تعجز اتجاهات نظرية التحليل السياسي عن الاحاطة الكافية بمتغيرات الواقع السياسي العراقي، كما تعجز شقيقاتها (النظريات الاجتماعية) في اعطاء تفسيرات وافية للعواصف المتلاحقة في الاجتماع السياسي، فللاضطراب السياسي عندنا جذور تاريخية، مذهبية - طائفية، اقتصادية -طبقية، نفسية - قيمية، اقوامية - عشائرية، وقد اجتمعت عناصر كثيرة لتجعل من هذه الارض ومن سكنها ظاهرة منفردة الى حد ما عن مثيلاتها، بشدة الفتن وكثرة الصراعات وتعدد المدارس الفكرية والسياسية والحزبية، فنحن امة لا تكاد تتفق احزابها وتتوافق زعاماتها على امر جامع وصارت اجيالها الشابة تتوارث الاختلاف وتعجز عن ادارته بما لا يتحول الى كوارث يومية تدمر الحاضر وتطيح باي امل في المستقبل.

ورغم ما يعزى الى اختلاف المصالح والافكار والقيم من اسباب كامنة وراء هذا الاختلاف المزمن !؟، لكن من الحق ايضا ان يشار الى الاسباب النفسية الكامنة، والتي بدورها تمثل محركات ودوافع للسلوك السياسي والاجتماعي الصراعي فرديا وجماعيا، فنظرية الصراع الاجتماعي لاسيما تلك التي طورها عالم الاجتماع كارل مانهايم (1893-1947)، قد تستوعب الكثير من اسباب الصراع والتنافس في المجتمعات، كصراع الاجيال، وصراع المؤدلجين والطوباويين (حكاماً ومحكومين)، وصراع الفئات الاجتماعية والسياسية والدينية المختلفة (اديان، مذاهب، احزاب، سلالات، عرقيات، اثنيات، قاهرين، مقهورين اغنياء، فقراء، مستكبرين، مستضعفين)، وهذه نظرية مهمة وذات قيمة كبيرة، الا انها تعجز كذلك عن تفسير اسباب الصراع المتعدد الاتجاهات.

فتارة يكون الصراع داخل الحزب الواحد، وداخل الطائفة الواحدة، وداخل العرق الواحد، وليس بين احزاب وكتل بشرية متعددة الهويات والانتماءات والنزعات والمعتقدات، وقد يمكن الوصول الى تسويات وتوافقات تؤمن فترات طويلة من الاستقرار والهدوء، تتيح بدورها نهوضا وتنمية وتطورا وحداثة، كما هو شأن الكثرة المتكاثرة من الشعوب والامم والدول، التي اجتازت تحدي الاختلافات والنزعات والهويات والعصبيات المختلفة.

وحولتها من تهديد الى فرصة، ومن فشل الى نجاح، لكن الفرادة العراقية تستدعي البحث عن اسباب لظاهرة الصراع وعدم الاستقرار، غير تلك التي تناولها الباحثون السياسيون وعلماء الاجتماع والانثروبولوجيا واللاهوتيون وحفار والتاريخ.

في تقديري ثمة عامل نفسي صار يغذي اشكال الصراع، ويهدد فرص الاستقرار ويقوض امكانيات الاجتماع على مصالح مشتركة وهوية جامعة لامة عانت كثيرا من العنف والصراعات على السلطة والقيادة والريادة والاحقية، هذا العامل هو الخوف، الخوف بالمعنى النفسي الجماعي الذي يتخذ شكل الاضطراب او الفوبيا Phobia، والذي اصبح مغذيا ومعززا لكل اشكال التنازع والتنافس والصراع والعنف، فحينما يتجاوز الخوف حدوده الطبيعية بوصفه رد فعل شعوري فزيولوجي على كل اشكال التهديد المعتاد، فانه يصبح مرضا خطيرا يقود الى كل اشكال السلوك العنيف، تحت ضغط الحاجة الى الدفاع عن الذات والتمركز حولها ونبذ الاخر، الذي يمثل تهديدا ومنافسا لا يتشارك معها.

الافكار والرؤى والمصالح والانتماءات والتنظيم الذي يصهر الافراد في هوية جماعية حد الذوبان، في هذه اللحظة لا يعود للعقل السياسي القدرة على فرز الامور وتحليلها بعقلانية، بل ان التركيز سيدور حول رد الفعل الغرائزي، بان الذات الفردية او الجماعية مهددة، وان هناك من يخطط لافنائها وتهميشها وزحزحتها عن موقعها القيادي او السلطوي، وتجريدها من مصالحها ومواقعها التي تستحقها أو تتخيلها.

الخوف اذن هو ما يغلف المواقف والسياسات والسلوكات الاجتماعية ذات الصلة بالحيز الاقتصادي السياسي والديني، فثمة خوف على حقوق الطائفة او القومية او المذهب، او الحزب، او الجماعة بما يقود الى الاستعداد الدائم لتفسير كل شيء بما يخدم فكرة الصراع حقا وافتراضا.

لدينا في العراق صراع دافعه الخوف من خسارة الكرد مثلا لمكتسباتهم القومية وتباطؤ مشروعهم لبناء (الامة - الدولة)، وصراع اخر منشؤه الخوف من الاضطهاد الطائفي بما يجعل السني يحاول الوصول الى القيادة ودفة الحكم لينفرد بالسلطة بما يضمن له الدفاع عن وجوده الجماعي ومصالحه السلطوية في المجتمع والدولة كما كان سابقا.

ولدينا خوف شيعي من خسارة السلطة بما يعيد تنشيط ذاكرتهم باحداث المجازر الجماعية والابادات والاضطهاد والمقابر والتهميش، فيصبح الدفاع عن حقوق الاكثرية الشيعية حجر الزاوية في سياسات الاحزاب والجماعات السياسية والفصائل والقوى الشيعية، وقد تدخل فيما بينها بصراعات ثانوية خطيرة ومكلفة تحت مدعى الاحقية بتمثيل مصالح المعتقد والمذهب والطائفة ،مبررة سلوكها بانها تفهم مالا يفهمه الاخرون، وانها الاقدر على تشخيص التحديات ورسم الاستراتيجيات والخطط لمواجهة تلك التهديدات.

طبعا هناك من يغذي وينفخ بنار هذه التوجهات ويسبغ عليها مشروعية دينية أو مذهبية ويعزز ارجحيتها السياسية في نفوس العامة باساليب التعبئة الشعبوية واسلوب استخدام الذاكرة، وتوظيفها عمليا.

من يحررنا من الخوف، حتى نبصر الواقع بدون تأثيرات هذه الفوبيا والوعي الزائف وحفريات الزعماء وماكينات الاعلام والدعاية التي لا تتوقف؟، لا سبيل في تقديري لاصلاح الحياة السياسية وتنمية المجتمع ثقافيا وقيميا، واعادة الحياة للتنشئة السياسية السليمة الا بالتحرر من عقدة الخوف هذه، يوم يتحرر الكردي والسني والشيعي من مغذيات هذا الخوف ومظلته السياسية وحمولاته التاريخية تهدأ الحياة السياسية ويصبح ممكنا الاتفاق والتوافق على المصالح الجماعية، لن يتخلص الكرد والسنة والشيعة والاقليات الاخرى من مفاعيل الصراع الداخلي والخارجي الا بالخلاص من فكرة الحق التاريخي.

فدائرة هذه الصراعات تتجاوز معادلات الخارج والرعاة الاجانب ومشاريعهم في الداخل العراقي، انها تحفر داخل الحزب الواحد والجماعة الصغيرة والجماعات الاكبر، في هذه اللحظة لا يعود الصراع محركا من محركات التاريخ وصانعا للاحداث الكبرى ومطِلقا للافكار ولحركات التغيير الاجتماعي.

بل يصبح اداة بيد المغامرين لهدم الدول وتفكيك المجتمعات وفرض الايديولوجيات وترسيخ الاستبداد بقوة السلاح وكسر القانون وخرق الدساتير والاعراف والقيم السياسية الحديثة، لازلنا بعيدين عن التفكير السليم بأهمية ترسيخ منطق الدولة والقانون والديمقراطية، منطق الدولة الحديثة التي تحتاج الى عقول وارادات متحررة من الخوف المرضي الحقيقي والمفتعل.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر الضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق