الخوف فيه ما هو طبيعي مبرر تستدعيه الفطرة الإنسانية خاصة فكرة الخوف من المجهول والخوف من المخاطر المشاهدة بالعين المجردة، والمخاطر المستترة التي يبلغ بها الإنسان (كالتهديد بالقتل مثلا)، وهذا الخوف فطري، أما الخوف المكتسب هو نتيجة الأفعال ويكون على نوعين: النوع الأول/ موجه من قبل الحاكم تجاه المحكومين (تخويف السلطة)، وهو النوع الأبرز والأكثر شيوعاً، والنوع الثاني موجه من قبل المحكومين تجاه الحاكم، وهذا النوع الأقل ظهوراً ويعد استثناء، وهناك اختلاف في موضوع خوف السلطة ذاته، فالسلطة أحياناً تخاف إذا كانت مقصرة بواجباتها تجاه المحكومين (خوف عام)، وأحياناً تخاف وتخشى وجود نفوذ أقوى منها عند شخص أو مجموعة أشخاص من المحكومين (خوف خاص).

وقد ينتج عن كلتا الحالتين تداعيات وكلاهما مرفوضة، فالنتائج التي تتمخض عن ممارسة السلطة للتخويف (ظلم، قمع، إحباط، الاستغلال السلطوي،... وغيرها)، وينتج عن العكس خوف السلطة (ضعف بنية الدولة، عدم الاستقرار، ضعف تطبيق القانون، وغيرها)، لذلك خوف السلطة والخوف منها نتائجه متشابهة وهي سلبية على الدوام.

قد يكون اختيار عنوان المقال غريبا نوعاً ما، والغرابة ليست من ممارسة السلطة للتخويف، لكن الاستغراب عندما يتم الحديث عن خوف السلطة، فالتساؤل الأبرز في هذا المقال، هل يعقل أن تخاف السلطة؟، ومتى تخاف السلطة؟.

المقصود بالسلطة هنا السلطة السياسية التي يفترض أن تمتلك صلاحيات حصرية لممارسة استعمال القوة لغرض تطبيق القانون والحفاظ على النظام العام، وتختلف السلطة السياسية بحسب طبيعة الأنظمة السياسية، في بعض البلدان تتمثل السلطة بالملك وأخرى بالرئيس وأخرى برئيس الوزراء، وبغض النظر عن التسمية الحديثة هنا ينصب عن صاحب السلطة الشرعية والفعلية.

عانت المجتمعات بشكل عام والعربية منها على نحو الخصوص من تخويف السلطة للشعوب وإرهابهم من خلال ممارسة القمع والإذلال بحق كل من يخالف التوجهات المرسومة من قبلها، وقد كتب عن ذلك كثيراً حيث كتب عن الاستبداد وجمهوريات الخوف التي حكمت لمدد طويلة وتم توضيح تبعاتها، لذلك نحاول في هذا المقال التركيز على الرؤية المعاكسة (خوف السلطة) ونتائجها.

متى تخاف السلطة؟، السلطة تخاف لأسباب كثيرة، بعض منها نتيجة تقصير من قبلها، وأسباب أخرى تتعلق بضعف تطبيق القانون، خوف السلطة المتعلقة بالأسباب الأولى يمكن معالجتها من خلال استبدال السلطة بسلطة أخرى تلبي الطموح في حين معالجة الأسباب الثانية صعبة لا تحتاج إلى استبدال السلطة بل تفعيل القانون وسيادته على الجميع دون استثناء.

أبرز أسباب خوف السلطة والمعالجات:

السلطة تخاف إذا كانت مقصرة تجاه مواطنيها، والخوف دائما يكون من ردت فعل الشعب، فالسلطة المقصرة تبقى تترقب وتتخوف من أي احتجاجات حتى لو كانت بسيطة ومحدودة والخوف من أن تتحول هذه الاحتجاجات إلى ثورة شعبية تطيح بها، لذلك المعالجة هنا تكون من خلال مراجعة سياسة السلطة وتغييرها بما يخدم مصلحة الشعوب، أو تغيير السلطة ذاتها، لكن هناك خوف آخر يختلف عن هذا الخوف وتختلف معالجاته، ومن أبرز أنواعه ما يلي:

1- وجود زعيم سياسي يستطيع أن يحرك الجمهور.

قد تخاف السلطة من زعيم سياسي له نفوذ أعلى منها، لكن هذا الخوف يمكن أن يتبدد عندما تكون السلطة خادمة للجمهور ونابعة منه، لذلك فأن أي زعيم سياسي لا يستطيع تحريك جمهوره دون وجود ما يبرر ذلك.

2- وجود زعيم ديني يستطيع أن يحرك الجهور.

في المجتمعات العربية والإسلامية للنخب الدينية دوراً مهما في المجتمعات، لذلك فإن للزعامة الدينية دوراً ونفوذا مؤثرا قد يكون أعلى من السلطة، مما يجعل الأخيرة تتوجس الخيفة منها، لكن السلطة طالما احترمت المقدسات والعقائد ستكون بمأمن من الثورة الشعبية الدينية.

3- وجود حزب سياسي مسلح خارج إطار الدولة.

في الأنظمة العربية يكثر وجود أحزاب سياسية مسلحة أو تمتلك أذرع مسلحة، لذلك السلطة تتوجس خيفة منها، وتبقى قلقة من وجودها، لكن هنا المعالجة يجب أن تكون قانونية حصراً، من خلال القوانين الخاصة بالأحزاب ومن خلال الفقرات الدستورية، بالإمكان معالجتها وإنهاء وجودها.

4- وجود تشكيل مسلح خارج إطار الدولة.

عندما تضعف الدولة تظهر هناك جهات تمتلك السلاح وتحاول أن تفرض سيطرتها على بعض المقاطعات، وقد تمارس الترهيب لغرض الحصول على مكاسب مالية أو انتخابية أو غيرها، معالجة وجود هذه التشكيلات المسلحة رهن بوجود قانون يجرم امتلاك السلاح خارج إطار الدولة وقوة السلطة في تطبيق القانون.

الخاتمة والاستنتاجات

مما سبق يتضح أن خوف السلطة له مضار جسيمة، ومضارها لا تختلف عن مضار تخويف السلطة للمواطنين فلا تخويف السلطة مطلوب ولا خوف السلطة مطلوب، لكن ما هو مطلوب يراد هو الخوف من القانون.

فالسلطة عندما تخاف ستكون سمتها التردد وعدم الاستقرار، وعاجزة عن تطبيق القانون وغير قادرة على محاسبة المتجاوزين على أملاك الدولة أو أملاك المواطنين، وعندما تخاف السلطة لا تستطيع تطبيق القانون فهي لا تستطيع أن تلقي القبض على المجرم والأدهى من ذلك في بعض الأحيان تخاف أن تسميه أو تسمي الجهة التي ينتمي لها بالرغم من الأدلة والبراهين.

1- يخطأ من يظن أن الديمقراطية هي حكم الضعيف، ويخطأ من يظن أن الدعوة إلى تقوية السلطة هي دعوة إلى الاستبداد، حيث أن الأخير هو أساس الدمار والتراجع الذي عاشته وتعيشه الآن معظم البلدان العربية والإسلامية، بل أن الديمقراطية هي حكم قوة القانون وقوة السلطة الشرعية التي تصدر القرارات والتعليمات الواجبة التنفيذ، كونها هي المخولة دستورياً وشرعياً، وأي ضعف يصيبها هو هدية مجانية لكل خارج عن القانون ولكل شخص غير سوي ينتهز فرصة غياب القانون.

2- خوف السلطة ظاهرة موجودة وتداعياتها واضحة أيضا، لكن صاحب السلطة يخفي وجودها ويظهر خلاف الحقيقة، لأن إظهار الحقيقة تجعل صاحب السلطة أمام خيارين لا ثالث لهما، إما المجابهة أو الاستقالة.

3- صحيح أن أضرار تخويف السلطة أكثر من خوف السلطة، لكن تداعيات الاثنين مدمرة لبنية الدولة، لذلك على كل من يؤمن بدولة المؤسسات عليه أن ينهي ظاهرة الخوف والتخويف بالنسبة للسلطة، والعمل على تفعيل ظاهرة الخوف من القانون.

4- من الخطأ تحميل صاحب السلطة وحده مسؤولية ظاهرة خوف السلطة، لأن الشعب أيضا له حصة في مسؤولية تطبيق القانون وسيادته، لكن على صاحب السلطة أن يكون أمام خيارين إما تحمل المسؤولية وتطبيق القانون بغض النظر عن تداعياته، أو الانسحاب وترك المجال لشخص آخر لديه رغبة أقوى في تطبيق القانون.

5- يرتبط خوف السلطة بصاحبها، فشخصية صاحب السلطة إذا كانت ضعيفة تؤثر تأثيرا مباشرا على إدارته للسلطة في حين صاحب الشخصية القوية يستطيع أن يدير السلطة بحزم وقوة، ليس المقصود بها القوة التعسفية بل القوة الشرعية وفق القانون.

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية/2001–2021Ⓒ
http://mcsr.net

اضف تعليق