراء اصلاحات وتحسينات.

الحكم الصالح ليس قيمة في حد ذاته فحسب، بل إنه يساعدنا في دعم الحقوق بكل مسمياتها. لذا فهو موضوع يستحق النقاش وتجشم كل هذا العناء، وعما إذا كانت هناك خطوات تمهد الطريق لإدخال تحسينات في مجال بناء الدولة.

الوعي الشعبي والنخبوي من جهته مطالب بأن يضع معايير وعلامات تشخص الخلل وتساعد على معرفة مسارات السلطة وتوجهاتها أفرادها. بل يجب الشعور بالقلق عندما يرفض أي طرف ما قواعد الديمقراطية التي تتعرض للخطر وسط اسقاط الشرعية وتكميم الأفواه وقتل المعارضين والتسامح مع من يقوم بالعنف.

في مثل هذه التحديات أصبحت معايير انتخاب الأشخاص والأحزاب توجب علينا فهمها، فالانتخابات السابقة أفرزت لنا خطابات وممارسات مشوبة بالفساد وبالطائفية والشعبوية دفنت مصلحة الوطن. فهناك مجموعة من المعايير التي يجب ان تؤخذ على محمل الجد شانها أن تحد من أي نزعة استبدادية.

أولا. أن يكون المرشح ملتزما بموعد الانتخابات وحريتها ونتائجها والالتزام بما نصه الدستور، وعدم التلويح بالعنف وتجييش الشارع. وأن لا يكون معاديا لإجراءات الديمقراطية، مثل الغاء الدستور أو الانتخابات، أو من سماته يرفض الالتزام بالقواعد.

ثانيا. أن يكون المرشح مؤمنا بوجود معارضة ولم يحرض على قمع الحريات أو يشجع على سن قوانين من شأنها تسكت الأصوات المعارضة وتقمع الحريات.

ثالثا. أن يؤمن بالعمل المدني وليس لديه روابط مسلحة، ولم يسبق أن حرض على ذلك.

ثالثا. كذلك من المعايير المهمة توفيرها، الأمن الذي هو حجر الزاوية في الانتخابات القادمة، وينبع القلق من الفشل في الحد من التزوير، وتأمين مشاركة واسعة.

رابعا. أن تكون هناك مراقبة دقيقة على الانتخابات، وهذا ما ترفضه بعض القوى السياسية بذريعة التدخل بالشؤون الداخلية للبلد.

خامسا. من المعايير المهمة لنجاح الانتخابات الايمان بصعود قوى جديدة، فهناك خشية من استبعاد معظم أعضاء البرلمان وبالتالي سيحرص من في السلطة على تأجيل الانتخابات.

ثمة دور ديني واجتماعي محوري حرص على إدخال إصلاحات صعبة المنال في سياسة السلطة الحالية منذ تمرير عدة وثائق ونصائح، فتضاعفت الخطب السياسية والارشادية إلى أقصى حدود خلال عقد ونصف. وتمثل هذا الدور في ثلاثة معايير:

الأول. الحث على الحكم بالعدل من خلال حماية الحريات ومكافحة الفساد ونفاد القانون.

الثاني. حث الشعب ودفعه نحو انتخاب الاصلح والدفاع عن منظومته السياسية.

الثالث. الحث على انتشال الوضع الاقتصادي المتردي. هذه الأدوار لم تكلل بالنجاح في مستوى التطلعات. وما ينبغي فعله أن نعزز الدور نحو فتح حوار شعبي ونخبوي واسع ليشمل كل الأفراد والجماعات التي تنبذ العنف وتؤمن بالانتقال السلمي للسطة، يهدف هذا الحوار الى رفع قيمة الديمقراطية وتقليص أسهم الأحزاب الشمولية بشكل سهل.

ولابد من بناء نظام محاسبي يراقب السلطة والحد من هيمنتها على مؤسسات الدولة والحكومة. ينبغي أن تبذل القوى الجديدة التي تؤمن بالعمل السياسي وفق قواعد الديمقراطية جهودا كبيرة لإشراك الفاعلين من المجتمع المدني ومراكز الأبحاث والنقابات ومكونات المجتمع. قد تيسر هذه الاستراتيجية عملية التحول في النظام الحالي.

* كاتب صحفي وباحث عراقي

اضف تعليق