يشير الكاتب الهندي–المسلم أكبر صلاح الدين أحمد الى أن نظام الدولة–الأمة في مجتمعاتنا الاسلامية هو أسوأ إرث تركته الحداثة التي هي أوربية بداهة وواقعة تاريخية، ويؤكد أن أسوأ أشكال النظام السياسي للدولة الحديثة هو في شكله ومضمونه الآسيوي والأفريقي، لكن سوء هذا الإرث ونظامه في الدولة نجده بشكل جلي في الدولة العربية، مع ملاحظة ان هذا السوء السياسي والتاريخي في نظام الدولة الحديثة يمتد الى بعض دول آسيا وأفريقيا وأروبا الشرقية في الحقبة السوفياتية، مما يجعل مثال السوء في الدولة الحديثة أو نموذجها الفاشل غير رهين بالعالم الاسلامي أو العربي.

لكن يظل النموذج العربي في الفشل الحداثوي هو الأبرز والأكثر امتثالا للخراب الحداثوي الذي كان موضوعه أو مجال اشتغاله هو نظام الدولة–الأمة وهي دولة المواطنة او دولة المواطنين وهو أهم نموذج حداثوي ابتكرته الحداثة الأوربية.

ولعل ذلك يعود الى عملية النسخ التي قامت بها المحلية السياسية العربية وشاركتها بها أيضا الأسيوية والأفريقية للدولة–الأمة أو لشكل الدولة الحديثة بصيغتها الجمهورية التي أربكت مسارات المجتمعات العربية التقليدية وأقحمتها بالقوة والارغام الأيديولوجي على الولوج في الحداثة، بينما كانت الكولونيالية الأوربية–الاستعمارية لم تجرؤ على هذا التغيير الجذري في واقع المجتمعات العربية والاسلامية ولم تسع الى تطبيق نموذج الدولة–الأمة في هذه المجتمعات التقليدية، بل أبقت الممالك والسلطنات الاسلامية على حالها أو سعت الى تأسيس ممالك أو إمارات حديثة كما فعلت في العراق والخليج، وأبقت الصيغة الرعوية التقليدية للدولة العربية الحديثة في هذه الممالك والامارات وكان نموذجها الوحيد في الصيغة الجمهورية للدولة العربية هو لبنان الذي كان نظامه السياسي يسبق كل الأنظمة العربية الجمهورية في الخراب الحداثوي–السياسي.

ويبدو أن هناك من استشرف عربيا هذا الخراب الحداثوي دون أن يؤشر طبيعته الحداثوية–السياسية فكتب عنه بوصفه "الخراب الجميل" الذي كان يتوقع به خراب الأنظمة السياسية في الدولة العربية، لكن المفاجأة التي أذهلته وصدمته أن الخراب الكلي قد امتد الى الدولة العربية ولم يقف عند حدودها بل امتد الى المجتمعات العربية ليلتزم الوعد بالخراب الجميل صمته المعيب والناكص على عقبيه.

فلم تكن أزمة العرب في النظام السياسي حصرا ولم تكن في طبيعة وأشكال الحكم التي تأسست وفق نظام حداثوي مستعار أو مستدان بل نظام الدولة العربية بذاته هو الذي يشكل أزمة العرب في مواجهة او مواكبة الحداثة العالمية التي بدت البنية الاجتماعية والثقافية العربية غير قابلة للاستجابة لها وتمريرها في واقعها السياسي والاجتماعي.

لقد انتج نظام الدولة–الأمة المستعار عربيا وبشكله الحداثوي ومضمونه التقليدي–الرعوي أزمة الدولة ومن ثم أورث أزمة السلطة أو أزمة النظام السياسي في المجتمعات العربية التقليدية وهنا يكمن سوء الإرث في الحداثة العربية.

وهي أزمة تشبعت بمضمون أخلاقي من وجهة نظر اجتماعية تقليدية، وشكل سياسي من وجهة نظر سياسية نخبوية، فقد تم تغييب الأخلاقيات التقليدية وبشكل متعمد في الأيديولوجيات التي أمسكت بالدولة في الأنظمة الجمهورية بذريعة المحتوى الحداثوي في هذه الأيديولوجيات وتنافيها مع كل التقليديات الما قبل–حداثوية التي لازالت ماسكة بمجتمعاتنا العربية ومانعة لها عن الاستجابة الى المتغير التاريخي الحديث ناهيك عن ما بعد الحديث.

فالدولة–الرعوية هو النموذج السياسي والاجتماعي الذي تستطيبه الذات الاجتماعية العربية وهي دولة الرعية وهو ما يدع الجماهير العربية في تجربة الخراب الحداثوي للدولة–الأمة أو الجمهورية العربية تستحضر في ذاكرتها السياسية الشعبية بل حتى النخبوية أحيانا نماذج الدولة العربية–الرعوية ما قبل الجمهورية وملاذاتها الآمنة والأمينة في شخصياتها السياسية في الباشا والبيك والشيخ ورمزية الملك في الذاكرة العربية، وهي تنسجم والذائقة الثقافية العربية التقليدية بل تشير عبارات "الزمن الجميل" التي شاعت مؤخرا في الوسط الاجتماعي العربي في ظل هذا الخراب العربي الحديث الى تلك الحقبة الاجتماعية والسياسية التقليدية في الذاكرة العربية وهي تعكس أزمة الدولة العربية–الجمهورية بذاتها وفق المتبنى الثقافي والقيمي العربي لها وليس حصرا في نظامها السياسي، فقد تغيرت الكثير من أنظمتها السياسية وحكوماتها لكنها ظلت تحتفظ بذلك السوء والتدهور السياسي والاجتماعي وحتى الاخلاقي وهي تؤشر تخلي الدولة العربية عن وظائفها التي تتشكل من خلالها الدولة الحديثة وبذلك تفقد الدولة العربية الهوية السياسية للدولة الحديثة وهو مؤشر أولي على الدولة اللامصنفة وفق مفاهيم الدولة الحديثة.

وأما في الشكل السياسي فأن هذه الدولة العربية الجمهورية أو نظام الدولة-الأمة سعت الى تجسيد إرادة الأمة في الدولة من خلال عملية بتر قيصري للأمة عن جذورها التاريخية والثقافية التي تشكلت في تقاليد هذه الجذور المفاهيم العلائقية القرابية-الرعوية في المجتمعات العربية، وهو بتر جرى بشكل مفاجئ وأيضا فج تحت ضغط مفهوم المواطنة وهي صيغة العلائقية الحداثوية السياسية والقانونية والبديلة عن العلائقية الرعوية التقليدية. ومفهوم المواطنة الخالص في حداثته هو شرط تطوري في صياغة وصناعة نظام الدولة-الأمة تلك الدولة التي تعني تجسيد إرادة الأمة عن طريق الانتخابات البرلمانية أو الرئاسية والفصل بين السلطات التي تنتجها جميعا الحالة السياسية والقانونية للمواطنة، التي عجزت الدولة العربية بصيغها الملكية والجمهورية عن تبنيها النظري-القانوني والعملي-السياسي لها مما أفقدها بوصلة التوافق مع شرط الدولة الحديثة في المواطنة ورسوب النظري-المعرفي والسياسي-العملي لها في الرعوية فأنتجت كل تشوهات الدولة التي تربك التصنيفات القديمة والحديثة للدولة في انطباقها على الدولة العربية لا سيما في صيغتها الجمهورية، وهو ما يفقد القدرة البحثية والمعرفية على تحديد عنوان لها تتماثل وحالتها التاريخية والاجتماعية، فلا هي ملكية ولاهي جمهورية ولاهي دولة ولا هي لا دولة وبذلك بدت أزمتها شكلا سياسيا.

ويبدو أن الأقرب لها هو التصنيف لها بالدكتاتورية، لكن الدكتاتورية سمة للنظام السياسي أو لسياسات الحاكم-المستبد وليس تصنيفا للدولة الغائب عنها كل معنى في المصطلحات والمفاهيم السياسية.

لقد انتهجت تلك الدولة اللامصنفة شكلا سياسيا وتحت تأثير سياسات أنظمتها الدكتاتورية سياسة وأساليب البتر الثقافي والاجتماعي تجاه مجتمعاتها العربية، وكانت سياسة البتر ذات ازدواجية متناقضة في صميمها فهي تعمد الى بتر الذات العربية في ثقافتها عن المفاهيم الرعوية الاجتماعية والسياسية ذات الجذور الماضوية وبنفس الوقت تعمد أيضا الى بتر هذه الذات في سياساتها الحقوقية عن مفهوم المواطنة السياسية والقانونية ذات الأصول الحداثوية.

وكانت تلك الدولة العربية-الجمهورية تسعى الى تصنيف نفسها بانها دولة علمانية، لكنه تصنيف من جانبها على مستوى التوصيف الأيديولوجي لها وهو أيضا توصيف ذرائعي يستهدف قطع الطريق على التنافس السياسي الذي كان يضمره مفهوم الخلافة في أيديولوجيته الاسلامية-السياسية التي تزامنت في ظهورها مع الأيديولوجيات العلمانية العربية في الثلث الأول من القرن العشرين.

وتشكل العلمانية أحد التناقضات البنيوية في تركيبة هذه الدولة والتي عززت من افتقاد القدرة على تصنيفها، فالسياسات في الحروب الطائفية-العربية الأخيرة التي انتهجتها الدولة العربية بصيغها الملكية والجمهورية فضحت المحتوى اللاعلماني لهذه الدولة اللامصنفة تماما في هويتها السياسية.

وتستند الهوية السياسية في الدولة الحديثة ذات المضامين الأوربية الى الحاضر السياسي ونبذ الماضي الثقافي وهو ما افتقدته النسخة الحديثة الزائفة للدولة العربية سواء بصيغتها الملكية أو الجمهورية، فالدولة الحديثة تتشكل في الحاضر تاريخيا وجوهريا وتتحرك نحو المستقبل وظيفيا وعمليا وهي دولة الحاضر في الاستجابة الى المتغير التاريخي وحين تتخلى هذه الدولة عن الاستجابة الى ما يفرضه المتغير الحاضر فانها تسقط في فخاخ الماضوية وهو ما انتهت اليه الدولة العربية أو دولة العرب ما بعد الانقلابات العسكرية.

ويبدو أن أخطر فخاخ الماضوية هو الممارسات الازدواجية التي تقوم بها دولة العرب في العصر الحديث، فهي من جانب توظف مفهوم المواطنة في إضفاء الشرعية الحديثة على واقعها وتصنيف ذاتها ضمن سياقات الدولة الحديثة، فالمواطنة هو المفهوم الذي تتأسس وفقه الدولة الحديثة وهو يشكل الاستجابة السياسية والاجتماعية الحداثوية الى المتغير التاريخي الحديث في مركزية الانسان، وهي المركزية التي تناقض البنية العربية التقليدية في مركزية العلاقات القرابية الأولية ونموذجها في العشيرة ومركزية العلاقات الجماعوية السياسية ونموذجها الحزبية والجماعوية الدينية ونموذجها في الطائفية.

وهو ما ألجأ هذه الدولة العربية الى تكريس مفهوم الرعوية التقليدي مضمونا عمليا في سياساتها المتبعة تجاه المجتمعات العربية ذات البنية القرابية والجماعوية التي تستوجب بطبيعتها السياسات الرعوية، وشكلا كانت هذه الدولة تبرر الشرعية الحديثة لذاتها من خلال توظيف مصطلح المواطنة في قوانينها وتعليماتها القانونية والادارية وتجميد كل استحقاقاتها ووظائفها في العملية السياسية والحقوقية القانونية.

وبذلك تركزت اشكالية الدولة العربية اللامصنفة مفاهيميا في ازدواجية الرعوية مضمونا سياسيا وعمليا لها وتوظيف المواطنة اعلاميا ونظريا شكلا لها وهو ما يربك تصنيفها وتحديد هويتها شكلا ومضمونا، وتحت وطأة تلك الازدواجية نشأت حالة التوتر المستمرة بين هذه الدولة الرعوية وشعوبها المحرومة من حقوق المواطنة بل وحتى حقوق الرعية وفق سياقاتها القديمة وهو ما يدع تلك الدولة اكثر قابلية في اللاتصنيف لها كدولة ذات بنية ونظام سياسي محدد وفق التصنيفات القديمة والحديثة للدولة.

وفي خط التوتر في العلاقة بينها وبين شعوبها من جهة وفي افتقاد التصنيف السياسي والقانوني لها نشأت وتطورت عوامل انهيارها وسقوطها في ما عرف بالربيع العربي ونجت ولو بشكل جزئي بعض نماذج الدولة العربية ذات الصبغة الرعوية مضمونا وشكلا رغم انخراط مصطلح المواطنة شكلا في تعليماتها القانونية والإدارية، وهي دول المشيخات العربية-الخليجية، وهي الحالة السياسية والاجتماعية المنسجمة كما يبدو للباحث مع التركيبة الاجتماعية والبنية السياسية العربية ذات المركزية القرابية-العشائرية والجماعوية-الدينية والتي يؤشر واقعها واسمها على الحالة اللامصنفة في طبيعة وبنية الدولة العربية الحديثة.

* باحث في مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث/2002–Ⓒ2021
http://shrsc.com

اضف تعليق