لا محنة توازي محنة العراق وهو يكابد مشكلاته الخطيرة سوى محنة المثقف وهو يواجه قضايا الامة والدولة في هذا الظرف العصيب. أنفتحت الافاق امام المثقفين ليقولوا كلمتهم في ظل ثورة الاتصالات والمعلوماتية الهائلة، بعدما كانوا يعيشون حصارات متعددة، أخطرها كان ثنائية المعارضة أو السلطة، لكن هذه العوالم المفتوحة تضيق امام المثقف الحر المستقل، حينما يواجه مجتمعا منقسما بين مدارس ايديولوجية شديدة الانغلاق، واحزاب تتصارع للسيطرة على الفضاء العام، وجمهور كبير تائه بين التحديات اليومية وجدل الافكار والمشكلات، التي تتربع السياسة ويومياتها، والعسكرة والاقتصاد والثقافة والدين في مقدمتها.

تتوزع مهمة المثقف المنتج للافكار والمتعامل معها بين نقد الواقع وتفكيك مقولاته الراسخة، وبين تقديم الرؤى والبدائل، الى اجتراح الحلول وتجديد الفهم، وتحفيز القراءات وبناء التصورات.

كتب الكثيرون عن دور المثقف واهميته، وعن (الانتلجنسيا) ومهامها التنويرية والتجديدية، فمامن مجتمع صغير او كبير الا ويقتات على ما ينتجه المثقفون والمفكرون والمنظرون والمتفلسفون، بهم تقاس حيوية المجتمع وبمقدار ما يحفرون في طبقات الفهم والعلاقات بين القضايا الكبرى وتفاصيل الواقع المعاش. تتوالد المشاريع والمفاهيم والمصطلحات، وتتطور البنى الفكرية والاجتماعية.

لكن المثقفين ليسوا سواء في اخلاصهم لمهمتهم وفي استيفائهم لمعايير(تصنيفهم)، فمنهم من يملك المواهب والقدرات، ومنهم من يعيش لنفسه ويتمحور حول ذاته، ويكتفي ببرجه العاجي مترفعا منفوخا، ومنهم من تسكنه فكرة المفكر الايطالي انطونيو غرامشي عن (المثقف العضوي) الفاعل في قضايا المجتمع، الحامل لهمومه والساعي لتغيير احواله.

في العراق ظلت مقولة الثقافة والمثقفين ميدانا لصراع سلطوي متعدد الاشكال، صراع رسخته سلطة الدولة وقدرتها على التحكم بمعاش المثقف وحريته وحدود تعبيره، وسلطة الحزب المعارض للسلطة وحاجته الى المثقف المنافح عن ايديولوجية الحزب ومشروعه، واخيرا سلطة المجتمع ومؤسساته التقليدية، بين هذه وتلك حاصرت السلطات جميعا صوت وقلم وعقل المثقف، فصار اسير تابوات متعددة وخطوط حمر متوازية، بين سلطة غاشمة قامعة، وبين نظرات الارتياب والشك والارتداد والتخوين.

حقول الالغام التي يمشي فيها المثقف، تتقاطع هي الاخرى مع نرجسية بعض المثقفين ومثالية اخرين وانتهازية صنف ثالث ووصولية ولا مبدأية صنف رابع.

لكن المحددات الذاتية لحركة وفكر المثقف لا تتوازى مع السلطة (المعرفية) والقيمية التي تفرضها سلطة الفاعلين السياسيين من احزاب ومنظمات وقوى مسلحة ومؤسسات اعلام متحزبة، اذ لامكان في احزابنا لمثقف، ولا طاقة لعقل مستنير على البقاء في منظومة حزبية، سواء كانت حزبا بالمعنى المتعارف، او حزبا مجازيا كالطوائف والقوميات والاثنيات والمشاريع السياسية التي تهيمن على المجتمع.

الاحزاب الايديولوجية لاتطيق المثقف ولاتحتمل عدته المعرفية، والهياكل السلطوية لاتستوعب نقدا موضوعيا او تفكيكا معرفيا، انها مشغولة بمراكمة منجزات ومكاسب الصراع ضد الاخر، القريب والبعيد، ولذلك تتصحر ساحات الاحزاب والقوى المسكونة بالصراع الخشن والناعم، وتجف عقول الحزبيين عن رؤية الحقيقة غير ماتعتقد وتتوهم، الحزبية الشمولية لاتؤمن بالحرية، والمشاريع الايديولوجية تضيق بمن يفسد عليها شعاراتها ومقولاتها، والمثقف الحر معني قبل غيره بنقد الايديولوجيا وفضح زيف المقولات المؤدلجة والشعارات المسطحة، العراق المتخم بالصراعات، قضى عمرا مديدا ينوس بين شعارات اليمين واليسار، القومية والماركسية، العلمانية والدينية، حتى استلبت هذه المقولات الانسان العراقي وجعلته بين فكي رحى تطحن عظامه يوميا ،متى يتحرر العراقي من هذه الاسيجة ويختار بحرية وهدوء مايملأ عقله ووجدانه ويرضي ضميره؟

لا اظن ان ذلك سيتاح له مادمنا ندمن الصراع والتصنيف ونغذي الخلاف المزمن باحكام مسبقة، فاذا فكرت بعقلك ولم تردد المقولات الشائعة فانت ربيب مشروع مؤامرة وسهم المشروع الناعم المضاد، فاي دور لمثقف يخشى على نفسه الحصار والاغتيال الرمزي وهيجان جنون حراس المعابد الايديولوجية والمشاريع الحزبية؟

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق