انشغلت شعوبنا في العقد الأخير من القرن العشرين والأول من القرن الواحد والعشرين وقبلهم نخبنا من كتاب ومفكرين ومثقفين بالمسألة الديمقراطية وتشعبت فيها النقاشات حول ضرورة وأهمية الأفكار والتطبيقات الديمقراطية، واتفقت كل الآراء العربية الشعبوية والنخبوية على خلاصة الحل الديمقراطي، وأن الديمقراطية أمست ضرورة عضوية في الحياة الاجتماعية والسياسية في العالم المعاصر واتسعت في أهميتها العضوية لتشمل الرؤى والتصورات الاقتصادية في ما عرف بالخصخصة التي بشرت بها خيالات العولمة الأميركية.

وكانت نماذج الديمقراطية في الغرب الصناعي وبعض دول آسيا الشرقية والنهضة الاقتصادية فيها تبهر العقل العربي الذي هو بطبيعته مبهورا دائما بالأجنبي ومأخوذا بالإنجاز لدى الآخر الأعجمي أو الأجنبي.

وكانت الدعاية الاعلامية–الغربية شديدة الوطأة على قواعد التفكير لدينا لا سيما وأنها جاءت وفق صياغات ثقافية فكرية وفلسفية تبنتها أفكار وأدبيات كبار فلاسفة ومفكري عصر التنوير الأوربي وأعيد التفكير من جديد بصياغات ونظريات العقد الاجتماعي التي تعود الى قرون خلت من التاريخ الأوربي الحديث، وعادت تطبع من جديد كتب وأفكار جان جاك روسو وديفيد هيوم وجان لوك ونظرياتهم في الحكم المدني الذي يؤسس للمواطنة علاقة أولى في الدولة، وكتب عمانويل كانط في الحداثة والتنوير باعتبارها أي الحداثة والتنوير هي البيئة الصالحة والشرط الوحيد في نجاحات الديمقراطية في مختلف شؤون الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

وقد جاء تزامن سقوط الأنظمة الدكتاتورية في دول الكتلة الشيوعية في تسعينات القرن العشرين لتؤكد على فشل أنظمة الضد النوعي للديمقراطية وهي أنظمة المركزية المفرطة في الحكم والادارة في الكتلة الشرقية–الشيوعية وقد تخلخلت على أثرها انظمة الدول الاشتراكية وحكوماتها الدكتاتورية في آسيا وأفريقيا وأميركا الجنوبية، وكانت العلامة الفارقة في الأنظمة الاشتراكية في العالم هي التضمينات الدكتاتورية والرمزية القاتمة لها في شخصية الزعيم الأوحد للدولة والشعب. والاخطر في تلك الرمزية المدلهمة بضبابية المعاني ونزوعها عن اللاإنساني هو تشكيلها الزائف لمعاني الوطنية في الولاء وتقديم فروض الطاعة للزعيم الوطني أو الزعيم الأوحد.

لقد استطاعت تلك الأنظمة البائسة في المعنى السياسي والاجتماعي أن تقوم باستبدال المضامين الفكرية والسياسية وحتى العاطفية لمفهوم ومبدأ الوطنية الذي صاغته وأنتجته الحركة السياسية والاجتماعية التاريخية للشعوب العربية في دولنا وكان لها الأثر الفعال في استقلال وبناء دولنا في أعقاب الحرب العالمية الأولى التي شهدت تأسيس وبدايات بناء الدولة العربية الحديثة أو دولة ما قبل الانقلابات العسكرية الخمسينية في القرن العشرين. فقد كان معيار الوطنية ومحتوى المبدأ فيها عمليا هو الوطن لكنه ومع الأنظمة الدكتاتورية وفي أعقاب سقوط الملكيات العربية اللبرالية-الوطنية -وهنا أقصد اللبرالية الوطنية لغرض تمييزها عن اللبرالية الأوربية والأميركية ذات النزعة الرأسمالية واللاإنسانية -.

شهدت هذه التضمينات الانسانية والتاريخية للوطنية عملية استبدال وتحوير زائف لها، فقد أهمل المضمون لصالح الشكل الذي طغى عليه أو استحوذ عليه الدكتاتور–الزعيم الأوحد وبذلك بدأت المنافسة الضالة بين الزعيم والوطن في أحقية الأولوية واستحواذ الاهتمام الانساني والشخصي، وقد تمكن الدكتاتور العربي في أنظمة الانقلابات العسكرية من مغالبة الوطن والاستحواذ على الكل الوطني والكل الشعبي فصار الوطن تابعا وليس مجرد الشعب وتقدمت مقولة الدكتاتور على مقولة الوطن فاذا قال الزعيم قال الوطن وهي تذكرني بالعبارة الدكتاتورية التافهة معنى ولفظا وهي "اذا قال صدام قال العراق".

لقد أمسى الوطن في ظل أنظمة الانقلابات العسكرية العربية مستلبا فأمست في نتائجها الوطنية استلابا مفاهيميا وعقائديا، وهنا عانت الوطنية العربية اغترابا ذاتيا وتعرضت الى محو عملي-مفاهيمي وعقائدي في الذات العربية المتشكلة في ثقافات وسياسات دول الانقلابات العسكرية العربية، بعد ان تحول مفهوم الولاء فيها من الوطن الى الحزب الذي كرسته ثقافات وأدبيات الاحزاب العربية بكل مسمياتها الأيديولوجية، ثم تحول فيها هذا الولاء الى الزعيم–الدكتاتور أو الزعيم–المعارض وهو أخطر تحول شكلي فيها تحولت على أثرها الى مرساة نجاة بالنسبة للإنسان العربي تضمن نجاته من اتهامات الخيانة والولاء للأجنبي وهكذا غدا مفهومها الشعبوي المتداول لها في الأوساط الشعبوية العربية بعد ان كرست ذلك المفهوم الزائف وسائل السلطة والقوة في الدولة العربية ولازال ذلك التكريس يسيطر على عقل السلطة العربية.

لقد اختزلت الوطنية بأطر وظيفية وضيقة من التعريفات والمفاهيم السلطوية في المجتمعات العربية في ظل الأنظمة الدكتاتورية السياسية والثقافية مما مهد الى المقت الفكري والنفسي لها نتيجة اقترانها بسياسات القمع الفكري والسياسي وما أنتجته من مفاهيم توظيفية في خدمة الدكتاتورية تدور في مصطلحات الخيانة والعمالة والطابور الخامس التي شاعت مصطلحاتها وألفاظها في الحقبة الدكتاتورية العربية، وهنا نؤشر ذلك الغياب المفرط لها في تداول الأدبيات العربية الحديثة الثقافية والاعلامية غير الرسمية، وهو أورث الغياب في تحديد وتصنيف العلاقة بالدولة العربية بالنسبة للفرد– المواطن العربي.

وبالنتيجة فقد أحدث هذا التغييب في تصنيف العلاقة الوطنية فراغا ثقافيا ونفسيا–عاطفيا في الانتماء العربي للارض–الجغرافيا، وللتاريخ–الحضارة وهذا الاحساس باللاانتماء العربي هو الذي يفسر الى حد كبير مكابدة الاغتراب الوطني وهجرة الآلاف من العرب الى أوربا في الفترة التي أعقبت الربيع العربي وسقوط الأنظمة الدكتاتورية.

وقد أدركت النخب العربية مبكرا ذلك التخلخل الثقافي والسياسي في العلاقة بين الانسان العربي والدولة العربية وأثره في إمكانية انهيار الدولة العربية مما حدا بها الى إستبدالها وبشكل منظم ثقافيا ومعرفيا بمفهوم المواطنة رغم عدم قصدية هذا الاستبدال وبشكل تعي به هذه النخب عملية الاستبدال أو بشكل مقصود في هذا الاستبدال، وقد قدمت فكرة المواطنة الى المجتمعات العربية من خلال هذه النخب وفق صيغتها الأوربية -الحداثية باعتبارها علاقة سياسية وقانونية بالدولة بعيدا عن المشاعر والعواطف المتصلة بالأرض–المكان والتاريخ–الزمان الذي تنشأ فيهما قيم الوطنية العليا وتنبني على مبدأ الواجب.

بينما تنبني المواطنة على مبدأ الحقوق وهي أول خطوات الاستبدال التي يمارسها مفهوم المواطنة في تنظير الأسس التي يقوم عليها والوسائل التي يعتمدها في تنفيذ مبدأ الحقوق في الديمقراطية، وبذلك شكلت المواطنة بديلا غير معلن عن الوطنية في إغراءاتها بتقديم مبدأ الحق على مبدأ الواجب من أجل ضمان الحقوق الفردية للانسان–المواطن وبديلا معلنا ومقنعا بنفس الوقت عن مبدأ الرعوية التقليدي والسائد في أنظمة الدولة العربية وعلاقتها بالإنسان العربي والذي كان يغذي الوطنية في ظل الأنظمة الدكتاتورية العربية بشكل ومضمون سلبي.

وقد عمدت الحملة الدعائية الثقافية والفكرية الغربية لا سيما الأميركية الى تغييب الأفكار والتصورات المتصلة بقيم الوطنية في كل أدبياتها، بل لا نكاد نعثر على فكرة الوطنية لفظا أو معنى في كتابات وأدبيات الديمقراطية المترجمة الى اللغة العربية، وقد غزت العالم لا سيما عالمنا أفكار الديمقراطية وبنسختها الأميركية ذات النزعة المضادة لحدود الوطن من خلال تطبيقات نظام السوق الحرة وسياسات النقد الدولي وهي الكفيلة عمليا بإلغاء قيم الوطنية وإلحاق الوطن بنظام العولمة الأميركية. ورغم فشل أميركا في ذلك الجانب أو فشل العولمة إلا أن بصمات هذه العولمة الثقافية ظلت فاعلة في مجتمعات عالمنا فأمست أوطانه مهددة بإلغاء الهوية الوطنية من خلال إحياء الهويات الفرعية التي عمدت اليها الاستراتيجية الأميركية ومبدأها في التعددية الثقافية ومحاولتها المستمرة بإلغاء مبدأ حقوق الانسان على مستوى الدساتير والقوانين الدولية–الأممية بمبدأ حقوق الأقليات والأثنيات.

وتكشف الاستراتيجية الأميركية في هذا النطاق عن السعي المحموم للإمبريالية في محو مفهوم وفكرة الوطنية على مستوى العالم لا سيما في عالمنا من أجل الهيمنة الاقتصادية القصوى على العالم، وفي جانب من أسبابها التاريخية يعود الى المسارات الخاصة بالوطنية وبما كانت تمثله قيم الوطنية وتؤمن به من أفكار ومبادئ المقاومة للإمبريالية الغربية الاستعمارية، لقد تركت المسارات التاريخية والمقاومات الوطنية في آسيا وأفريقيا وأميركا الجنوبية جروحا ناتئة في الذاكرة الغربية الاستعمارية وأورثت كل تلك الكراهية في سياسات وأفكار الغرب تجاه ثقافة الحرية الوطنية التي ظلت تعبر عن روادها المحليين والوطنيين بالارهابيين وتزخر ثقافة الحرية الوطنية بالمضامين المتعلقة بالهوية الوطنية، وكانت تلك المضامين هي التي تغذي قيم ومبادئ الوطنية في عالمنا الخارج توا عن أطره التقليدية الما قبل حداثوية الى تصنيفات وتشكيلات الدولة الحديثة التي يدخل في تاريخها الحديث وفي تكوينها وانتاجها وبشكل أساسي النضال ضد الاستعمار الغربي.

وعلى أثرها سعت السياسات الغربية الى إعاقة حركة التقدم التي شهدها عالمنا في أعقاب الحرب العالمية الأولى وحركات الاستقلال والتحرر ونجاحها في الوصول الى السلطة والحكم وكان المجال واسعا ورحبا للتطبيقات الوطنية في ظل حكومات الاستقلال لولا العوق الدكتاتوري الذي رافق هذه الحكومات وتحوله الى العوق التنموي وكان مدعاة للتبرير الذي تمسك به الفكر الغربي–الديمقراطي في فشل الحركات والمشروعات الوطنية بكل صيغها القومية واليسارية والاسلامية.

وهنا في تعامله مع عالمنا يطرح الفكر الغربي إستراتيجيا البديل الديمقراطي في المواطنة باعتبارها الضد النوعي للعوق الدكتاتوري، ويكفل البديل الديمقراطي أيضا إزاحة كل تراكمات العلاقة السلبية في الحقبة الاستعمارية بين الغرب وعالمنا من خلال تغييب فكرة الوطنية بالبديل المعد لها في فكرة المواطنة، ويهدف الغرب في ذلك الى إعادة صياغة العالم وفق رؤى وتصورات هذا الغرب الطامح الى الهيمنة في صلب حركته التاريخية الذي تظل المسألة الوطنية وبنيتها الأساسية في الهوية الوطنية عائقا بنيويا وتاريخيا أمام طموحاته الامبريالية والتاريخية.

ولا يعني نقد الغرب وسياسات الولايات المتحدة في توظيف فكرة المواطنة باتجاه مصالحهما الامبريالية هو موقف مضاد للمواطنة بقدر تأشير الخلل في هذا التوظيف الذي ينعكس سلبا على عالمنا، وتكمن خطورته الامبريالية في محو قيم الوطنية لصالح مصالح الغرب والولايات المتحدة من خلال إملاء هذا الفراغ الناتج عن هذا المحو بأفكار المواطنة وفق المقاسات الغربية والأميركية والخشية من تسويقه بديلا عن قيم الوطنية.

* باحث في مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث/2002–Ⓒ2021
http://shrsc.com

اضف تعليق